|
أما آن لصغار الكتبة أن ينزعوا عنهم مريول المطبخ؟! |
|
|
|
هنادي الشوا
|
|
2008-11-07 |
إن علم النفس عامة والعلاج النفسي خاصة من العلوم التي لم تأخذ حقها بأي شكل من الأشكال على الصعيد العربي، بالرغم من توافر كل الإمكانيات لذلك. ولعل ما نشهده اليوم من تزييف متعمَد لصورة المعالج النفسي يمثَل أدنى درجات الإهمال التي وصل إليها هذا العلم.
فكلنا رأى بوضوح المعالج النفسي في الدراما العربية عامة و الدراما السورية خاصةً الذي، باعتقادي، لا يعكس بالضرورة جهلاً من جانب المؤلف الذي يفترض فيه حينما يهم بطرح قضية أن يلم بكل تفاصيلها، ولكن يبدو أن تلك الصورة هي جزء من لا شعورنا الجمعي.إن هذا التزييف متعمَد نظراً لكون المؤلف مسؤول أن ينقل الصورة بأمانة ودون مساحيق. وهل تستطيع المساحيق أن تجمَل ذلك الجانب المخفي الذي لم يعيه أحداً منا يوماً ولم يسأل نفسه ما مصدره؟ فالمؤلف هنا هو كالمرآة يعكس تصورات المجتمع العربي بأكمله عن شخصية المعالج النفسي الذي يصوّر مثلاً في عمل ما غير أنيق, أشعث الشعر, يرتدي بنطالاً أقصر من اللزوم (ربما ليعكس القصور المجتمعي في التعاطي مع مصداقية علمه), ربطة عنق تستجير من فوضى الألوان وتطالب بفك أسرها, قضم أظافر, علكة ذات سرعة مخيفة, مع أن كل هذا يتنافى تماماً مع الواقع العلمي والعملي الذي حدَد خضوع المحلل النفسي نفسه لتحليل يبرئه من تهمة العقد النفسية.لم يقتصر هذا التزييف لشخص المعالج، بل تعدَاها ليشمل إشكيميا الموقف العلاجي بأكمله والظروف الفيزيقية للعيادة التي ظهرت في بعض الأعمال في صورة سافرة جداً متنافية مع واقعها! فحجرة العلاج النفسي من حيث الشروط تتشابه إلى حد كبير مع البناء النفسي للإنسان: هادئة ومضيئة وأنيقة وواسعة. لكنها تحولت للأسف في بعض الأعمال التلفزيونية إلى ممرات ضيقة طويلة تسمع فيها وقع نعال امرأة ترتعد من الخوف لشدة العتمة قبل لقائها الموعود بذلك الشخص الذي أريد أصلاً مسخه دون أن أعرف لماذا؟!عدا عن بعض الإضافات لزوم التشويق، الذي لا مجال فيه للتصديق، من جمجمة هنا وإنارة مخفية هناك ولوحات تشكيلية يستغرق المتعالج زمناً أثناء الاسترخاء لفك رموزها وتداعياتها بدلاً من أن يُصار به إلى مرحلة التداعي الحر.. وهل بقي له ثمة حرية؟ بلا شك لا! إننا قيدناه بإشكيميا موقف لا تبعث على الأمن أصلاً.فماذا ننتظر من علم النفس؟! أمازلنا نحلم أن هذا العلم سيأخذ حقه مع كل هذه الأخيلة والتزييفات المجتمعية, التصورات المرعبة, والانتصارات المذهلة لدخلاء التحليل النفسي, وبعض من متطفلي الإعلام؟!إننا بلا شك أمام واقع مخيف.. فمن يقف وراءه؟ ما غايته؟ الأمر واضح بكل بساطة، فبالمثال وحده يُدرك المقال. لو أراد هذا الإعلامي الذي يمتاز "بالحس الوطني العالي" أن يكشف النقاب عن قضايا نفسية, أو تعرية أسباب الاضطرابات، فإلى من يعود ليملأ بطاقات استبيانه؟ بلا شك سيعود إلى جمهرة من الأطباء النفسيين، ولا أقول المعالجين فقد تبرأ الفريق الأول من الثاني مع إنكار لجل فضله، إذ لولا استراتيجيات وتقانات الإرشاد النفسي والعلاج النفسي لما كان هناك أصلاً لما يسمى بالعلاج النفسي! لو أن هذا الإعلامي استقى معلوماته من الكليات المتخصصة بعلم النفس، من البراعم المنتشرة هنا وهناك، أو حتى من الجذور التي أُريد وأدها تحت الأرض، لكانت استمارات هذا الإعلامي قد زخرت بالكثير من المعاني السامية والأخلاق النبيلة والعقلانية المتزنة والعاطفية المتعقلة.. ولكنه للأسف سيختار، بلا شعوره الجمعي، اللوحة الإعلانية: الدكتور......, الاختصاص: الطب النفسي والأمراض العصبية, تخطيط الدماغ, من جامعة ع.غ في ولاية...... حائز على بورد..... في التنويم بدون فضح المستور...., أستاذ محاضر في جامعة أكس وآي زيد, له العديد من الأبحاث المسروقة عفواً المنشورة, بكالوريوسيوس في العلاج......الخ.ولكن ما حدث أن هذا الطبيب لم يستطع أن يعطيه من وقته الثمين! فقاعة الانتظار تغص بالمراجعين، شأنها في ذلك شأن مراكز الإرشاد النفسي التي لن يعرف طريقاً إليها ذلك الإعلامي لسوء حظه هو لا سوء حظ المرُشد أو المعالج! والسبب هو ببساطة: اتبع السهم! أو قد لا يوجد أصلاً سهم لأسباب ليس من مهمتي أن أذكرها، ولكن تكمن أهمية مهمتي في الدفاع عن الجهاز الإعلامي المخدوع. لقد تعب هذا المؤلف فهو لم يستطع إلى الآن أن يصل إلى مكان يجري فيه ريبورتاجاً قيماً....أخيراً لوحة مضيئة: قلبين وسطهما عصفور مسكين أبُوا إلاَ أن يشركوه في الجريمة.. مع أنه لوُ خيَر لاختار الموت رمياً بالرصاص على أن يكون منهم! هل تبحثين عن شريك حياتك؟ هل تعاني من أزمة اجتماعية؟ هل تبحث عن مستثمر لأموالك؟ هل تعاني من الرصد؟ قراءة الكف, غيَر طالعك, اكتشفي خيانة زوجك, إذا كنت من المعوقين عاطفياً فنحن في الخدمة 24 ساعة على الرقم...!كثيرة هي الطفيليات التي غزت ذلك الجسم الذي آن له أن ينهض ويلفظها خارجاً.. فهي أكلت ما بداخله من اهتمام بالإنسان وبعقله ومدركاته، واحترام للفروق الفردية، حتى امتلأت تلك الديدان المتضَورة جوعاً للجهل والتزييف.. آن الأوان لأخذ دواء سريع يلفظها خارجاً.. وإلا سيزداد هذا العلم نحولاً حتى نجده في يوم ما جثة هامدة نحمل جميعاً مسؤولية قتله! لماذا؟ لأننا وقفنا موقف الناقد الحزين المستنكر في الوقت المتأخر؟ لا السائل لماذا ولمصلحة من هذا التزييف؟انزعوا عنكم هذا المريول، واتركوا الأدباء يكتبون، واكتفوا بالتعليق إذا أردتم.. من حقكم التعليق.. ولكن ما ليس من حقكم هو أن تقتاتوا من عمل لا تجيدون فيه سوى تشويه الواقع... هنادي الشوا، (أما آن لصغار الكتبة أن ينزعوا عنهم مريول المطبخ؟!)
خاص، نساء سورية
|