|
بسام القاضي: القانون السوري يدعم مرتكبي جرائم الشرف ومواقف رجال الدين حول الموضوع متباينة |
|
|
|
ياسمين صلاح الدين
|
|
2008-11-15 |
أعرب رئيس مرصد نساء سورية عن أسفه على دعم القانون في سوريا لمرتكبي جرائم الشرف من خلال منحهم حقا مسبقا بالخلاص من العقوبة. وهاجم بسام القاضي في حوار خاص مع "آفاق" وزيرة الشؤون الاجتماعية الدكتورة ديالا حاج لعدم دعمها لقضايا المرأة واعتبرها من "أهم الشخصيات المؤيدة للعنف ضد المرأة في سوريا"
وأشار القاضي إلى تباين آراء رجال الدين السوريين في موضوع جرائم الشرف وقال "الكثير منهم عبر صراحة عن رفضه القاطع والكلي لها، والبعض الآخر يقف موقف المؤيد للتساهل القانوني تجاه هذه الجرائم، وإن كان نادرا ما يعبر صراحة عن تأييده هذا".
أما عن موقف السلطات السورية قال القاضي "كان سلبيا تماما خلال الفترة الماضية. إلا أنه ونتيجة للحملة الوطنية التي أطلقناها، عقدت جهات حكومية ملتقى حول هذه الجرائم وخرجوا بتوصيات هامة جدا وتكاد تطابق ما نطالب به .. صحيح أنها مجرد توصيات، لكنها صادرة عن ملتقى حكومي، وهذه خطوة هامة فعلا تستحق الإشارة".
وشكك القاضي في الأرقام التي أعلنتها السلطات عن ضحايا جرائم الشرف في سوريا حيث قالت وزارة الداخلية إن 38 جريمة قتل بذريعة الشرف حدثت في عام 2007. وقال "نحن نعتقد أن الرقم أكبر من ذلك، لكن اعتقادنا مبني على تقديرات ومؤشرات، وليس على معلومات دقيقة وعلمية. وهذه الجريمة ترتكب في سورية كلها (مدينة وريف، أغنياء وفقراء، مسلمين ومسيحيين)، تقريبا بلا فروق تستحق الذكر". وفيما يلي نص الحوار:
آفاق: حدثنا في البداية عن مرصد نساء سورية، وموقعه من الحياة الاجتماعية داخل البلاد؟ بسام القاضي: "نساء سورية" الآن هو أهم ناطق بالعربية فيما يخص مجال اهتمامه (المرأة، الطفل، المعوقين)، خاصة قضايا المرأة. إذ يحتوي على أكبر أرشيف معلومات، إضافة إلى أنه يقدم رأيا اختصاصيا مبنيا على: مناهضة العنف، حقوق الإنسان، والمواطنة. وهي رؤية جديدة نسبيا في المجال الاجتماعي، إذ كان الحديث يجري دائما بناء على علاقة هذه المواضيع بالتنمية.
نحن ثبتنا الآن أن هذه حقوق غير مرتبطة باحتياج معين. ولدينا حضور جيد اليوم، ليس فقط عن طريق الموقع (الذي يزوره يوميا نحو 1500 زائر أغلبهم من سورية، ثم الدول العربية)، بل أيضا عن طريق تشاركنا مع العديد من الصحف والمجلات والتلفاز وإذاعات الـ اف ام، وأيضا عبر مشاركتنا في الكثير من النشاطات التي تقام في المدن السورية.
آفاق: كيف تقيمون عملكم في غياب المعلوماتية (حجب الكثير من المواقع، والتعتيم على الأرقام الرسمية إزاء قضية المرأة)؟ بسام القاضي: هذه عوائق هامة فعلا. لكننا استطعنا أن نتقدم خطوات جيدة إلى الأمام، فحتى إن لم تتوفر لديك الأرقام الرسمية، هناك الكثير من التقديرات غير الرسمية، وأيضا هناك متابعتنا وملاحظتنا الخاصة.
آفاق: نعم. وكيف ترون ما آل إليه المجتمع السوري اليوم في ظل الواقع الاقتصادي الذي يقال أنه تسبب في اتساع الهوة بين الأغنياء و الفقراء. بسام القاضي: الوضع المعاشي صعب للغاية اليوم، خاصة في انعكاساته على المرأة التي هي الطرف الضعيف في المجتمع. الهوة تزداد، وتزداد حدة. ويبدو أن الحكومة ماضية في التخلي عن دورها الاجتماعي، فالضمانات الاجتماعية القليلة تتآكل كل يوم.
آفاق: كثر الحديث في سورية عن جرائم الشرف، ما هي الأسباب وراء تزايد هذه الجرائم في نظركم؟ بسام القاضي: ليس الحديث هو الذي كثر. لكنها كانت قضية مسكوت عنها قبل أن يطلق "مرصد نساء سورية" حملته الوطنية في أيلول 2005، ويعمل بجهد واستمرار في كشف واقع هذه الجرائم. وما نراه اليوم من تحولها إلى قضية وطنية عامة هو نتيجة هذه الجهود التي لم تتوقف بعد. لا نعرف إن كانت هذه الجرائم في ازدياد أم لا. (طبعا لا أقصد الازدياد النسبي المتعلق بازدياد عدد السكان). لكننا نعتقد أننا نعيش اليوم في سورية مرحلة انتقالية على كافة الأصعدة. القانون المتساهل يساهم في ارتكاب هذه الجرائم. الأزمة المعاشية تساهم. تأييد بعض رجال الدين يساهم أيضا.
آفاق: بعض التقارير ذكرت أن جرائم الشرف هي الغطاء الذي يغطي الاضطهاد شبه المطلق ضد المرأة في السورية؟ بسام القاضي: أولا لا أوافق على صيغة "الاضطهاد شبه المطلق ضد المرأة في سورية"! فهذا غير صحيح. المرأة في سورية في وضع سيء بالتأكيد. لكنه أقل سوءا من الكثير من دول العالم. قانون العمل لدينا يساوي بين الرجل والمرأة، وهو جيد بحد ذاته نسبيا. قانون التأمينات الاجتماعية جيد. هناك نحو 25 % من قوة العمل من النساء... الخ. وعملنا نحن في قضايا المرأة مبني على أنه بإمكاننا المضي خطوات أخرى إلى الأمام.
"جرائم الشرف" هي وصمة عار بالتأكيد. وهي ما نعمل عليه الآن. ويبدو لنا أن المستوى الذي وصلنا إليه الآن فيما يخص هذه القضية هو جيد قياسا بأن العمل فيها لم يمض عليه إلا وقت قصير نسبيا، في ظروف بالغة الصعوبة على كافة المستويات. ولا نستطيع أن ننسى أن الوضع السياسي غير المستقر للمنطقة يلعب دورا سلبيا فيما يخص قضايا المرأة.
آفاق: وكيف يكون ثمة جريمة للشرف، باعتبار أن الشرف قيمة وليس دافعا للجريمة. ما رأيك؟ بسام القاضي: "جرائم الشرف" هو مجرد اصطلاح يقصد منه الجرائم المرتكبة بذريعة الدفاع عن الشرف. إذ بالطبع لا يمكن أن يكون القتل "شرفا". القتل بكافة أشكاله ومبرراته هو أمر مرفوض وغير إنساني من وجهة نظرنا. كون "جريمة الشرف" هي جريمة اجتماعية أولا، وهو ما غاب دائما عن الدراسات التي تطرقت إلى هذا الموضوع. أي: هذه الجريمة ترتكب لإرضاء المحيط الاجتماعي، كنوع من "التضحية" من أجل إعادة قبول العائلة المعنية في مجتمع قام برفضها بسبب سلوك أحد أفرادها. هذا يعطي أبعادا أخرى لهذه الجريمة أعمق وأوسع مما يجري الحديث عنه في الصحف، خاصة الغربية، حيث يجري عادة تسطيحها باعتبارها جريمة "دينية"!
آفاق: وما موقف شيوخ الدين في سورية وموقف الجهات الرسمية في مسألة تتعلق بهذا النوع من الإبادة الجماعية ضد النساء باسم الشرف؟ بسام القاضي: لرجال الدين في سورية مواقف متباينة تجاه هذا الموضوع. الكثير منهم عبر صراحة عن رفضه القاطع والكلي لها (د. أحمد حسون مفتي الجمهورية، د. محمد حبش عضو مجلس الشعب ورئيس مركز الدراسات الإسلامية، د. محمود عكام إمام جامع كبير وشهير بحلب، د. حسين شحادة... وأيضا الكثير من رجال الدين المسيحي).
والبعض الآخر يقف موقف المؤيد للتساهل القانوني تجاه هذه الجرائم، وإن كان نادرا ما يعبر صراحة عن تأييده هذا، لأن العمل الذي قمنا به جعل من الصعب جدا أن يقول أحد علنا أن الدين يؤيد هذا القتل. أرجوك: هذه مشكلة بكل معنى الكلمة. لكنها ليست "إبادة جماعية"! وإلا لكان العالم كله يمارس الإبادة الجماعية ضد النساء. فكما تعرفين أنه "حين الحديث عن المرأة، فجميع الدول هي نامية"!
موقف الحكومة كان سلبيا تماما خلال الفترة الماضية. فقط مؤخرا، وهذا أحد نتائج الحملة الوطنية التي أطلقناها، اتخذت جهات حكومية مبادرة جيدة بعقد ملتقى حول هذه الجرائم (الهيئة السورية لشؤون الأسرة، ووزارة العدل، ووزارة الأوقاف)، خرج بتوصيات هامة جدا برأينا، وتكاد تطابق ما نطالب به. صحيح أنها مجرد توصيات، لكنها صادرة عن ملتقى حكومي، وهذه خطوة هامة فعلا تستحق الإشارة.
آفاق: وزيرة الشؤون الاجتماعية السورية د. ديالا حاج صرحت بأن "ما يطلق عليه جرائم شرف لا تشكل ظاهرة في سورية". ما رأيك؟ بسام القاضي: وزيرة الشؤون الاجتماعية هي إحدى أهم الشخصيات السورية المؤيدة للعنف ضد المرأة. وبالنسبة لنا هي راس حربة في التمييز ضد المرأة السورية. ليس فقط التصريح السابق، بل هي قالت أيضا أنه لا يجب الاحتفال باليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة في سورية لأن المرأة في سورية "غير معنفة"! وهي تحظر وتحل وتعاقب جمعيات تعمل في هذا المجال، وتعمل بكل جهدها لمنع الترخيص لأية جمعيات جديدة في هذا المجال. بالنسبة لنا في "نساء سورية" نحن نخجل من أن تكون وزيرة في سورية تحمل مثل هذا الآراء. وقد عبرنا عن ذلك دائما في مرصدنا.
آفاق: أليس هنالك تناقض يتسبب فيه الإعلام الرسمي الذي يظهر واقعا ديناميكيا للمرأة السورية التي وصلت إلى مراكز سياسية، في الوقت الذي تتجسد الصورة القاسية للجرائم التي ترتكب ضد المرأة نفسها. كيف تقرأ هذا التناقض بين الواجهة والحقيقة؟ بسام القاضي: بالطبع. هذا معتاد في الدول التي ما تزال تعتبر قضايا المرأة "قضايا خاصة"! فهي تحاول الإيحاء بأن بعض التعيينات هنا أو هناك تعني أن المرأة قد وصلت إلى المواطنة.
هذا غير صحيح. وهم يعرفون أنه غير صحيح. وجود نائبة للرئيس هو أمر جيد، لكنه لا يعني شيئا في هذا المجال. من جهة أخرى، هذه نتيجة "طبيعية" لإهمال كل القوى السورية، المجتمعية والسياسية، لقضايا المرأة على مر العقود الماضية، وحتى اليوم.
لاحظي أنه لا يوجد حزب سياسي واحد، سواء في الموالاة أو المعارضة، أعلن موقفا حاسما ضد "جرائم الشرف"! ولا ضد التمييز ضد المرأة! ولا مع المساواة بدون تحفظ على اساس المواطنة وحقوق الإنسان! المسألة ليست في الحكومة فقط، بل في رؤية عامة ما زالت ترى أن "وضع المرأة" هو وضع ملحق بقضية ما "أكبر"، سواء كانت مجتمعية أو سياسية.. لكن اسمحي لي بالقول، وإن أطلت قليلا هنا، أن هذا الأمر بدأ يتغير فعلا.
الكثير من القوى المجتمعية اليوم بدأت ترى قضايا المرأة السورية كجزء من قضايا المجتمع في سورية، وغير قابلة للتجاهل. آثار ذلك نلمسها في أن تقارير منظمات حقوق الإنسان في العام الأخير أدرجت بندا خاصا بالمرأة. وأن بعض الأحزاب اضطرت للتحدث بهذا الموضوع، بغض النظر عن الموقف الواضح والمحدد. هذه التطورات نتيجة للعمل الذي قمنا به، والذي استطاع فتح الباب أمام تحويل قضايا المرأة إلى قضايا حارة تحتاج إلى معالجة جدية وشاملة.
آفاق: هل لديكم إحصائيات عن جرائم الشرف المرتكبة ومن هي الفئة من النساء الأكثر عرضة للقتل باسم الشرف والمناطق التي تنتشر فيها هذه الجرائم بشكل خاص؟ بسام القاضي: ليس لدينا إحصائيات دقيقة. كما تعرفين من الصعب الوصول إلى قواعد المعلومات في سورية. وزارة الداخلية قالت أنه تم ارتكاب 38 جريمة قتل بذريعة الشرف في عام 2007. نحن نعتقد أن الرقم أكبر من ذلك، لكن اعتقادنا مبني على تقديرات ومؤشرات، وليس على معلومات دقيقة وعلمية. وهذه الجريمة ترتكب في سورية كلها (مدينة وريف، أغنياء وفقراء، مسلمين ومسيحيين)، تقريبا بلا فروق تستحق الذكر.
آفاق: هنالك من يربط جرائم الشرف بالبنية التحتية للمجتمع المبني على الفكر القبلي، وعلى التمييز الجنسي بين البنت والولد. بسام القاضي: بالتأكيد أن التمييز الجنسي بين البنت والولد هو قاعدة للتميز اللاحق بين الرجل والمرأة. والفكر القبلي يدعم هذا التمييز لأنه يعتمده. وكذلك لأن هذه الجريمة، كما قلنا أعلاه، هي جريمة اجتماعية. فكلما كانت سيطرة العام على الخاص قوية، كلما كانت التضحيات أكبر من أجل عدم نبذ الجماعة للأسر التي لا يرضى عن سلوك أحد أفرادها. لكن أيضا، وهذا ما لمسناه أثناء عملنا، هناك الكثير من المواقف المبنية على الجهل. يعني الكثيرون من مؤيدي هذه الجرائم غيروا موقفهم عندما عرفوا عن ماذا نتحدث بالضبط، وعندما تعرفوا أكثر على مفاهيم أساسية متعلقة بالموقف الديني والمواطنة وحقوق الإنسان.
آفاق: فأين القانون من كل هذا؟ بسام القاضي: الآن، للأسف، القانون يدعم القتلة لأنه يمنحهم حقا مسبقا بالخلاص من العقوبة. وهذا جزء مما نعمل عليه، أي تعديل القانون حتى لا يكون هناك مثل هذا الحق المسبق. ونعتقد أننا سنصل إلى هذه النتيجة، حتى إن احتاج الأمر مزيدا من العمل والوقت.
آفاق: هل معنى هذا أن ثمة فراغات قانونية تكرس هذا النوع من التمييز ضد النساء في سورية أو أن الهيمنة القبلية على المجتمع هي التي جعلته أكثر انحرافا في قضية التصفيات بهذا الشكل؟ بسام القاضي: قانونيا يجب القول أن هناك ثغرات قانونية أغلبها ناجم عن أن القوانين لم تواكب تغيرات المجتمع الحديث. فبينما القوانين السورية (خاصة قانون العقوبات، وقانون الأحوال الشخصية)، وضعت في منتصف القرن العشرين، مستندة إلى نصوص ورؤية تعود إلى القرن التاسع عشر، لم يعد هناك اليوم إلا القليل من أساس وعلاقات وقيم المجتمع الذي كان وقتها.
المجتمع تغير كثيرا بتركيبته الأساسية، وعلاقاته الاقتصادية والاجتماعية، ومستواها التعليمي.. الخ.. ما تزال القوانين كما هي! مرة أخرى، نعتقد أن المشكلة في موضوع "جرائم الشرف" أنه لم يجر الالتفات إليه سابقا. نحن أول من أطلق صرخة جدية ومستمرة في هذا الموضوع قبل ثلاث سنوات.
هذا مفهوم إذا: قضية حساسة على هذا النحو في ذهن الناس، تحتاج إلى عمل ووقت حتى تستطيعين إيصال ما تقولينه. فكيف في ظل إمكانيات كإمكانيات "نساء سورية"! وهو مرصد تطوعي بالكامل وليس لديه أي شكل من الدعم المالي، وليس تابعا لأية جهة ما، وبالتالي فهو يعمل في شروط صعبة للغاية. هذا يعني، بالنسبة لنا، أن المجتمع السوري قادر فعلا على التعامل مع هذه القضايا، لكن يحتاج طبعا إلى الوقت، وإلى الجهد الصحيح الذي يجب أن يكون صادقا وشفافا وقادرا على طرح القضايا بشكل ملائم.
آفاق: كيف تتعاطون كمرصد للنساء السوريات مع هذه القضايا الخطيرة التي تندرج آليا في سياق العنف البشع ضد المرأة؟. بسام القاضي: بشكل رئيس ما نستطيع فعله هو رصد هذه الجرائم، ووضعها في إطارها الصحيح كجرائم قتل يجب أن يعاقب مرتكبها، ويجب أن يرفضها المجتمع. إلا أننا، وفي أحوال نادرة، قد نستطيع التدخل في لحظات حاسمة قبل ارتكاب الجريمة. لكن هذا أمر خارج نطاق الإعلام كليا.
ياسمين صلاح الدين، (بسام القاضي: القانون السوري يدعم مرتكبي جرائم الشرف ومواقف رجال الدين حول الموضوع متباينة)
تنشر بالتعاون مع موقع آفاق، (13/11/2008)
|