|
قراءة فقهية في قانون العذر المحل فيما بات يعرف بجرائم الشرف |
|
|
|
د.محمد حبش
|
|
2008-10-14 |
أصبحت مسألة جرائم الشرف من أكثر المسائل حساسية ودقة في المجتمعات الإسلامية والعربية، وقد تزايدت بشكل ملحوظ الجرائم التي ترتكب كل يوم تحت اسم الشرف، وثبت بشكل قطعي أن كثيراً من هذه الجرائم هي جرائم تامة ارتكبت لأغراض دنيئة
ولكنها تستظل بظل مشاعر الشرف وتضع نفسها تحت دلالة المادة 548 من قانون العقوبات التي تنص على أن من فاجأ زوجته في عمل مريب وقتلها فإنه يستفيد من العذر المحل ولا يقع عليه عقاب. ما معنى جرائم الشرف؟ على حد تعبير تشوشيوهو السفيرة الصينية بدمشق قالت لي كيف تسمونها جريمة شرف؟ إن الذين يفعلون هذه الجرائم ليس لهم شرف ولا عقل ولا دين، وهي قراءة تحدثت عنها السيدة الصينية بعفوية وبساطة ولكنها تستند إلى الأصل المرجعي في المسألة وهو أن الدين إنما هو رحمة للعالمين ولا يمكن أن يكون غير ذلك. فاطمة فتاة عراقية شاء لها قدرها أن تكون لاجئة إنسانية إلى السويد من العراق، وهناك كان عليها أن تواجه قدرها بين ثقافة الغرب الوافد وآداب الشرق الرافد، وعندما عجزت عن تحقيق ذلك دفعت حياتها ثمناً لهذا التناقض حين ذبحها أبوها بالسكين، ومن قتل نفساً فكأنما قتل الناس جميعاً. الإعلام الغربي جعل من فاطمة مادة جاهزة للهجوم على ثقافة الشرق الإسلامية، وأصبحت فاطمة في السويد تراجيديا ملهمة وصارت كتباً وفيلماً ودراما ومثالاً جاهزاً لعجز الشرق عن فهم الغرب، واستحالة الحياة المشتركة إلى غير ذلك. لقد اهتزت في العام الماضي لواحدة من أبشع جرائم القتل التي ارتكبت تحت عنوان الدفاع عن الشرف، ولكن هذه الجريمة استقبلت لدى المثقفين في العالم الإسلامي بنفس القدر من الاستنكار والغضب، خاصة عندما تخيل القتلة أو من يدافع عنهم بأن هذه الجرائم إنما هي امتثال لأوامر دينية. وفي الواقع فإن الناشطين في الحركة الإسلامية هم أكثر الناس حماساً لمقاومة جرائم الشرف ونزع مبرراتها التشريعية والقانونية. لقد جاء الإسلام بحرمة دم الإنسان وكان واضحاً في بيانه أن القتل بكل أنواعه كبيرة من أكبر الكبائر وقد شرع القصاص في الإسلام لرد أي شكل من أشكال الاعتداء على الحياة الإنسانية، قال الله تعالى في القرآن الكريم: من قتل نفساً فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً وأجد من الأمانة القول أن الإسلام جاء شديداً في تحريم الزنا واعتباره جريمة أخلاقية واجتماعية، خاصة عندما يتضمن خيانة زوجية، وذلك حرصاً من الشريعة الغراء على استقرار الأسرة، ورعاية لحقوق الأبناء الذين يفترض أن ينشئوا في بيئة سليمة آمنة مستقرة لا تشوبها طبيعة العلاقات المضطربة التي تجري في الظلام وتؤثر غاية التأثير على الحياة الزوجية، قال تعالى: ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً ومن البدهي أن تقوم الشريعة بتقرير عقوبة رادعة على طرفي الزنا عندما يثبت ذلك بالأدلة القضائية المحكمة، ولأجل ذلك فقد قررت الشريعة عقوبات مختلفة لمواجهة العلاقات الجنسية غير المشروعة التي تخالف النظام العام في الإسلام في بناء الحياة الأسرية على أساس من الاستقرار والحب والرحمة، وكانت هذه العقوبات في صدر الإسلام الأول تتم بجلد الزناة وهو نمط كان متعارفاً عليه في العقوبة، ولكن خلال تاريخ الفقه الإٍسلامي طرأت عليه تعديلات كثيرة، تقسو حيناً وتهون حيناً، بما يناسب تطور الحياة والأعراف التشريعية في كل بلد من البلدان. ولكن ما ينبغي تقريره هنا هو أن هذه العقوبات الشرعية المقررة على جريمة الزنا ليست شأناً فردياً يطبقه من شاء كيف شاء ومتى شاء، بل إن هذا شأن الحكومة الشرعية التي تسهر على حراسة القانون، ولا يتم ذلك إلا بعد أن تكون الأمة قد اختارت تطبيق هذا الحكم ووافقت عليه عبر مؤسساتها الديمقراطية، وبعد ذلك فإن علينا أن نتذكر أن الحكم الشرعي هنا له شروط كثيرة ودقيقة لا بد منها حتى يتحقق الحكم الشرعي، وهذه الشروط من الشدة والصرامة بحيث يستحيل تحققها حيث تشترط قدوم أربعة شهود عدول يشهدون على واقعة الزنا بطريقة واضحة لا لبس فيها على الإطلاق، وهنا أؤكد لكم أنه خلال التاريخ الإسلامي فإن حد الزنا لم يطبق على الإطلاق عن طريق البينة وإن كان قد طبق أحياناً عن طريق الإقرار، وهو الرغبة الشخصية لمن اقترف الخطيئة أن ينال الحد في الدنيا رغبة أن يتجنب العقاب في الآخرة. وهنا يجب القول: أولاً : إن مسألة تحديد الحد لم تكن أبداً محل اتفاق في الفقه الإسلامي، على الأقل في إطار التفاصيل، وإن فلسفة الحد في الإسلام هي أنه المستوى الأقصى الذي يمكن للقضاء أن يأخذ به ولا تجوز الزيادة عليه، ولكن يمكن للقضاء أن يختار ما يراه مناسباً من عقوبات أدنى وفق قاعدة ادرؤوا الحدود بالشبهات. وكذلك فإن عقوبة الرجم حتى الموت ليست محل اتفاق بين فقهاء الإسلام إذ لم يرد عليها نص قرآني أبداً، وإنما وردت في التوراة في سفر التثنية 22-23 إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل فوجدها رجل في المدينة واضطجع معها فأخرجوهما كليهما إلى باب تلك المدينة وارجموهما بالحجارة حتى يموتا، الفتاة من اجل أنها لم تصرخ في المدينة، والرجل من اجل انه أذل امرأة صاحبه فتنزع الشر من وسطك. وهكذا فإن ظاهر هذه المادة يتعارض نصاً وروحاً مع الشريعة الإسلامية التي لم تجعل عقوبة الزنا هي القتل أصلاً بل حددت لذلك شروطاً وضوابط، وفي النهاية جعلت العقاب محدداً بالجلد وليس القتل كما هو نص القرآن الكريم. ثانياً: إن الشروط التي وضعت على إقامة الحد تتضمن شرطين متناوبين بحيث لا يتحقق أحدهما إلا بوجود الآخر وهما العدالة التي يشترط فيها عدم رؤية فاحشة والرؤية التي يلزم من دوامها سقوط العدالة!! وهو ما يؤكد لنا أن هدف الشريعة من إقرار عقوبة الزنا هو محض الترهيب والتحذير دون المعاقبة الفعلية، وهذا بالضبط ما حصل خلال التاريخ الإسلامي الذي لم يسجل أبداً وقوع حد الزنا على أحد عن طريق البينة. وهكذا فإن إقامة الحد بدون بينة لهو كبيرة من الكبائر التي يسخط فيها الله عز وجل، ولا يجوز شرعاً إقامة الحدود بدون بينات، والبينة كما أوضحها القرآن الكريم هنا هي أربعة شهود عدول يشهدون أنهم رأوا فعل الفاحشة بما لا لبس فيه، وبغير ذلك فإن إقامة الحدود بدون بينة يعتبر كبيرة من الكبائر التي حرمتها الشريعة.ثالثاً: إن الأمة الإسلامية متفقة أن حد الزنا من حقوق الله سبحانه التي لا يجوز لأحد من المجتمع إقامتها بمفرده بل لا بد فيه من رأي الإمام، ولا يمكن فرضه على الأمة أو على أي من أفرادها إلا إذا أقرته الأمة بوسائلها الدستورية المعروفة المتاحة، وهي في رأي أكثر فقهاء المسلمين المعاصرين اليوم البرلمانات التشريعية، ومن هنا فإنه يمكننا الجزم بأن أية محاولة لتطبيق الشريعة من قبل فرد أو أفراد أو جماعات مستقلة ستعتبر اعتداء على الشريعة، ويعاقب فاعلها بالعقوبة الرادعة لأنه تطاول على حق الدولة وتصرف فيما يحرم عليه. ومن هنا نعلم أن ارتكاب القتل باسم جرائم الشرف هو منطق مرفوض إسلامياً وفق آلة الفقه الإسلامي وأصوله. وبدون أدنى مبالغة فإن هذه المادة مخالفة للشريعة بشكل تام في ثلاث حالات كل واحدة منها تعد من أكبر الكبائر في الشريعة. وهناك مخالفة أخرى وهي أن المادة تفرق في العقوبة بين الذكر والأنثى فقد منحت الرجل هذا العذر المحل في حين أنها لم تمنح المرأة هذا الحق، وهو تمييز يتناقض مع روح الإسلام ولا بد من رفعه إنصافاً لقيم الإسلام الأولى في الحب والرحمة. إن جرائم الشرف في السنوات الأخيرة قد هزت ضمير العالم الإسلامي واعتبر المسلمون ذلك عملاً دنيئاً غير شرعي، ويمثل معصية لله عز وجل تحرمها الشريعة، وهذا العمل مدان إسلامياً بكل الوسائل وقد أثار غضب العلماء والفقهاء المسلمين في كل مكان من العالم الإسلامي. إن الشريعة الإسلامية وفرت قدراً كبيراً من التحرر للمرأة، ولكن ما تزال مجتمعاتنا تعاني من بعض التقاليد المتعصبة، ومنها جريمة القتل بدافع الشرف وهي جريمة مدانة إسلامياً للأسباب التي ذكرناها، ونحن مع كل مسعى شريف يهدف لمقاومة هذا اللون من الجرائم، وفي الوقت نفسه فإن مجتمعاتنا المحافظة لا يمكن أن تنظر إلى الزنا على أنه عمل مشروع، خاصة عندما ينشأ عنه حمل من سفاح، ويعاني من آثاره أولاد أبرياء، يعيشون بسببه شبه أيتام ولا ذنب لهم على الإطلاق. إن فكرة تبرير جريمة القتل تحت عنوان الدفاع عن الشرف مسألة مرفوضة تماماً في الإسلام، وهي تحصل في المجتمعات بدوافع التقاليد والتعصب، وليس لذلك أي علاقة بأصول الشريعة الإسلامية الكريمة، ونحن نسعى الآن في قوانيننا للخلاص من تبعات هذه الأفكار، وذلك التزاماً بالحق والعدل وفق ما جاءت به الشريعة السمحاء. لقد ثارت الصحافة الغربية في السويد لفضح جريمة مقتل الفتاة السويدية فاطمة التي قتلها أبوها على خلفية جرائم الشرف، ولكن يبقى السسؤال لقد سمع العالم بجريمة مقتل الفتاة السويدية فاطمة، فهل سمع بمئات الفواطم والعواتك والزيانب اللاتي يتعرضن للمظالم ويقف القانون منهن موقف المحوقل المحسبل، إن لم أقل إنه يقف مؤيداً لجلاديهم يلتمس لهم المعاذير!! فهل ستنتصر في النهاية حكمة الفقه وحكم العقل على أوهام العشائرية تحت قبة التشريع؟ إن ما يجب التأكيد عليه هو أن جريمة القتل بدافع الشرف تخالف الشريعة في ثلاثة أمور كلها من الكبائر: فهي أولاً إثبات للحد بغير بينة وهذا حرام وفيه عقوبة القذف على فاعله ومرتكبه إلا إن كان زوجاً أو زوجة ففيه اللعان، ويحرم بعد اللعان اتهامها بشيء، ولا شك أن أي اتهام بغير بينة هو في الواقع قذف بالباطل وهو من الكبائر. والبينة كما هو معروف أربعة رجال عدول يشهدون برؤية الفاحشة بشكل ينقطع فيه أي التباس، وفي حال تردد أي من الشهود فالجلد ثمانين جلدة حكم كل من يشهد صادقاً أو كاذباً، وحين اعترض صحابي كريم على هذا الأمر وقال: يا رسول الله أحدنا يرى مع امرأته رجلاً يذهب فيلتمس البينة فلا يعود حتى يكون الباغي قد قضى نهمته!! فقال النبي الكريم: انظروا إلى صاحبكم.. إنه لغيور وإن الله لأغير منه. وهي ثانياً حكم بالقتل بغير حق، حتى مع افتراض الفاحشة فالعقوبة المقررة في الشرع هي الجلد، وهي خاضعة من وجهة نظرنا للتغيير بحسب واقع الأمة والبحث عما يردع الزناة ويكفهم عن غيهم وفجورهم. وهي ثالثاً افتئات على ولي الأمر وهو حرام، إذ المكلف شرعاً بإقامة الحدود إنما هو الدولة المسلمة، بمؤسساتها القضائية والتنفيذية وليس ذلك أبداً من شأن الأفراد أياً كانت غيرتهم واهتماماتهم. كما أن هذه المادة تشتمل أيضاً على تمييز بين الرجل والمرأة في الحكم الشرعي وهو مرفوض شرعاً، ولم يرد في أي من الجرائم تمييز بين المرأة والرجل في العقوبة، بل يتساوى الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات والمسؤوليات وفق ظاهر قوله تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض.إنني أتمنى أن تصل ندوتنا هذه إلى ما نأمله من إعداد مشروع قانون لوقف هذه المخالفات الشرعية الظاهرة وإصدار تشريع يتماشى مع روح الإسلام ومقاصد الشريعة وهو ما أشعر أننا قد بلغنا الآن زمانه ومكانه المناسب.ولا أزال أشعر بأن الواجب يحمل على المزيد من العمل والدأب لرفع المعاناة عن المرأة في جوانب كثيرة، ورفع المعاناة عن المرأة هنا هو إنصاف للرجل أيضاً أو قل هو إنصاف للأسرة جميعها، وهو في النهاية استجابة لرسالة الشريعة التي جاءت رحمة للعالمين.وأعتقد أن المسؤولية مؤكدة في إصدار قانون لحماية حقوق المطلقات في السكنى والنفقة بالمعروف، وكذلك في قانون منح المرأة السورية جنسيتها لأبنائها من أب غير سوري، وكذلك وضع الشروط الشرعية الضامنة على الإذن بتعدد الزوجات بحيث يؤدي هذا الحكم الشرعي رسالته في المجتمع من دون أن يكون مجرد إرواء لنزوات جنسية هائجة بلا ضوابط، وكذلك العمل على قانون شروط عقد الزواج بحيث يسهم في نشر الوعي لدى المرأة والرجل بما يتعين لكل منهما من حقوق في الزواج وما يترتب على كل منهما من واجبات بحسب أحكام الشرع الحنيف. وما يجدر قوله هو أن سائر هذه المسائل هي مما بحثه بعمق فقهاء الحضارة الإسلامية وكتبوا فيه الدراسات المطولة ووجدوا الحلول الحكيمة، ولكننا عادة ما نختار وجهاً واحداً من الفقه الإسلامي ونتجاهل وجوهاً أخرى لها أدلتها وقد تكون أكثر عدالة ومساساً بحاجات العصر من الخيارات السائدة. وقد كتبت في هذه المسائل دراسة علمية تحليلية، على هامش اتفاقية سيداو، نشرته الهيئة السورية لشؤون الأسرة، وطالبت برفع التحفظات الواردة على الاتفاقية باستثناء اثنتين منها، وأعتقد أن إنجاز الإصلاحات المشار إليها في قانون الأحوال الشخصية سيؤدي إلى حماية الأسرة ورفع الظلم عن المرأة، وإدماج سوريا في المجتمع الدولي دون أن يكون هناك مساس بالثوابت الشرعية الكبرى. أما موضوع تعديل قانون العذر المحل الذي يجيز للرجل قتل من يراها من أهله زانية بدون حساب، فهو يحتاج أيضاً إلى تحرير شرعي وتمييز بين ما هو من تقاليد القبائل وبين ما هو من مطالب الشريعة، وما نسعى له هنا هو العمل على تجريم الزناة بالضوابط والأدلة الشرعية، والحفاظ على طهارة المجتمع وفي الوقت نفسه العمل على درء افتئات الناس على الحاكم الشرعي والاستهتار بالدماء والحدود. وأعتقد أن العمل على إصلاح هذه المقاصد في قانون الأحوال الشرعية سيحقق جوانب مؤكدة من العدالة وبالتالي فإنه حقيقة يؤكد قدرة الإسلام على تحقيق العدالة في كل زمان ومكان.*- قدمت هذه الورقة في "الملتقى الوطني حول جرائم الشرف"، الهيئة السورية لشؤون الأسرة بالتعاون مع وزارة العدل ووزارة الأوقاف، دمشق، فندق الشام، 14-16/10/2008 د.محمد حبش، عضو مجلس الشعب، رئيس جمعية علماء الشريعة بدمشق، (قراءة فقهية في قانون العذر المحل فيما بات يعرف بجرائم الشرف)
خاص، نساء سورية
|