|
المنظور الثقافى فى تحليل جرائم الشرف |
|
|
|
مركز قضايا المراة المصرية
|
|
2008-11-07 |
نحاول أن نقدم هنا تحليلا ثقافيا للجرائم التى يتم ارتكابها ضد المرأة ـ فتاة أو امرأة ـ بواسطة أقاربها من الدرجة الأولى والثانية أو الثالثة، إزاء ممارستها (أو شكهم فى ممارستها) سلوكيات تخل بشرف الأقارب والعائلة.
ويقصد بالمنظور الثقافى هنا ما تربى وتعود عموم الناس عليه من رؤى فى الحياة تستند إلى القيم المشتركة وأنماط السلوك المقبولة والمثل العليا المفضلة والمعتقدات بصحة وصواب وثواب ما يفعلونه مجتمعيا ودينيا. وباختصار فإن المنظور الثقافى كأساس فى تحليل جرائم الشرف يعتبر أن هناك ما يدعم سلوكيات المجرم باعتبارها تعبير عما يجب فعله كأفضل الحلول المعبرة عن قيم ومثل ومعتقدات المجتمع، وليس باعتبار هذه السلوكيات جرائم مرفوضة وسلوكيات منحرفة ممن يقوم بها.وغنى عن القول أن استخدام المنظور الثقافى فى تحليل جرائم الشرف هنا لا يعنى ـ من وجهة نظر الكاتب أو أى كاتب آخر يتبنى هذا المنظور على أساس علمى ـ إن تلك الجرائم مقبولة بالنسبة له بصفة شخصية، وإنما يعنى أن فهم أسبابها يرتبط بفهم وجهة النظر فى الحياة والتى دفعت إلى ارتكابها باعتبارها بالنسبة لهم حلا ملائما فى ظل ما تعودوا عليه، وما يقبله مجتمعهم من رد فعل تجاه سلوكيات معينة قامت بها الضحية.لقد اجتهد علماء الجريمة والإجرام فى تفسير السلوك الانحرافى والاجرامى، وقدموا تفسيرات مختلفة لهذا السلوك. ومنذ بداية الفكر العلمى ـ المستند إلى جمع وتحليل الشواهد الواقعية ـ لتفسير الجريمة على يد الطبيب الشرعى الشهير 'لومبروزو' سادت تفسيرات عديدة للسلوك الاجرامى كان من أولها تفسيرات شيرازى لومبروزو نفسه والتى قدمها فى كتابه 'الرجل المجرم' وما تبعه من أعمال. وقد ركزّ لومبروزو على الملامح التكوينية والجسمية للمجرم كأساس لتفسير السلوك. وقد اجتهد آخرون بعده فى تقديم تفاصيل التكوينات الجسمية والفسيولوجية التى تدفع بأصحابها إلى ارتكاب هذا السلوك. وتحدث هؤلاء عن تفاصيل ترتبط بمكونات خاصة للأجهزة الداخلية لجسم الإنسان والتفاعلات الطبيعية والكيمائية، وحالات الخلل الفسيولوجية داخليا والتى تجعلهم يرتكبون هذه الأفعال ومن العلماء الذين حاولوا تفسير السلوك الانحرافى على أساس الخلل فى الغدد الصماء ماكس شلاب وقد زعم وادوارد سميث فى كتابهما 'علم الإجرام الحديث'. الذى نشر عام 1928م وقد زعم هذان المؤلفان أن الجريمة تنتج عن اضطراب انفعالى سببه خلل فى الغدد.وقد اجتهد علماء النفس أيضا فى هذا المجال وقدموا تفسيرات ترتبط بالقدرات العقلية والمكونات والمشكلات النفسية المرتبطة بالغرائز والدوافع والنزعات الشخصية والعقد والأمراض النفسية وغيرها فها هو فرويد ـ رائد الاتجاه النفسى ـ يرجع السلوك الإجرامى إلى عدم قدرة بعض الأفراد على إيجاد التناغم بين أجزاء الشخصية الثلاثة 'الهوا والأنا والأنا الأعلى' وهذا ما يقودهم إلى اقتراف السلوك الإجرامى. واعتقد جبرائيل تارد أن الإجرام ظاهرة اجتماعية نفسية وأرجع السلوك الخارج على القانون إلى عامل نفسى اجتماعى وهو المحاكاة. وذهب جودارد إلى أن المسئول عن السلوك الإجرامى ليس إلا الضعف العقلى الموروث.واجتهد علماء الجغرافيا والأيكولوجيا فى تقديم تفسيرات ترتبط بطبيعة الجو والمناخ ودرجات الحرارة والتضاريس باعتبارها عوامل بيئية خارجية ولكنها تؤثر فى ارتكاب المجرمين لسلوكياتهم. فقد نشر كتيليه ما يسمى بالقانون الحرارى للجريمة والجناح والذى يعنى اختلاف نسبة الإجرام باختلاف درجة الحرارة والمناخ. وتوصل جيرى إلى أن جرائم العنف تبلغ ذروتها فى جنوب فرنسا بالمقارنة مع شمالها، فى حين تبلغ جرائم الاعتداء على المال ذروتها فى شمال فرنسا بالمقارنة مع جنوبها، وأظهرت دراسة إحصائية لدكستر أن جرائم العنف ترتفع معدلاتها مع ارتفاع درجة الحرارة وانخفاض الضغط الجوى. ونظر بارك وبيرجس إلى منطقة التحول فى المدينة بإعتبارها المصدر الرئيسى للجريمة الحضرية، وذهبا إلى القول بأن معدل الجريمة والجناح ينخفض كلما تحرك الفرد من مركز المدينة إلى خارجها. وحتى بعض علماء الاجتماع اجتهد فى تفسير سلوكيات المجرمين فى ضوء تحديد عدد من المشكلات الاجتماعية كالفقر والبطالة والإدمان والاغتراب وغيرها من الظروف الاجتماعية التى توجد فى المجتمع ولكنها تدفع الفرد إلى سلوكيات منحرفة. وهذا الاتجاه الأخير كان ينظر إلى الأوضاع الاجتماعية كإطار يفسر السلوك، ولكنه فى نفس الوقت لا يقرّ هذا السلوك بل يعتبره انحرافاً ناتجاً عن تلك المشكلات الاجتماعية.أما المنظور الثقافى فقد حاول أن يتفهم المعانى الداخلية لارتكاب السلوك الاجرامى من ناحية من يقوم به، لا باعتباره سلوكاً منحرفاً كلية، وإنما باعتباره البديل (السييء) الذى فرضته نشأة الشخص عليه داخل إطاره الاجتماعى، كبديل متاح له، أو واجب، حتى وإن كان ضارا به أو بمصالحه أو بمشاعره الفردية.إن مرتكب السلوك الاجرامى حسب المنظور الثقافى ليس شخصاً مختل التركيب الجمسانى، أو لديه خلل فسيولوجى أو نقص فى القدرات العقلية أو المزاجية، أو يعانى من مشكلات وعقد نفسية، بقدر ما لديه معنى ـ وإن كان هذا المعنى متطرفا أو قاصرا أو محدودا ـ يدافع عنه أو يلتزم به بارتكابه هذا السلوك . ولقد ركزّ أصحاب هذا المنظور الثقافى على عدد من البدائل المرتبطة بالثقافة فى هذا الخصوص.مقال مقتبس بتصرف من كتاب 'جرائم الشرف' صادر عن مركز قضايا المراة المصرية مركز قضايا المراة المصرية ، (المنظور الثقافى فى تحليل جرائم الشرف)
تنشر بالتعاون مع مركز قضايا المرأة المصرية، (2008)
|