|
امرأة لا تعرف الهزيمة: "ندى رهوان" مناضلة في ساحة المجتمع |
|
|
|
رهادة عبدوش
|
|
2008-11-22 |
عندما تلتقي مع أحد ما وتشعر أنك أمام كتلة من المشاعر والأحاسيس وكذلك التصميم والقوة لا بدّ أنك أمام (ندى رهوان) السيدة والمعلمة والموسيقية والفنانة والقاصة والمبدعة وكل ذلك لامتلاكها سرّ ستكتشفه بعد اللقاء معها.
منذ حلمها الأول بدأت بالعمل والمثابرة، أن تكوّن أسرة صغيرة فيها الدفء والحنان، تزوجت وهي ماتزال في كلية الآداب، بعد أن اختارت شاباً رأت فيه الشريك الذي سيبني معها أسرة سعيدة وعالما أفضل، وهذا كان بداية مشوارها في الحياة، عوالم جميلة من الإبداع والتصميم والإنجازات التي تؤكد دور المرأة في المجتمع. حدثتنا منذ أن قررت العيش في قرية بعيدة من قرى حلب في عام 1983 باختيارها لأنها رأت أن البداية تكمن هنا فهي من القرى التي كانت في ذلك الوقت غير مخدّمة لا مرفقياً ولا بأي أنواع الخدمات، التعليم أو الصحة وما إلى ذلك، حتى الطرقات كانت لا تزال موحلة وترابية ما جعل القرية بعيدة عن أي تواصل حضاري في العالم وهذا دفعها لأن تغيّر في القرية وتصنع من نسائها نموذجا يحتذى به.
وعندما سألتها كيف عملت من أجل هذا التغيير قالت: بدأت بالتغيير من نفسي وبيتي أولاً ليصبحا نموذجاً يحتذى به فصنعت بيتاً امتاز بالجمال والبساطة فكان محور اهتمام أهل القرية الذين أتوا ليروا هذا البيت المصنوعة أشياءه من الزهور البريّة والقطع القماشية والزجاج وأشياء بسيطة كوّنت تصاميماً رائعة وتحفاً أصبحت محط أنظار الجميع. ومن ثم كان عملي في القرية كمعلمة مدرسة فافتتحت أول صف إعدادي بالمدرسة حيث أن المدارس لم تتعدى المرحلة الابتدائية في ذلك الوقت وتدرّجت مع الطلاب إلى أن أصبحت المدرسة ثانوية وهذا بجهد شخصي وتصميم على التطور وعدم الوقوف عند مرحلة معينة رغم الصعوبات. هذين الأمرين البيت والعمل معا جعلاني موضع ثقة بالنسبة لأهل القرية ما ساعدني على التواصل معهم عن طريق آبائهم بالمدرسة أو علاقاتي مع الجيران فوصلت إلى النساء الريفيات اللواتي لا يعرفن شيئا عن أهمية المرأة ودروها بالحياة ومن هنا بدأت بتعليم النساء القراءة والكتابة فقمت بدورات محو أمية مجانية لجميع نساء القرية وبمفردي ورغم عمري الصغير آنذاك وتابعت معهم دورات بالموسيقا والرسم والتطريز ليستطيعوا أن يشعروا بالسعادة وليحاولوا العمل فقدمت لهم دروسا تتعلق بتنظيم الأسرة وهذا للنساء والرجال معاً ومن ثم ساعدت النساء على تدريبهم على الأعمال اليدوية من صنع أشياء صغيرة وبيعها بالسوق وهذا ساهم في تمكين النساء اقتصاديا فساعدوا في البيت وساهموا في تحسين وضع القرية التي انقلبت وجها على عقب فأصبحت قرية نموذجية بالرغم من أنها كانت نائية وبالرغم من عدم الاهتمام بها من قبل المحافظة. وبالفعل حدث التغيير الذي كنت أحلم به.وتغيرت أنماط التفكير في هذا المجتمع الضيق والمنعزل. وقد تعدى عملي القرية التي كنت فيها إلى القرى المجاورة وكان له عظيم الأثر في التحسن الذي حصل في هذه القرى. وفي سؤالي لها إن كان هذا العمل قد أثر على أسرتها أجابت: كان لعملي تأثيرا ايجابيا على أطفالي فقد شعروا بالمسؤولية وبأهمية كل عمل يقومون به حتى أنهم تفوقوا بدراستهم، فقد تصدر ابني الأكبر قائمة المتفوقين على مستوى سورية وكرّمه الرئيس بالرغم من وجوده بقرية نائية، لكني كنت أتابع أبنائي وزملائهم فقدمت لهم أيضاً دورات مجانية بمختلف مراحل دراستهم، وكنت صديقة لأطفالي وحتى الآن عندما أصبحوا شبابا فيوجد بيننا تواصل جميل وحقيقي فأنا صديقتهم وأمهم وهذا جعلني قريبة منهم ومن أقل مشكلة تعترضهم في الحياة. طبعا تعرضت لصعوبات ما هو مدى تأثيرها عليك بشكل شخصي وعلى عملك؟ لن أجمّل الوضع فالفعل عانيت من بعض الصعوبات والمعيقات التي كادت في بعض الأحيان تصيبني بالإحباط، لكن دعم زوجي لي والنتائج الايجابية التي حصدتها والناس المحبين، كل ذلك ساندني وقوى عزيمتي، فمن بعض الأمور التي كانت تحدث أن يرفض الآباء إكمال تعليم أولادهم بالمدرسة ويطالبون بفصلهم كي يعملوا بالأرض أو عند الآخرين وكنت أقف لهم بالمرصاد ما جعلني أقف بالتصادم مع الآباء دائما وبالتالي كانت هنا معركتي في إقناع الأب بالعدول عن فكرته بانتزاع ابنه من المدرسة ورميه في سوق العمل. هذا نموذجا من مشاكل كثيرة لكني كنت أواجهها وأصمد لإيماني بعملي وحلمي. ماذا عن عملك في نطاق ذوي الاحتياجات الخاصّة وكيف بدأت الفكرة لديك؟ بعد انتهاء دوري في تلك القرية بأن أسندت مهامي إلى نساء أصبحن قادرات على المضي للأمام اتجهت نحو مدينة حلب وأقمت مع أسرتي هناك وقد استلمت إدارة أكبر وأقدم روضة في حلب وكانت بالفعل روضة نموذجية من حيث البناء والتصميم فقد صممت على الطريقة الأوروبية من حيث المسارح والقاعات الكبيرة والصفوف الكثيرة التي تعدّت الخمسين صفاً وقد عملت وقتها على تهيئة الكادر التعليمي الموجود ليتناسب مع أهمية هذه الروضة وحجمها وهنا تعرضت لمضايقات كثيرة تتعلق بالروتين والأنظمة البالية والعقليات التي لا تقبل التغيير وبالرغم من كل ذلك جعلت من هذه الروضة نموذجاً ليس فقط شكلياً كما كانت بل شكلاً ومضموناً، من خلال الأسر التي كانت تجلب أبنائها لاحظت وجود بعض المعاقين الذين لم توافق المدرسة على انضمامهم إليها وهنا أدركت أهمية العمل على هذا الموضوع ،وبصراحة الدافع كان في ذلك الوقت حبي للخير والأعمال الخيرية حيث لم تكن قد تبلورت لديّ فكرة العمل التنموي وأهمية هذا العمل بالنسبة للمجتمع ككل وبأن هذا حق ومن واجب الدولة أن تؤمنه للجميع، فدربت عدداً من المعلمات وبطريقة بسيطة كيف يمكنهم التعامل مع أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة وهكذا أدخلت عدداً من الأطفال المعاقين إلى الروضة لتصنع الأمل لهم ولأهاليهم وقد عملت كل ذلك بالسر لأن القانون والنظام في المدرسة يمنعان دخول الأطفال المعاقين وقد اعترض بعض الأهالي من وجود أطفال معاقين مع أولادهم لجهلهم بالإعاقة ولاعتقاداتهم المختلفة وهنا جاهدت لإثبات أن هؤلاء الأطفال قادرين أن يصنعوا شيئا مختلفا فتواصلت مع أهالي المعاقين وحاولت أن أجد وسيلة ليتعاملوا فيها مع أبنائهم بأن يحمّلونهم جزءا من المسؤولية لأنهم قادرين على ذلك وأنا بدوري تعاملت مع الأطباء الذين أعطوني مفاتيح التعامل والتواصل مع أنواع مختلفة من الإعاقة. وكل ما عملته كان بجهدي الشخصي وجهد من ساهم معي والذين دربتهم، وأيضا كان العمل كله مسؤوليتي لأن الجهات الرسمية لم تكن بعد قد وافقت على فكرة دمج المعوقين في المدارس وكذلك لم يكن عملنا بعد أكاديمي بل هو محاولات فردية إلى أن تعرفت على مؤسسة (كريم رضا سعيد) والتي تعنى بالإعاقة في العالم. في احد الأيام عرفنا أنه توجد جهة معينة تريد زيارة الروضة ولأن عملنا مع الأطفال المعاقين كان سرياً خبأنا الأطفال المعاقين في المدرسة خوفا من الجهات الرسمية وإذ أن الجهة كانت مؤسسة (كريم رضا سعيد) وهي مؤسسة عالمية تعنى بالإعاقة وأتت لأنهم عرفوا بعملي في الروضة وكان هذا أول مكافأة لي على عملي بأن رحبوا بما صنعت مع زميلاتي وبدأوا بإجراء دورات تدريبية لنا للتعامل مع الأطفال المعاقين وهنا تعلمت الطرق الصحيحة والأكاديمية والمنهجية وعرفت الخطأ في عملي وكذلك النقاط الايجابية وتابعت عملي في الروضة وكان ذلك عام 2002 وهكذا كانت أول تجربة دمج أكاديمي في حلب بمفهوم جديد للمشروع التجريبي للدمج وهكذا عملنا مع المجتمع المحلي بالتواصل معهم ليعرفوا أن المعاق يستطيع العمل وخرجنا طلاب بمختلف أنواع الإعاقة وكانوا مبدعين في عملهم. وهنا عينت في أول روضة للدمج وهي مدرسة رواد التفوق في حلب وعن طريق المسرح والمحاضرات والعمل اليدوي استطعنا الوصول إلى الإيمان بأهمية المعاق ودوره بعيدا عن الشفقة والعطف الذين لا يحتاجهما أي معوق. وكان التطوع في كثير من الأحيان هو الأساس في عملنا وركّزنا على ذلك وكنت آخذ على عاتقي تدبير الأمور وتنسيقها وكذلك المسؤوليات.حدثينا عن الفترات التي منعت بها من التعليم في المدرسة حيث فكّت عقودكم ومالذي ساعدك على الوقوف من جديد؟ لقد حوربت بالفعل لأن التغيير دائما يحارب وعندما فصلت من عملي في بعض الفترات ساهمت في مشاريع تعنى بالديكور وهذا من الأشياء الجميلة التي أحببتها فقمت بالعديد من المعارض وكانت لي تجربة جميلة استطعت من خلالها تأهيل نساء كنّ في البيت وفقيرات وعلمتهم صنع الأعمال اليدوية كيفية تسويقها وما زلت أعمل إلى الآن في هذا المشروع بالإضافة إلى عملي بالتدريس بعدما رجعت إليه بشروطي وهي الاهتمام بالمعاقين وتكريس الجهد ولوقت لهم عن طريق مدارس وروضات خاصة بعملية الدمج وبطرق أكاديمية ومنهجية ثابتة فلا شيء مستحيل فهنا يوجد شاب مصاب ب(داون سيدروم) وهو استطاع أن يبدع على الكمبيوتر والآن يصمم تصاميم رائعة لا تنافس فالمتابعة و العمل سيحصدان نتائج مذهلة الإرادة هي التي تصنع الإنسان الواثق من نفسه والقادر على اجتياز المستحيلات.ما الذي تستطيعين قوله من خلال تجربتك كامرأة في مجتمع يعتبرها مواطنة من الدرجة الثانية؟ أريد أن أؤكد أن المرأة قادرة على التغيير من خلال عملها في أي مجال بدءاً من المنزل انتهاء بأكبر المراكز، ومساواتها مع الرجل هو حق لها تستحقه وهذا لن يؤثر على الأسرة بالعكس المرأة القادرة على العطاء تستطيع أن تعطي الجميع، فأولادي أحدهما طبيب والآخر يدرس في كلية الفنون الجميلة والثالث مازال طالبا في المدرسة، وهم متفوقين في أماكنهم وبيتي من البيوت التي تمتاز بالأناقة والألفة. وكل ذلك يحتاج إلى تنظيم في الوقت والجهد. رهادة عبدوش، عضوة فريق عمل نساء سورية، (امرأة لا تعرف الهزيمة: "ندى رهوان" مناضلة في ساحة المجتمع)
خاص،نساء سورية
|