|
توصيات "الملتقى الوطني حول جرائم الشرف": تجسيد لروح المجتمع في سورية |
|
|
|
رهادة عبدوش
|
|
2008-10-18 |
من الخاتمة سأبدأ، توقف الجميع وساد في القاعة سكون بانتظار الدكتور (فاروق الباشا) رئيس لجنة صياغة التوصيات ليتلوا حصيلة أيام ثلاث من الحوار والمداولات والمحاضرات، كان المزيج من المجتمع كلّه جالس في الدائرة المفتوحة، هنالك الشيخ والكاهن والمحامية والقاضي والطبيب وأستاذة الجامعة وكاتبة السيناريو والناشطة والإعلامي، كلهم كانوا هناك مهناً مختلفة ذكوراً وإناثا، كان شيء ما يجمعهم يلفهم ليترقبوا ما يخصهم ككتلة واحدة تتأثر بعلاقة تربطهم عقدية.. اتفاقية.. مؤسساتية.. المهم تعني شيئاً واحداً انه المواطنة.
وقبل أن يتلوا التوصيات أكد بعضاً من الحقائق أهمها أن في سورية قد حدثت فجوة تجسّدت بعدم التناغم بين العديد من النصوص القانونيّة ومعطيات الواقع نتيجة التطور الثقافي والاجتماعي والاقتصادي وأن المادة (548) تخالف أحكاما أساسيةً في الدستور وتهدّد الوحدة الوطنية وتقوض مبدأ دولة المؤسسات وأن بعض النصوص القانونيّة لا تستند إلى أصلٍ شرعيّ إنّما على خلافه، و بما أن القانون هو التعبير عن إرادة الأمة المجسّدة للعقد الاجتماعي الذي ارتضى فيه الأفراد إسناد سلطة التجريم والعقاب إلى الدولة من خلال القضاء كطريق واحد وحصري. لذلك كان لا بدّ من إعادة صياغة الفقرة الثالثة من المادة (192) من قانون العقوبات والتي تتعلق بالدافع الشريف وإلغاء المادة (548) بكليتها وتشديد جرم الزنى لكل من الرجل والمرأة بالتساوي وتشديد عقوبة جرم السفاح. وتوصيات أخرى على القدر نفسه من الأهمية ذكرها الدكتور (فاروق الباشا) ليؤكد عدّة نقاط تعني المساواة بين الرجل والمرأة في القانون وتجسيد ذلك في المناهج الدراسيّة ووسائل الإعلام ودور الإفتاء وغيرها ليعني شيئاً هاماً لم يقله لكن سمعه الجميع "لن يضيع حقّ وراءه مطالب".
وما إن انتهى د. فاروق من تلاوة نص التوصيات، حتى ساد في القاعة ضجيج. فمنهم من صفّق بشدة، ومنهم من كاد أن يزغرد. ومنهم من رفض وعارض! فها هو السيد (غالب عنيز)، عضو مجلس الشعب، والمحامي، يؤكد أنه "يستطيع أن يحضر عشرة آلاف شخص يرفضون هذا الإلغاء"! لترد عليه الدكتورة في جامعة دمشق (راغدة الأحمد): "يمكنني أن أحضر لك عشرة ملايين شخص يوافقون على هذا الإلغاء"! وبين أخذ ورد، رفعت الأيدي بالتصويت. فكانت لوحة رائعة حين بدا بوضوح أن الأغلبية العظمى قالت نعم للتوصيات كما تلت! نعم لإلغاء المادة (548) من قانون العقوبات والتي تعطي العذر المحل والعذر المخفف للقاتل.وبالعودة إلى أيام الملتقى الذي أقامته الهيئة السورية لشؤون الأسرة بالتعاون بين وزارة الأوقاف ووزارة العدل تحت عنوان "الملتقى الوطني حول جرائم الشرف" من تاريخ 14-16تشرين الأول 2008، كانت هناك الكثير من التوجسات! والقليل من الآمال بالتغيير. وهذا مردّه إلى تاريخ حافل بالتغاضي الحكومي عن متطلبات المجتمع السوري في حراكه من أجل الخلاص من بعض الثغرات في حياته وقوانينه! كان اليوم الأول الذي تساءل فيه المتابعون عن حقيقة هذا الملتقى الذي جمع "طوائف" سورية كلّها، من شرقها الى غربها، ليحتلّون المكرفونات! لا كحضور، بل محاضرين! وهو ما بدت نتائجه في نهاية اليوم الأول حيث احتدم النقاش بين "مؤيدي" الغزالي وابن تميمة، و"الرافضين" لآرائه وأفكاره! و"المؤيدين" لأمثال الشافعي ومحي الدين بن عربي، و"الرافضين" لها! كما لو أن القيادة قد تحولت إلى رجالات الدين كمقررين أساسيين في تعديل أو تغيير قانونٍ همس أحدهم أن الفقه الاسلامي لم يعلن بعد البراءة التامة منه! لكن أكثر ما كان مثيرا للاستغراب هو بعض المحامين (وبعضهم ممن وصل إلى مجلس الشعب)، الذين تحولوا إلى ساحة الدفاع عن آراء دينية دفاعا تفوق على دفاع أصحاب العمائم! لا بل بدأوا يتناقشون بأهمية العلامة فلان والفقيه فلان، تاركين الموضوع الرئيسي، أو متقصدين تركه، بعيدا عن منازلاتهم! لا بل في بعض الأحيان تعالت أصواتهم لتطالب بقوانين بديلة "تحمي" مجتمعنا من الفحشاء في حال غيّرنا هذا القانون الحامي للأخلاق والعفّة! وبدا كما لو أنهم يرون لا يمانعون في سن قوانين تحدد طول اللحى، وسماكة الخمار، وأي نوع من الطبول نستمع إليها! هؤلاء أنفسهم كانوا، في خارج القاعة، بين طاولات القهوة والشاي، يضحكون على هذا التغيير المطلوب! ويتهامسون عن الاخفاق المنتظر لأولئك الطامحين لإلغاء المادة- العار! فهاهي جرائم الثأر مازالت موجودة بالرغم من القانون الذي يردع (حسب زعمهم)! وها هي السرقة مستمرة بوجود قوانين تمنع السرقة (في مقارنة مثيرة للسخرية)! فلم لا يبقى هذا القانون الذي في "حقيقته"، حسبما ما يدعون، يدافع عن الشرف والعفة! ويحمي البلاد من "الفحشاء والمنكر"! ويحمي جسد النساء الغض من الذئاب عبر قتل النساء أنفسهن ليعرفن أن ما يريده هؤلاء هو الإرادة العليا في حياتهن؟! وما عليهن سوى الخضوع والاستسلام.. أو الموت الرجيم؟!وسط ذلك الضجيج الأسود، رأينا بالعين المجردة بعضاً من رجال الدين الذين طالما فخرنا بهم، بانتمائهم وبشراكتهم! رجال من مثل الشيخ (حسين شحادة) الذي أكد أنه لابد لنا من إدراك أن المرأة هي إنسان أولاً، وأنه على المجتمع أن يتوقف عن معاملتها بمرتبة أدنى! لذلك يجب النظر في القوانين التي تعاملها بدونية. ومثل الأب (أنطوان مصلح) الذي طالب بإلغاء المادة (548) وبشكل علني دون مواربة. ومثل د. أحمد حسون، ود. محمد حبش، وغيرهم الكثيرون...أما اليوم الثاني من المتلقى فقد تجاوز عثرات اليوم الأول، وبدا أكثر مؤسساتية. بمعنى أنه أكد أنّ علاقة الفرد بالدولة هي علاقة مؤسساتية. وبالتالي فهي تبنى على المواطنة كأساس، حيث يتعامل جميع المواطنين بشكل متساوٍ دون النظر إلى جنسهم أو دينهم أو عرقهم... وأن هذا هو أساس العقد بين الدولة والفرد حتى يكون مواطناً له حقوق وواجبات. اليوم الثاني كان ساحة تفاعل بين القانونيين والمشرعين، دون تحييد مصدر قانوني كالشريعة الإسلامية مثلاً. وكانت هنالك حقائق وحوادث من المحامين والعاملين في مراكز الشرطة تؤكد أن الكثير من الجرائم التي ارتكبت تحت اسم الشرف كانت بناءً على معلومات خاطئة أو كاذبة أدت إلى القتل! وأدت إلى حرمان الأسرة من الأم أو الأخت! وأحياناً كثيرة كانت التهم ملفّقة لأجل الإرث، أو بسبب خلافات عائلية..! وهذا بعض مما يدفع إلى المطالبة بإلغاء المواد القانونية التي تبيح القتل عبر إعفائها القاتل من العقوبة العادلة، أو عبر تخفيفها الحكم عليه.اليوم الثالث من الملتقى كان أكاديمياً. فقد تحدّث أساتذة كليات علم النفس والاجتماع عن الأضرار النفسية والاجتماعية التي تنتج عن القوانين التمييزيّة، وكذلك الآثار النفسية للقتل والتي تظهر على القاتل وعائلة المقتولة والمجتمع معا. وتناولت الأبعاد الاجتماعية والإنسانية لـ"جرائم الشرف". ونوهت إلى الدراسات التي تتحدث عن موقع المرأة بين نقطتين: العظمة أو العورة! ما ضيّق عليها وجعلها رهينة قوانينٍ وأعراف سلبتها حقّها كانسان مساوٍ للرجل في الأسرة والمجتمع والقانون. وجاءت التوصيات أخيراً لتعبّر عن مقترحات الحاضرين والقائمين والمشاركين في هذا الملتقى من خلال المباحثات والمداولات والأوراق التي وزّعت على الجميع لتأخذ بآرائهم. مسيرةٌ حافلةٌ لن تتسع الكلمات في اختزالها، استطعنا من خلالها الوصول إلى عددٍ من الشخصيّات التي تهتم وتناضل من أجل التغيير لأنها تؤمن بأن بلدنا يستحقّ الأفضل. فأثناء الاستراحة كانت لنا دردشة قصيرة مع الدكتور في مادة القانون (سام دلا) الذي شرح أهمية أن تلغى المادة (548) حيث قال: "إنّ إلغاء المادة ربما لن يلغي الجريمة، لكن لأسباب موضوعية وبغض النظر عن التأثير المباشر، إنما من منطلق مؤسساتي، نطالب بالإلغاء. فالسلطة صاحبة العقاب هي الدولة، ويجب ألا تتخلى لصالح الأفراد عن هذا الدور. ففي القضاء يحتكم الجميع. ولا يكفي إلغاء المادة (548)، بل يجب إلغاء المادة (192) من قانون العقوبات أيضا. فمن غير المنطقي أن نترك العقاب للأفراد! علينا الاحتكام إلى القانون بشكل دائم. وإذا كانت النصوص قاصرة فيجب تعديلها. وإذا كانت واضحة فيجب تنفيذها".أما المحامية والناشطة (ميساء حليوة) فقد أكدت لـ"نساء سورية" أهمية هذا الملتقى على أن يكون فاتحة لملتقيات كثيرة، بشرط أن تنفّذ التوصيات لتعكس حالة طبيعية من التجديد والتغيير. وقالت: "من المحزن أن نلتقي في الألفية الثالثة من أجل البحث في قضية قتل المرأة بدلاً من البحث في إمكانية تمكينها اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً! ومن العار الإبقاء على موادٍ تخالف الدستور، وخصوصاً المادة (25) منه! ولا بدّ من إصدار فتاوى واضحة في تحريم قتل المرأة، وتفعيل الدستور في كافة القوانين والقرارات".وفي لقاء قصير لنا مع د. (لينا الحمصي)، دكتوراه في الشريعة، قالت:"إن بعض رجال الدين يروا في هذه المادّة محاربة للفساد وهذا مخالف للحقيقة، لأن التوعية هي الأساس في المجتمع. وهو ما يجب علينا أن نعمل لأجله. ومن جهتي أرى وجوب تعديل هذه المادة التي تحلّ المجرم من عقوبته".السيدة دلع الرحبي، المحامية وكاتبة السيناريو، قالت لـ"نساء سورية": "من جهتي لست متفائلة بأن تنفذ تلك التوصيات، لكني أأمل بذلك. وأؤكد بأن العقوبة رادع أساسي لارتكاب الجريمة. وهي بدورها ستؤثر، ولو بعد سنوات طويلة، على عقلية المجتمع. فالقانون هو الوسيلة الأسرع والأقوى في التغيير، وحزام الأمان في السيّارة خير دليل على ذلك، فكم طالبنا بوضع حزام الأمان؟ لكن الناس لم يتقيدوا به إلا بعد صدور قانون يلزمهم بذلك. وعلى هذا يمكن القياس. ومن خلال عملي بالمحاماة ألمس إشكالية كبيرة في تطبيق العديد من القوانين، فأحيانا لا أجد أيّ منفذٍ قانونيّ لإحقاق العدل الذي أراه. لذلك يجب تعديل قانون الأحوال الشخصية وإعادة النظر في كثير من مواده".أما السيدة (أسماء كفتارو)، رئيسة منتدى سوريات الإسلامي، فعبرت لنا عن أن هذه التوصيات إنما هي انتصار للإسلام. وأملت بتنفيذها لا أن تبقى حبيسة الأدراج. وقالت: "نحن بحاجةٍ إلى توعيةٍ اجتماعيةٍ ودينيةٍ كلٌّ من مكانه لنكرّس أهمية دور المرأة في المجتمع وهذا من روح الشريعة الإسلامية".هذه اللقاءات السريعة عبرت فعلا عن الجو العام في نهاية الملتقى. حيث دارت الأحاديث، على اختلاف الآراء فيها، حول التغيير الذي يساهم بشكل حقيقي في دفع وطننا الصغير نحو الأمام إلى مكان يستحقّه.بقي أن نقول أننا، في "مرصد نساء سورية"، لم تسعنا الفرحة التي ساهم بصنعها كل من عمل في هذا الحراك المجتمعي، بدءاً من معاون رئيسة صفحة المجتمع في جريدة الثورة عام 2003، الزميل فؤاد مسعد، والذي ناضل من أجل نشر تحقيق حول جرائم الشرف لأحد من الإعلاميين في الجريدة، والزميلة فريال زهرة التي كانت من أوائل من أثار هذه القضية في الإعلام السوري، مروراً بكل من سعى لفضح حوادث قتلت بها نساء لم يتم إلى الآن حصر عددهن بدقة، وبكل من ساهم بجمع تواقيع ترفض القتل وتدينه وتطالب بإلغاء المادة (548) في كل مكان، ومروراً أيضا بكل من أيّد حملة جرائم الشرف التي أطلقها "مرصد نساء سورية" منذ عام 2005، وتحمّل الضغوط والاتهامات من ناشطين وناشطات وأعضاء وعضوات مجلس الشعب ووزراء وقانونيين ورجال دين ونساؤه.. وليس انتهاءا بكل من سعى، من مكانه وبإمكانياته، لإلغاء القوانين التمييزية في بلد يفترض أنه يقوم على المؤسساتية ويؤمن بها كأساس العلاقة في الفرد ودولته لتكرّس مواطنيته وتحترمها.والأمل الأكبر اليوم، ومجال العمل الذي يجب أن يبدأ فورا من قبل الجميع، هو في تحقيق هذه التوصيات وتحويلها إلى واقع قانوني ومؤسساتي ومجتمعي. وهو ما سنعمل على تحقيقه بكل إمكانياتنا، كما سنعمل على رصد التقدم به في كافة المستويات: في المناهج التعليمية والإعلام والمواد القانونيّة والمحاكم والمؤسسات الدينية والتربوية.. فنحن، وبلدنا، نستحق الأفضل بكل ما في الكلمة من معنى. رهادة عبدوش، عضوة فريق عمل نساء سورية، (توصيات "الملتقى الوطني حول جرائم الشرف": تجسيد لروح المجتمع في سورية)
خاص، نساء سورية
|