|
غادة صلاح جمول
|
|
2008-11-23 |
يقول محمود درويش: "اظهر مثل عنقاء الرماد.. من الدمار من الدمار".. العنقاء ذلك المخلوق الخرافي الذي يظهر بعد أن يصبح الركام والدمار شاملاً كبيراً فنراه ينفض عن جناحيه الغبار ويحلق عالياً عالياً..
أخيراً عادت الطيور إلى أعشاشها وكم كان جميلاً حلماً راود الخيال لسنين (وطني).. رائحته عبقت بثنايا القلب وعششت.. هواءه ملئ خبايا الروح.. كنت استرق سماع الأحاديث عن وطني خلال غيابي , عند زياراتي.. كنت أريد أن يمتلئ صدري هواء كزاد حتى موعد الزيارة القادمة.. أرقب مواعيد البرامج وصور الوطن في محطات التلفزة.. تحفر في دمعة خجولة في كل مرة أتحدث عن جنسيتي وانتمائي وعشقي الأبدي.. عدت وكم كانت العودة جميلة.. لقد تجسد الوطن في عيون أهلي وأحبتي. ركبنا قارباً ودخلنا بحر الحياة ها هنا وبعد هنيهة بدأت الأمواج تتعالى وتتقاذفنا يمنة ويسرة مع كل عاصفة صغيرة كان يضيع شيئاً ولو صغيراً والعاصفة التالية كبيرة فحتماً سيقع من هذه المركب شيئاً كبيراً توالت العواصف وتتقاذفنا الأمواج حتى مرت علي أيام لم اعد اعرف من أنا.. لماذا كل ذلك.. أين تذهب كل الأشياء الحلوة القيمة في حياتي هل سيكون هناك يوم تهدأ فيه هذه العواصف العاتية. لقد نسيت شيئاً أن العاصفة عند ما تأتي تأخذ معها الكثير بعد أن هدأت الرياح وخف ارتفاع الأمواج.. نظرت إلى قاربي فوجدت بقايا متبقية من حطام وركام لا شي ء فيه مهم.. ذهب كل شي ء ذا قيمة وبقيت جراح في القلب عميقة.. أجد نفسي مع أسرتي ها هنا في منتصف الطريق. يلفنا الضياع تنهشنا غربة جديدة أقسى وأصعب. وقفت أفكر ملياً بعد كل خيبات الأمل يعد كل المفاجئات الغير سارة التي خبأتها لنا العودة المنتظرة الآن وقد أصبح كل شيء ركام وحطام أن الأوان لنفض الغبار عن هذه الأجنحة والتحليق من جديد.. لكن إلى أين ستطير هذه العنقاء.. إلى موطن جديد بعيد لتترك وراءها الحنان والوطن مرة ثانية.. أم ستدور في موطنها محاولة إيجاد بر الأمان.. تتضارب الآراء فبالبعد قد يبني الإنسان نفسه لكن سنواته ستضيع ويضيع معها شعور الانتماء لان العودة للغربة ثانية أقسى من الغربة الأولى بكثير.. أسيبقى.. فبالبقاء تسير الأمور على بطء شديد.. والتغير الشامل صعب ولملمة شتات النفس وتوضيب أمورنا الداخلية والخارجية يجعلنا تائهين.. اسنغادر.. أسنبقى.. ماذا يقول الوطن ؟!
غادة صلاح جمول، (هواجس مسافرة)
خاص، نساء سورية
|