|
دروب حريتكِ... معبّدة بإرادتكِ |
|
|
|
إيمان ونوس
|
|
2008-09-20 |
لما كان الأفق ضيقاً... والنوافذ صدئة موصدة في وجه أية ملامح تحررية للمرأة، نهضت بعض النساء الجريئات المتحررات من كل الأوهام التي تقضي بقصور المرأة الذهني والروحي، مؤمنات بقدراتها الكامنة (ذهنياً واجتماعياً وعلمياً)
فاتحات الأبواب مشرعةً، ممهدات الطرق الوعرة أمام تطورها وتحررها الذي نلمس بعضه اليوم غير آبهات لكل التقولات والشائعات، فارضات احترامهن على الجميع في الوقت ذاته، فاعلات مؤثرات في تطور الحياة الفكرية والعلمية للمجتمع، يقودهن إيمان عميق وإرادة قوية بقدرة تلك الإنسانة التي تقع على كاهلها مسؤولية تربية الأبناء ليكونوا أفراداً صالحين في المجتمع، فكيف لتلك القدرات التي تبني أساس المجتمع(الفرد) أن تكون غير مؤهلة لقيادة ذاتها وانطلاقها، غير واعية لحقوقها وحريتها. فكانت بينهنّ الأديبة والمعلمة المحامية والطبيبة التي تركت بصمات لا تُمحى في تاريخ الحركة النسوية، والأمثلة كثيرة. والذي أود قوله لكل النساء، خصوصاً اللواتي يخطون أولى الخطوات في طريق الحياة، إنه لا شيء استطاع أن يوقف طموح أولئك النسوة في زمن القيد، لأنهن كن مؤمنات بقدراتهن وبأهمية دورهن في الحياة، وهذا ما أهلهن للسير بخطاً ثابتة رصينة في طريق الحرية الاجتماعية والعلمية، التي لم تكن في لحظة حرية اللباس السافر، أو السلوك المستهجن من المجتمع، وإنما هي حرية إرادة وعزيمة جبارة لإثبات وجودهن الفكري والإنساني من خلال الثقافة والعلم واحترام الذات، واقتحام مجالات لم تكن يوماً مسموحة لهنّ، في محاولة جادة لانتزاع نصف المجتمع من المستنقع الذي استسلمت إليه عامة النسوة. فقد كان الرجل ذا سلطة شبه مطلقة يسوق النساء لاتباع شريعته، والمرأة صامتة فاسحة المجال له ليصوغ القوانين باسمه وباسمها، دون أن يكون لها حضور ملموس في صياغة هذه القوانين، راضخة لدورها التقليدي في الحياة من رعاية شؤون البيت والأولاد ومتعة الرجل. فجاءت محاولة المرأة الرائدة بدايةً لانتزاع الخوف والخنوع الذي استساغته النساء آنذاك، وتفننت فيه لإرضاء الرجل والحصول على ما تريد من حلي وثياب وما شابه! تقول غادة السمان مُعَرفةً المرأة المتحررة: (الفتاة المتحررة- ليست كما يعتقد البعض- تلك الدمية العصرية الأصباغ والأزياء، وتلف في أسواق التفاهة، والتي تحررت من ثيابها وإنسانيتها واحترامها لنفسها، فهذه لا تمثل إلاَ النموذج الحديث للبطالة المترفة في سنوبيزمي أبله ضيق الأبعاد). فالحرية: فعل وعي ورقي متطور، يُمارس من خلال منظومة فكرية قوامها العلم والثقافة، ووعي الذات والواقع. فإن امتلكت المرأة تلك المنظومة عملت على قراءة الواقع بشكل علمي وعملي من خلال كسر الجمود الذي قيدها دهوراً متعاقبة، والذي يجعل منها فعلاً دمية تلبي رغبات مالكها بكل أبعاد تلك الرغبة. وهي بذلك تسعى لتغيير المجتمع وتحريره وبنائه وفق معايير صحيحة تشمل جهود المرأة والرجل معاً. أما إذا بقيت تحمل موروثاً تقليدياً يكرس أنوثتها، لا غياً إنسانيتها وفاعليتها، فإنها لا تتبنى إلا ثقافة الحريم وآخر صرعات الموضة من خلال ممارستها لحرية مشبوهة ومشوهة مبتذلة، متحررة من كل القيم والأخلاق عندما تنقاد لما يجعلها سلعة ومستهلِكةً في الوقت ذاته. لأن الجمال عندما يتحوّل إلى مظهر جسدي شبه عارٍ، يستنزف الوقت والمال والقدرات الذهنية، فإنما يعكس خللاً خطيراً في نظرة المرأة لذاتها يجعلها تسلك كل السبل وأسوأ الطرق للحصول على ما يجعلها امرأة جميلة متحررة، تساعدها في ذلك منظومة المثل العليا للجمال والمتمثلة فيما تبثه الفضائيات ووسائل الإعلام وتلك المجلات النسائية التي تروج لآخر صرعات الموضة والأزياء والمكياج وحميات الريجيم، أو ما يسمى بصناعة الذوق العام. أي أن هناك شركات اقتصادية عملاقة هدفها الربح أولاً، ومن ثم بقاء المرأة دمية تُحَركُ بما يثير غريزتها وبما تتلقفه من عالم الأزياء، لترمي ما في خزانتها لأنه لم يعد يناسب تحررها، وبالتالي توسم بالتخلف. ولا يفوتنا الأهداف بعيدة المدى لتلك الشركات التي ترمي للإبقاء على تخلف المرأة الفكري لتظل سوقاً رائجةً لتصريف منتجاتها من جهة، ولتزيل العائق الأساسي- وعي المرأة- في طريق تطور المجتمع ونهوضه. إذ تُبقي على النساء أسيرات خانات معتمة بعيدات عن المشاركة الفعلية في الحياة العامة. وليس هذا وحسب، بل وبحكم أنها أم ومربية، فإنها ستبقي على هذا الموروث المتخلف، مُضيفةً إليه فهماً خاطئاً للحرية الأنثوية، لأن أصحاب المصلحة في ذلك يعون تماماً مدى قدرات المرأة إن امتلكت الوعي والفكر والثقافة وماهية الحرية التي تنشدها عندئذ، حرية تقلص أرباحهم، وتبطل خططهم، حرية تجعل المجتمع البشري أكثر عدلاً وإنسانية وأخلاقية. لأن المرأة بطبيعتها الأنثوية تجنح للسلم والأمن والأمان، وهذا ما يتناقض مع سعيهم للتجارة والحروب واستغلال الإنسانية بشتى الوسائل لزيادة أرباحهم. من هنا يتضح لنا أن الوعي هو الحليف الأساسي والرئيسي للمرأة كي تدرك حجم ذاتها وموقعها الهام في المجتمع، لأنها تمتلك قدرات هائلة قد تتفوق فيها على الرجل إن هي وظّفتها بإطارها الصحيح، وذلك بسبب خاصيتي الصبر والحنان اللذين تمتلكهما لتخطي لحظات المخاض الأليم، ومن ثم رعاية الطفل وتربيته. لذا، فهي إن أرادت وآمنت بحقها وقدرتها على تفعيل دورها في الحياة، استطاعت بلوغ أسمى الأهداف دون انتظار مساعدة المجتمع والرجل وقوانينه وأعرافه، لأنه لا يمكن لإنسان أن يمنحها حرية هي غير مؤمنة بها أو غير مؤهلة لها، ما لم تسعَ هي لتلك الحرية التي يُفترض ألاَ تستخدمها إلا لجعل الأبواب مشرعة أمامها لتعميق مفهوم الأنوثة الحقيقية والفضيلة والإنسانية التي تجعل الحياة أكثر رقياً وتطوراً. إيمان ونوس، (دروب حريتكِ... معبّدة بإرادتكِ)
تنشر بالتعاون مع جريدة النور، (7/2008)
|