|
ابتسام سردست
|
|
2008-11-15 |
أغمضت عيني مسترخية على الأريكة.. كانت خيالاتي تحلق في سماء تلك القصص والحكايات التي كانت ترويها صديقتي ناديا. كان صوتها يتهادى مرتفعاً تارة وهامساً تارة أخرى، كموج البحر في علّوه وانخفاضه.
مغمضةُ العينين كنت أستمع لصوتها الحنون، كنت أشعر بصوتها يحضنني ويربت على شعري كالأم الرؤوم. وعندما كانت تصمت لتتأكد من أني مازلت أستمع لها، كنت أستحثها لتتابع برفع إصبعي. حينها لم أكن قادرة على الكلام.. ولا الحركة.. ولا حتى على القراءة التي تعرف ناديا كم أعشقها. أبَت ناديا إلا أن تكون بقربي في محنتي. لحظتها.. صديقتي كانت وطني الذي عنه ابتعدت.. وأمي التي افتقدتها.. كانت جميع أهلي. تابعت ناديا بصوتها الرخيم قصصها، وأفكارها.. وابتساماتها. وكانت أحيانا تتوقف عن الكلام.. لتمسد جبيني وتقول لي هامسة.. سلامتك.. وابتسامة رائعة ترتسم على محياها..فأبتسم لها. كانت تحدثني وكأنني أجيبها، فتكمل حديثها، كنت أرد عليها بابتسامة أو تكشيرة، بعينين تعبتين مغمضتين. اعتدت أن ألتقي بناديا كل أسبوع، أحكي لها فتستمع.. وتحكي بدورها لي فأنصت. باعدني عنها المرض مدة، فأبت إلا أن تلاقيني من جديد بحضورها الشيّق واهتمامها.. ومحبتها الصادقة. كنت أفكر دائما، ليس كالغربة طريق أفضل للبحث عن صداقة روحية متينة، حيث تتلاقى الأرواح التعبة وتتحد. في الغربة ومع معاناة الوحدة تتوق إلى من تصادقه.. تفهمه.. ويفهمك. وصلت إلى بلاد الغربة أحمل معي تلك الأفكار السلبية عن الصداقة، التي ورثتها كما ورثت اسمي وثقافتي، فكم من قول وفكرة ومثَل كان يحبطني ويجعلني أبتعد عن الارتباط بالأصدقاء أو الثقة بهم. أفكار مشوهة، عاجزة، صدقت فيها قيماً مريضة.. قيمٌ تجعل من الشيء والمادة والمال والمنصب والمصلحة.. أصدقاء لنا.. أوفياء.. نقاتل من أجلهم.. ونقتل. نتجاوز أحباء لنا.. وأعداء.. لنصل إلى أشيائنا الصغيرة تلك، لننسى معها أسمى معان وأرقى قيم..و نعيش حياتنا بازدواجية مضحكة بين ما ننتمي إليه ونفتخر، وبين ما نعيشه واقعا سقيما وراءه نستتر. كنت أظن أن الصداقة شيئ كالخيال.. كالمستحيل. في موطني.. حيث المعاناة والآلام والفقر.. والقهر.. تشوّه الإنسان، ومرضت انسانيته، وبات يبحث عن ذاته بقهر الآخرين واللعب بهم. في الغربة.. يئنّ الشوق إلى الوطن، ومع هذا الحنين تبحث في الوجوه لتجد شريكاً لروحك المعذبة، وعندما تلاقيه، تكتشف أن الصداقة فيها أسمى معاني الانسانية. في غربتي، وفي وحدتي.. استيقظت إنسانيتي، واستلهمت معان جديدة لحياتي. تاهت مني أفكاري.. وغفوت. مازال صوت ناديا يتهادى إلى مسمعي.. مع كلماتها الرقيقة الآتية من قلبها قبل لسانها.. شعوٌر كالخدر أصابني.. ورَنَت إليّ يدان حانيتان تصلحان وضع الغطاء فوقي.. وقبلة حانية على جبيني، شعرت معها بدفء الحياة. تصبحين على خير..حبيبة قلبي. هذه.. ناديا.. صديقتي ابتسام سردست، زاوية "فصول مزهرة"، (صديقتي.. ناديا)
خاص، نساء سورية
|