|
"أنا الآن إنسان حر": حوار مع رجل تخلص من إدمانه على الكحول |
|
|
|
نساء سورية
|
|
2009-03-21 |
إنها الرغبة في تجربة كل ما هو ممنوع ومحرم تداوله ضمن بيوتنا, وعلى مرأى من أهلنا, وعندما نذهب إلى بيت أحد الأصدقاء نجد لديه هذا الممنوع و الذي مجرد الإفصاح عن الرغبة بتجريبه مع الأهل يعتبر مخالفة كبيرة ويستحق أسوأ العقاب..
برغم علمنا أن الأهل يحرمون علينا ما يحللون لأنفسهم, فالأب قد يعنف ابنه الشاب الذي قد بلغ الخامسة عشرة أو أقل فيما إذا راودته الرغبة بأن يجرب احتساء بضعا مما يشربه والده يوميا.
وكان هذا الممنوع هنا: "الكحول"
لم يكن يرغب بان يصل إلى هذا الحد من المشروب لكنه وصل, حاول كثيرا ان يتخلص من رغبته بالشرب بارداته وحدها.. لكنه في كل مرة يبتعد عن المشروب يعود إليه طائعا لرغبته في الشرب من جديد, إلى ان قرر أن يخضع لعلاج طبي حقيقي وضمن مصح خاص لعلاج إدمان المشروب.
علاج استمر معه عدة أسابيع عاد بعدها إنسانا حقيقيا إلى عائلته كما كان يرغب ويشتهي حياته التي أخذته منها ساعات طويلة من الجلوس إلى جوار كأس وزجاجة..
ولأجل ان يقرأ الجميع معاناته أراد ان يسجل ضمن هذه السطور تجربته ضمن ما استطاع ان يشرح لكي يوجه نصيحته لكل الشباب الذين قد يرون أنفسهم يوما ضمن نفس الظروف
عدة سطور علها تكون مفيدة لمن يقراها..
- لابد وأن الأمر بدأ بتجربة.. ما هي أول تجربة لك مع الكحول؟ وكم كان عمرك حينذاك؟ وهل كان احتساء الكحول لأول مرة مع أصدقائك أم عند أقارب؟
*- التجربة الأولى كانت عندما كنت في بيت أحد الأصدقاء وكنا ضمن سهرة جماعية (شباب على بعضنا), وأحضر صديقنا بضع زجاجات من الكحول
(العرق) لنحتسيه أثناء سهرتنا, طبعا أنا في البداية رفضت الأمر فحين رؤيتي لذلك المحلول الأبيض تذكرت والدي وشعرت بالخوف من العقاب فيما لو علم والدي بتجريبي لهذا المشروب الغامض, لكن ما أن استطعت التخلص من رهاب الأبوين من مخيلتي أعجبتني الفكرة وقلت في نفسي:
" لما لا أجرب كأسا منه, لن يعرف أحد ثم أن كل أصدقائي سيشربون مثلي ولن يعلم أبي بذلك".
وهكذا جربت شرب الكحول لأول مرة في حياتي حينها كان عمري خمسة عشر عاما..
وبعدها صرنا أنا وأصدقائي كلما سنحت لنا الفرصة نحتسي بعضا من زجاجات الكحول (العرق) ضمن لقاءاتنا المتكررة, وكنت كل مرة اشرب كمية اكبر من سابقاتها حيث كنا نتصرف كمراهقين, فالقوي من يشرب كمية أكبر ويحتفظ بتوازنه طوال السهرة..
- هل تعتبرهم أصدقاء سوء؟ أم لا علاقة لهم برغبتك؟
*- لا.. ليسو أصدقاء سوء أبدا.. إذ أنهم ليسو من المدمنين، وإن كنت تقصدين عن أصدقائي في أول تجربة لتعاطي الكحول فقد كنا جميعا من ذات السن, وكان وقتها الأمر لا يعدو التجريب، ثم لم أتناول الكحول إلاّ في مناسبات تعد على الأصابع حتى بلغت الثلاثين، حين أصبحت أتعاطاه بفترات متقاربة، حتى صار بشكل يومي، إذ كما تعلمين فإن ذلك يحتاج لتوفر السيولة المادية.
- ما هي أعراض الإدمان أو كيف كنت تشعر برغبتك العارمة لاحتساء الكحول؟
*- بعد عدة سنوات لم اشعر إلا والمشروب قد تملكني تماما فقد بت لا أستطيع أن اجلس مساء دون احتساء كمية كافية من المشروب, وهكذا أصبحت تتزايد الكمية, وكنت مع تقدم الأيام أشعر حين خلو جسمي من آثاره تبدأ يداي بالرجفان بشكل ملحوظ لي, ولمن يجلس بقربي, وكذلك التعرق المتكرر في يدي وكانت هذه الأعراض تشعرني بالخوف والريبة ولكن كنت دائما أتجاهل هذا الوضع الذي ينتابني يوميا..
- كيف أثر الكحول سلبا على جسدك صحيا؟
*- في الحقيقة وربما لبنية جسدية خاصة بي لم تكشف التحاليل التي أجريتها فيما بعد عن أي أثر عضوي خلّفه تعاطي الكحول..
- كم كانت الكمية التي تحتسيها حتى وصلت إلى مرحلة الإدمان؟
*- الأمر نسبي.. ولا علاقة للكمية به، فثمة أشخاص يتناولون 100 ملليمتر ويصلون مرحلة السكر.. وآخرون يتناولون مقادير أكبر ويبقون في حالة سيطرة، أنا شخصيا كنت أتعاطى في المرحلة الأخيرة 750 ملليمتر يوميا..
- هل كان يؤثر ذلك على طبيعتك؟ أي.. هل تصبح عصبيا.. أو مكتئبا.. أو حزينا..
*- بالطبع، الصفة الغالبة كانت الاكتئاب، إذ أن التعاطي جعلني أنزوي في المنزل وأخاف مواجهة الناس, وأرغب بان أبقى وحيدا دائما, ولا أرغب بان أتعاطى مشاكل أولادي وعائلتي, وحمّلت العبء بكامله لزوجتي.
- الم تفكر بان تترك الكحول قبلا؟
*- طبعا فكرت، وقررت, ونفذت ذلك عدة مرات.. ولكني كنت أنقطع مدة شهر، شهرين, ثم أعود.. وتدريجيا أفرط أكثر من السابق..
- الم يلاحظ احد من عائلتك رغبتك المفرطة في تناول الكحول؟
*- طبعا، فعلائم الإدمان كانت واضحة، الرجفان، احمرار العينين، والانتفاخ أسفلهما، ورائحة الفم الكريهة.. وأشياء أخرى ترسم على وجهي طابعا من اليأس والتهجم الدائمين..
- كم مرة كنت تحتسي الكحول يوميا.. أم أسبوعيا؟
*- يوميا وبشكل منتظم، عصرا قبل تناول وجبة الغداء وليلا قبل تناول العشاء.
- هل كانت تؤثر على تصرفاتك مع زوجتك وأولادك بأن يجعلك عنيفا معهم مثلا أو لا مباليا بأمور عائلتك؟
*- العنف بمعنى العنف!! لا.. ولكن.. نعم..
كان هناك تقصير كبير تجاه الواجبات العائلية، صحيح أنني ولظرف خاص بي استطعت أن أتلافاه فقط من الناحية المادية, ولكن من الناحية العاطفية فلم استطع أن أقدم ما يجب ان يقدمه أب لأولاده, من رعاية وتفهم وسماع رغباتهم وأحاديثهم حتى آخر كلمة..
ولكن هنا زوجتي حاولت كثيرا ان تسد هذه الثغرة أو الفراغ العاطفي الذي تركته تلك الفترة, ولن أنسى وقوفها معي واهتمامها بأولادنا وتحملها لطبعي المزاجي حينها..
- وهل أثر هذا على عملك؟
*- طبعا.. فلطالما كنت أكيّف العمل على أن لا يتعارض مع وقت الشرب.. وأحيانا كثيرة كنت ألغي مواعيد عمل فقط لأنني لا أستطيع مقابلة الناس في الموعد المحدد ورائحة الكحول تنبعث من فمي, وكان ذلك صعبا علي جدا ويضعني في مواقف محرجة.. وأضعفني ماديا.
- هل علم بعض الأقارب بمشكلتك؟ وكيف تصرفوا حيال ذلك؟ وهل ساعدوك.. أم أنهم ابتعدوا عنك؟
*- نعم، جميع أقربائي علموا، بعضهم كان ينصحني بمحبة، آخرون كانوا يمتعضون، والبعض يبدأ بإبداء النصائح كما لو انه يعلم بكل الأمور, وكما لو أنني قاصر احتاج إلى من يتبجح أمامي بأنه يهتم!!
بعضهم أيضا كان يغضب ويمارس ضغطا ما كقطع العلاقة لمدة, وكان هذا الأسلوب هو الأفظع بالنسبة لي, أن يقحموا علاقتي الشخصية والودية معهم بإمكانية استمراريتها لظرف يخصني ويؤثر عليّ وحدي..
هذه النصائح جعلتني انزوي بشكل اكبر واكره الزيارات العائلية وخاصة تلك النظرات التي تختلط بها التساؤلات بالشفقة المبطنة, ونظرات أخرى تخفي نوعا من الازدراء لوضعي الحالي..
- من وقف إلى جوارك في محنتك؟
*- كل من عرفني عن قرب وأكثرهم زوجتي وأولادي رغم أنني قصرت تجاههم كثيرا وخاصة زوجتي التي تحملتني كثيرا ضمن مزاجي السيئ والمستمر..
- إلى من لجأت حين رغبت بوضع حد لإدمانك؟
*- لجأت إلى طبيب أمراض نفسية وعصبية ومعالجة الإدمان, وقد نصحني بذلك صديق عزيز علي ّ جدا وكان وقوفه إلى جواري وشرحه لي عن مدى أهمية مراجعة الطبيب جعلني اشعر بالراحة المطلقة لحديثه, وإحساس آخر بأنه حقا يهتم لأجلي ولا يبدي النصائح فقط كما فعل الكثيرون في محيطي..
لذلك وبناء على رأي الطبيب وبعد تفكير لم يطل طويلا قررت ان أدخل المصح لأنه كان الحل الوحيد لكي أتخلص من عادتي التي لازمتني كل هذه السنين..
- هل كان حسب رأيك اللجوء إلى مصح حلا سليما؟
*- بالتأكيد ففي المرحلة الأخيرة بت شخصا مكتئبا.. حزينا..
- هل وجدت أن المصحات تساعد على الشفاء من الإدمان؟ أم أنها رغبة شخصية, وإرادة داخلية لا علاقة للمصح بها؟
*- المصحات اختصاصية, لكنها لا تنفع في حال كان الشخص ليس لدية الإرادة في التخلص من إدمانه..
- هل وجدت أن طريقة التعامل كانت إنسانية للتعامل فيما بينك والأطباء المشرفين عليك هناك
*- الأطباء تعاملوا بطريقة ربما أنا أردتها، فكانت عيادة الطبيب, ولو قال مرحبا فقط!! تعني مبلغا لا يستهان به، لذلك حرصت ألاّ يزورني الأطباء..
- هل كان المصح مجانيا أم مأجورا؟ كم كلفك بشكل تقريبي؟
*- المصح الذي ذهبت إليه قطاع خاص يمكنك القول فندق خمس نجوم التكلفة في اليوم بحدود الستة آلاف فقط لاغير!!
طبعا هذا مكلف..
- لو لم تمتلك النقود لدخول المصح ماهو الحل البديل لذلك؟
*- هناك مركز معالجة تابع لوزارة الصحة, وهو مجاني.. لكنني رغبت بدخول المصح الخاص.. واعتقد بأنه بشكل ما سيكون أفضل وأكثر راحة لي.
- ماهو إحساسك بعد شفائك وعودتك إلى حياتك الطبيعية بدون ان تشعر بأنك مرهون لشيء ما يسيطر على تفكيرك؟
*- لا أستطيع الوصف او إيجاد كلمات تعبر عن شعوري, فقط سأكتفي بأن أقول كلمة واحدة تصف إحساسي كله:
" أنا الآن إنسان حر".
- لو وجدت أمامك الآن كأسا من الكحول ورغبت بشربه ضمن حفل أو فرح لأحد الأقارب.. هل تفعل؟ هل تشعر بأنك تمتلك مقاومة كبيرة حيال هذا الموضوع؟
*- نعم أمتلك مقاومة لكنني شربت منذ أسبوعين.. لكنها ليست إنتكاسة مرضية فالضوابط ما زالت موجودة
- ما الآثار التي تركها الكحول على جسدك حتى بعد تركك له؟
*- كما نوهت في جواب سابق، وكحالة خاصة، لم تظهر أية آثار ولكن هذا لايعني أنها لم تترك آثارا سوف تظهر لاحقا..
وحقا أتمنى ألا يظهر أي شيء فأنا ارغب بأن أعوض من حياتي ما ضيعته من وقت قضيته في الشرب.
- ماذا تنصح الشباب؟ وماذا تنصح الأهل لكي يحموا شبابهم وأولادهم من الوقوع في مشكلة معينة لها علاقة بإدمان شيء معين؟
*- الاعتدال في أي شيء.. هذه نصحيتي للشباب..
فلن أقول لهم لا تجربوا ولا تشربوا لأن ذلك شيء مثالي ونظري وأنا أرغب بنصيحة حقيقية وواقعية..
فقط عليهم الاعتدال في كل شيء كما أي عادة أو رغبة في الحياة..
بالنسبة للأهل: مزيدا من الحب والرعاية والمتابعة ولا تقوموا بعمل أمام أولادكم وتنهروهم عنه, فليجرب ابنكم كل شيء أمام أعينكم فيما إذا رغب.. حتى لو كان احتساء مشروب أو تنفيخ سيكارة, فالزجر لن يقدم إلا الرغبة الداخلية للابن بأن يجرب ماهو ممنوع عليه..
تابعوا أولادكم, ودائما اشرحوا لهم ماهم بحاجة إلى ان يسمعوه منكم وليس من سواكم..
- ("أنا الآن إنسان حر": حوار لرجل تخلص من إدمانه بإرادته)
خاص: نساء سورية
|