|
"طفولة عود النعناع".. فاتح المدرس في الذكرى الخامسة لغيابه |
|
|
|
غيث العبدالله
|
|
2006-05-08 |
خاص: "نساء سورية"
إن أية محاولة لفهم ودراسة أعمال الفنان فاتح المدرس بمعزل عن انفعالاته ومؤثراته الخارجية ومخزون الذاكرة العجيبة لديه ستكون حتماً ناقصة وبالتالي ستضيع أمام عين المتلقي فرصة التقاط وفهم أفكاره وجمالياته المتعددة.  وغير ممكن أبداً رؤية أعماله من دون الرجوع إلى عوالم الطفولة التي عاشها هذا الفنان المعلم، تلك الطفولة، البائسة، المسحوقة، الفقيرة، وأيضاً الجميلة على حد تعبيره ".. كان عالمي فقيراً لكنه جميل جداً ومعلمي الحقيقي كان الأرض، الأرض الزراعية، النظيفة وإنسانها الذكي النشيط والكريم، حيث تعلمت من المزارعين نبل العمل، وهذا ما طبقته في حياتي..". ولأن الطفولة للفنان كما يقول الروائي عبد الرحمن منيف في حديثه عن المدرس "نبع لاينضب ولأن هذه الطفولة سُرقت من فاتح في وقت مبكر ولأنه حُرم من المكان الذي ولد فيه وألفه، وحُمل إلى المدينة الكبيرة القاسية فإن ماعجز عن تحقيقه في الواقع أخذ يحققه في الحلم والذاكرة ثم بالفن". ".. وأحد المفاتيح لقراءة الفنان معرفة طفولته إذ بدون معرفة هذه الطفولة وما تخلله من مصاعب وتحديات وما لابسها من مشاعر ورغبات وأحلام، ستبقى أعمالاً عصية وبعض الأحيان مغلقة". وكثيراً ما نجد في أعمال المدرس صدىً لهذه الطفولة المعذبة وتعاطفاً حقيقياً مع شخوصه الذين شاركوه أيامها وامتزاج لون التربة ورائحتها في سهول الشمال السوري حيث ولادته، هذه السهول الممتدة والتي طوت فوق مساحاتها الشاسعة أحداثاً وحكايات ومشاهد يومية عاشها الفنان واختزنتها ذاكرته المذهلة ورسمت مخيلته الطفلية مفردات ورموز وإشارات، ما لبثت أن استقرت وسطعت على سطح لوحته تقتحم بياضه وتلونه بقوة وتفاعل ومطواعية، فتبرز وجوه الفلاحين والنساء والأطفال بكل كبريائها وعنفوانها وقد مرت حقيقة أو وهماً أو خيالاً في حياته يوماً. لقد تجلى وجه أمه المكسورة المبعدة جلياً في أعماله، أمه الفلاحة الطيبة الصلبة التي استطاعت أن تشق طريقاً لها ولطفليها بعد الحرمان التي تعرضت له إبان فقدان الزوج باكراً قتيلاً وهو يدافع ضد الظلم والمستغلين أمام أعين أسرته الصغيرة المبعدة إلى غير رجعة، من هنا لانجد غرابة في استلهام المدرس مواضيع أعماله وأفكاره من ذلك الكم الهائل من الشقاء والبؤس الذي رافقه فترة طفولته هذه وما تلاها لاحقاً. وعلى هذا يمكننا التعرف سريعاً إلى أعماله وما احتوته من جماليات خاصة وأسلوبية، متفردة تحركها انفعالات، وشحنات عاطفية هي أساس فنه وتلاحم طبيعي باد مع الإنسان والأرض بكل أبعادها. لقد غدا فاتح المدرس الذي لريشته مع اللون فعل السحر صديقاً للحزانى والبائسين وشفيعاً للوجوه المتعبة الطيبة الذي أكد على تلازم الفن والأخلاق وفتح قلبه ومرسمه أمام الجميع خاصة تلك المواهب الشابة التي أخذت عنه حب الوطن والإنسان والفن عموماً. 16/6/2005
|