|
لا علاقة للدين، أي دين، بـ"جرائم الشرف"! |
|
|
|
المحامي الأستاذ ناصر محمد الماغوط
|
|
2008-10-14 |
بادئ ذي بدء، اسمحوا لي أن أعبر لكم عن أسفي الشديد لوجود دواعي قانونية واجتماعية وواقعية لانعقاد مثل هذه الندوة التي تتناول قضايا جرائم ما يسمى جرائم الشرف في بلد عريق وموغل في الحضارة مثل سورية.
وبذات الوقت، أقدم الشكر الجزيل للجهة المنظمة لهذه الندوة، هذه الجهة التي تثبت اليوم بأن مجتمعنا هو مجتمع حي وفي حالة حراك اجتماعي وفكري سوف يؤدي إلى مرحلة جديدة من التطور والتقدم إن شاء الله لتنعكس إيجابا على تطوير الوعي الشعبي الاجتماعي في سورية التاريخ والحضارة، التي قدمت للبشرية الأبجدية الأولى. موضوع هذه الندوة وعنوانها هو الملتقى الوطني حول جرائم الشرف، ولا شك في أن هذا العنوان هام وكبير، ويستحق من مختلف الأوساط في سورية وفي العالم العربي والعالم الإسلامي الاهتمام الكبير، ومسؤولية الاهتمام بهذا الموضوع في نظري لا تقع على عاتق جهة دون أخرى، بل تقع على عاتق مختلف شرائح المجتمع الرسمية والأهلية. وبقدر ما تتضافر الجهود وتتناغم بقدر ما تنجح في إحداث الأثر الأيجابي المرجو. يعزو الكثيرون سبب انتشار جرائم الشرف في سورية إلى المادة 548 من قانون العقوبات السوري، كما تقول بعض الإحصائيات بأن سورية هي صاحبة نسبة في ارتكاب جرائم الشرف هي الأعلى على مستوى العالم العربي، وهي أيضا واحدة من بين خمس دول تقول الإحصاءات بأن هذه الدول هي الأعلى بمعدلات ارتكاب جرائم الشرف على أراضيها. ومع وجود بعض التحفظات على مثل هذه الإحصاءات، لكنها بالأخير مؤلمة ومؤسفة. تقول المادة 548 من قانون العقوبات في فقرتها الأولى: 1- يستفيد من العذر المحل من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود أو في صلات جنسية فاحشة مع شخص آخر فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو على قتل أو إيذاء أحدهما بغير قصد. 2- يستفيد مرتكب القتل أو الأذى من العذر المخفف إذا فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في حالة مريبة مع آخر. معلوم أن القانون عموما ما هو إلا انعكاس للوعي الاجتماعي والتطور الإنساني. وإن المادة المذكورة المشكو منها على أنها هي التي تسهل وتشجع على ارتكاب جرائم الشرف هي في الحقيقة مأخوذة عن القانون الفرنسي وليس من الشرع الإسلامي. إذ ان قانون العقوبات الفرنسي هو المصدر الأول لقانون العقوبات السورية الذي اشتق عنه معظم أحكامه في عام 1949 لكن تلك المادة في قانون العقوبات الفرنسي قد تم إلغاؤها بينما لا تزال سارية في سورية وفي بعض الدول الأخرى من مثل مصر والأردن ولبنان. إذن التهمة تعود إلى أن القانون السوري هو الذي يشجع على هذا النوع من الجرائم، والمادة المذكورة تحديدا هي مشتقة أصلا من واقع اجتماعي وليس من الدين الإسلامي، إذ لم نعلم أن مذهبا من المذاهب قد أباح القتل في هذه الحالة دون أن يطلب إثباتات شديدة وواضحة، لذلك أرجو أن تبرؤوا ساحة الإسلام والمسلمين من هذه التهمة. لأنه معلوم للجميع أن جريمة الزنا في الشرع الإسلامي هي مستحيلة الإثبات، كونها بحاجة لأربعة شهود يضبطون حالة الجماع تماما، بمعنى لو أن أربعة أشخاص أو أربعمائة شهدوا بأنهم رأوا رجلا وامرأة عاريين تماما في مكان ما، لما أثبت ذلك وجود جريمة الزنا ولما أمكن إيقاع الحد عليهما. فكيف نصدق أن ذات الشرع يبيح للرجل تحديدا أن يقتل زوجته أو ابنته أو أمه أو أخته لمجرد الشبهة في سلوك إحداهن ؟ أكثر من ذلك، وكما سمعنا ونسمع دائما، بأن معظم الجرائم التي حدثت هي جرائم تقع لمجرد الظن بأن هذه الفتاة أو المرأة ولو كانت في حالة حب، أو أنها تزوجت عن حب شخص لم يوافق عليه أهلها. هنا من يرتكب هذه الجريمة من الناحية القانونية ويقدم على قتل هذه المرأة لا يستفيد من العذر المحل المذكور في المادة 548 من قانون العقوبات السوري وهذا ثابت في الاجتهادات الصادرة عن محكمة النقض في سورية. وعلى الأغلب بأن الأشخاص الذين يقدمون على ارتكاب جرائمهم إنما ينطلقون ليس من حالة الإعفاء من العقوبة أو التخفيف التي وردت في القانون السوري، وإنما ينطلقون في أفعالهم من موروثهم الثقافي والاجتماعي الذي يجعل المرأة تابعة للرجل، وهي مصدر شرف الرجل مهما كان هو أصلا وضيعا ودنيئا وخاليا من الشرف. ومعظم الرجال عموما سواء كانوا في مجتمعاتنا، أو في أي مجتمع آخر، هم في حالة جوع جنسي متواصل ولن يتردد واحد في اعتقادي حالما تسنح له فرصة الخيانة، في أن يقتنصها. بينما المرأة ليست كذلك. الدليل على ذلك أن المرأة هي دائما طرف مرغوب فيه، وتتعرض كثيرا لعروض إقامة علاقات معها، ومع ذلك، لولا أن المرأة هي أكثر شرفا من الرجل ولديها من الكوابح النفسية والأخلاقية والدينية ما يردعها عن قبول العروض المقدمة إليها، لانفلتت الأمور. أعني من ذلك، بأن المرأة فطريا هي أشرف من الرجل بهذا المفهوم، حتى لو كان الرجل، وقد شمر للصلاة ثيابه، كما قال الشاعر، وبدت له واحدة ما، لزعزعت تفكيره، لكن المرأة أقوى بما لا يقارن من الرجل وهي أكثر حصانة منه. تستطيع المرأة أن تقاوم إغراء الرجل لها بقوة خارقة مقارنة مع الرجل الذي غالبا ما يسقط في أبسط امتحان. إن الثقافة السائدة التي يتربى عليها الرجل، على أنه في موقع متقدم على زوجته وأمه وأخته وبنته، هي المسؤولة أولا وأخيرا عن انتشار مثل هذه الجرائم، ولا بد من العمل وتضافر الجهود من مختلف الجهات الرسمية والشعبية والمدنية لتطوير هذه الثقافة، ولا بد من أن تترافق هذه الجهود مع تعديلات قانونية تتشدد بالعقوبات على من يرتكب مثل هذه الجرائم خصوصا عندما نعرف أن الكثير من الضحايا قد وجدن بريئات تماما، معظمهن عذراوات، وبعضهن ضحايا لوشايات وشكوك لا أساس لها من الصحة، وبعضهن تم دفعهن إلى هذا العمل من قبل أزواجهن أو حتى أهلهن. بعد هذا يمكن القول بأن المسألة ليست مسألة شرع إسلامي يبيح ذلك، بل هو عرف اجتماعي موجود في مجتمعات متخلفة هي بالأصل وبالصدفة تدين بالإسلام، لكن بطريقة تربيتنا وثقافتنا، سواء كنا مسلمين أو غير مسلمين، فإن عرفنا الاجتماعي الذي يمنحنا كذكور هذا التفوق، يمكننا بالنتيجة أن نذبح المرأة لمجرد الشك في سلوكها. ومع كل المحاولات التي يبذلها الشرفاء لتبرئة الإسلام من كل ما يلصق به من تخلف وإرهاب واحتقار للمرأة، علمنا بأن شخصية أكاديمية ودينية هو عميد كلية الشريعة بجامعة دمشق لا يكتفي بالدفاع عن جرائم الشرف ويدعي بأنه تتوافق مع الدين الإسلامي، بل أكثر من ذلك يطلب من مناهضي جرائم الشرف مغادرة سورية ليبحثوا عن مكان آخر يعيشون فيه إذا كان لديهم رأي آخر في هذه المسألة، كما لو أن سورية هي لسيادة العميد وحد وليست لكل أبنائها الذين من حقهم أن يعيشوا عليها بأمان واطمئنان، وأن يعبروا عن رأيهم ويعملوا جميعا من أجل حياة أفضل. لو كان هذا الرأي صادرا عن عميد كلية الحقوق لقلنا أنه رأي شخصي صادر عن رجل قانون في مسالة معينة سواء أعجبنا رأيه أم لا. أو لو أنه كان صادرا عن عميد كلية الطب أو العلوم أو الآداب أو الاقتصاد أو أية كلية أخرى لقلنا أنه رأي شخصي نتفق أو لا نتفق معه، لكن كون الرأي صادرا عن عميد كلية الشريعة الإسلامية، المتهمة سلفا بأنها هي من يقف خلف تبرير مثل هذه الجرائم، فهذا تواطؤ سواء عن علم أو غير علم مع كل أعداء الإسلام الذين يحاولون أن يزجوا بهذا الدين العظيم خلف كل مسألة فيها تخلف ورجعية وإرهاب.هذا الموضوع في اعتقادي لا يمكن أن يتغير بكبسة زر، او بتعديل قانوني، بل لا بد من تعديل الوعي الشعبي في هذه القضية على التوازي مع التعديل القانوني، لأن هذا النوع من الجرائم منتشر في المجتمعات المتخلفة تحديدا بغض النظر عن دينها أو هويتها، وللأسف الشديد، ولأن أكثر الدول المتخلفة تقع اليوم على الخارطة الإسلامية، لذلك جرى تحميل الإسلام المسؤولية عن انتشار هذا النوع من الجرائم. وكلنا يعلم أن الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم قد نهى عن إيقاع الحدود في الشبهات حينما قال" ادرؤوا الحدود في الشبهات" كما ورد في القرآن الكريم: يا أيها لذين آمنوا إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين. صدق الله العظيم. هذه الآية شديدة الوضوح إلى منع القيام بأي عمل ما لم يتبين ويتحقق ويتأكد. وفي جميع الأحوال، فإن العقاب هو مسؤولية المجتمع وليس مسؤولية الأفراد. سورية تتطور هذه الأيام، وانعقاد هذه الندوة، والتركيز على هذا الموضوع في هذه المرحلة على مختلف المستويات، لهو دليل قاطع على أن البلد بخير والحمد لله، وتسير إلى الأمام. وهذا الأمر بحد ذاته نلمسه من خلال صدور العديد من القوانين الهامة في عهد الرئيس بشار الأسد، وهو دليل أكيد أن الدولة في حالة تقدم وتطور وثمة أمل بأن نأخذ مكاننا اللائق بين الأمم. كلمة أخيرة أكرر فيها رأيي أن لا علاقة للدين، أي دين، بجرائم الشرف التي تدعو إلى القتل. لقد حضت الأديان جميعها على الأخلاق والقيم والمثل العليا، وهذا شيء متعارف عليه ومتفق عليه في مختلف العالم باختلاف أديانها ومعتقداتها، لكن القتل الذي نحن بصدده له علاقة أكيدة بالتخلف، وما يثبت ذلك أن معظم الذين يقومون بارتكاب هذه الجرائم هم أشخاص أقل من عاديين وهم في غالبيتهم عبارة عن مرضى نفسيين مشبعين بفكرة التفوق الذكوري ولا يفهمون من الشرف والأخلاق إلا أن تكون المرأة التي هي تحت وصايتهم محبوسة في المنزل، وإذا خرجت، فهي تخرج مع من يحرسها لأنها دائما معرضة للسقوط عند أول امتحان لها، وهو ما يعكس سوء نية الرجل الذي يظن أن تفكير المرأة هو مثل تفكيره تماما، بينما مختلفة عنه في هذا الموضوع تحديدا وأرقى منه بكثير. وكما يشتهي الرجل دائما كل امرأة تمر من أمامه، يظن أن أمه وأخته وزوجته هن مثله لا يفكرن إلا بالجنس. المشكلة التي نحن بحاجة للعمل على حلها هي أننا في مجتمعاتنا، قد جرت تربيتنا على ثنائية الحلال والحرام والثواب العقاب، لذلك يجري إقحام الدين في كل خطوة من خطواتنا وتصرفاتنا. جميع أفعالنا هي محكومة بهذه الثنائية. هل ندخل بالقدم اليمنى أم اليسرى إلى هذا المكان أو ذاك؟ هل نقول كذا أم نتصرف كذا؟ كيف نلبس؟ كيف نبدو؟ كيف نتحدث؟ كيف تكون وضعية يدينا أثناء الصلاة؟ أكثر من ذلك، يجري تغذية فكر سلفي خطير يحصر المتلقي في التاريخ ويجعل منه فردوسا مفقودا لا بد من العمل للعودة إليه. وهو ما يثبت أن التربية الدينية بحاجة إلى تطوير، ويجب أن نركز على السلف الصالح المتنور من أمثال الشافعي ومحي الدين بن عربي وأمثالهم، وليس من أمثال الغزالي وابن تيمية ومن هم على شاكلتهم ممن أرسوا للتكفيرية والتحليل والتحريم على هواهم. أرجو أن لا أكون قد أطلت وما وفيت، والله من وراء القصد والسلام عليكم *- قدمت هذه الورقة في "الملتقى الوطني حول جرائم الشرف"، الهيئة السورية لشؤون الأسرة بالتعاون مع وزارة العدل ووزارة الأوقاف، دمشق، فندق الشام، 14-16/10/2008 المحامي الأستاذ ناصر محمد الماغوط ، (لا علاقة للدين، أي دين، بـ"جرائم الشرف"!)
خاص، نساء سورية
|