|
في عيد المرأة: تجارب سورية فاعلة.. وتكريم لم يخلو من "استغراب"! |
|
|
|
بسام القاضي
|
|
2009-03-21 |
للمنتدى الاجتماعي بدمشق تاريخ حافل من دعم المجتمع المدني عبر نشاطات متنوعة تستهدف نشر الوعي والثقافة، وإثارة الحوار حول العديد من القضايا الهامة في مجتمعنا. ومن تقاليده الهامة الاحتفال سنويا بالمناسبات التي تتعلق بالمرأة، كما حدث هذا العام في عيد المرأة العالمي، إذ خصص يومين (9-10/3) لنشاطات خاصة بهذا اليوم.
د. سحر سعيد (عضوة مجلس إدارة المنتدى الاجتماعي)، التي قدمت للندوتين، تألقت كعادتها في الترحيب بالضيوف، وتحدثت عن يوم المرأة، مشيرة إلى اهتمام المنتدى الاجتماعي بالأطراف الأضعف في في المجتمع (النساء والأطفال)، مؤكدة على حضور المرأة في المنتدى الاجتماعي سواء في مجلس إدراته أو فعالياته أو محتوى نشاطاته. وأكدت مدى أهمية أن نتحول جديا باتجاه جعل "سورية مهد الحضارات" تعيش القرن الواحد والعشرين، مشيرة إلى جملة التمييز والعنف الواقع ضد المرأة في سورية، والتي باتت تثير الخجل. خاصة "جرائم الشرف" و"قانون الجنسية"، آملة أن يرى "قانون الجنسية" المعدل النور هذا الشهر.
سنبدأ مع اليوم الثاني، حيث عرضت عدة جمعيات سورية تجاربها في العمل من أجل المرأة السورية. فقد عرضت السيدة سوسن زكزك (رابطة النساء السوريات) تاريخ الحملة الوطنية من أجل حق المرأة السورية بمنح جنسيتها لأطفالها (حملة الجنسية)، والتي بدأت منذ 2003، وتضمنت ندوات شهادات حية، وجلسات استماع، وجمع آلاف التواقيع، وأوراق مطالبة إلى السيد رئيس الجمهورية والحكومة السورية ومجلس الشعب، والعديد من النشاطات الإعلامية المتعلقة. ومؤكدة أن هناك مشكلة واسعة النطاق في سورية متعلقة بالنساء السوريات المتزوجات من غير السوريين، نظرا لانفتاح المجتمع السوري، وكثرة الهجرات المؤقتة والدائمة الخارجية المتعلقة بظروف المنطقة.
وأكدت السيدة زكزك أن العمل مستمر، دون أي خيار آخر، حتى تعديل قانون الجنسية ليثبت حق المرأة السورية بمنح جنسيتها لأطفالها.
كما عرضت السيدة سوسن رسلان (جمعية المبادرة النسائية)، تجربة المبادرة في تعديل قانون سن الحضانة، حيث وصل العمل المتعلق بتعديل سن الحضانة إلى رفع حق المرأة المطلقة بمتابعة حضانتها للأطفالها حتى سن 13 للذكور، و15 للإناث. إلا أن القسم الخاص بتأمين "سكن الحاضن" لم ينل النجاح نفسه، حيث رفض مجلس الشعب إقرار التعديل بتضمين القانون بندا يؤكد على تأمين مسكن للمحضون طيلة فترة حضانته. مشيرة إلى جهود المحامية حنان نجمة السباقة في هذا الصدد عندما كانت عضوة في مجلس الشعب.
وأكدت السيدة رسلان أن هذا التعديل، على أهميته، ما يزال ناقصا بسبب عدم تأمين المسكن للمحضون، مما يجبرها على التخلي عن حضانتها في ظل الظروف الاقتصادية السيئة اليوم.
ومن ثم تحدثت السيدة رباب الكزبري (المنتدى الفكري)، تحت عنوان: "الطلاق بين الواقع والنص القرآني"، قائلة أن العقلية الذكورية والقبلية التاريخية هي من قلصت حقوق المرأة في القرآن وجعلته في هذا الوضع الذي نراه اليوم. واستعرضت أمثلة عن العقلية الذكورية التي تعتبر المرأة "مخصصة للبيت". كما أكدت على وجود العديد من الدراسات في الجامعات السورية عن مدى فداحة الواقع التمييزي ضد المرأة في سورية، إلا أن هذه الدراسات تقبع في أدراج الوزارات والمسؤولين، قائلة أننا سوف نبقى متخلفين ما لم تعطى هذه الدراسات أهميتها المناسبة واعتبارها دراسات استشارية مناسبة للاعتماد عليها في رؤية الواقع السوري.
واستعرضت السيدة كزبري ورود الطلاق في النص القرآني. مؤكدة أن الطلاق لا يكون إلا في المحكمة (كما الزواج)، وهو بيد القاضي وليس بيد الزوج فيرمي اليمين ساعة يشاء، وبوجود حكم من أهله وآخر من أهلها، وبعد استنفاد إمكان المصالحة، ولا يكون أبدا بإرادة منفردة. وأن النص القرآني أكد أن البيت هو بيت الزوجة حين الطلاق ما لم تأت بـ"فاحشة بينة" والتي لها شروط صعبة جدا لإثباتها.
وتحدثت السيدة أسماء كفتارو (منتدى سوريات الإسلامي)، متحدثة عن فخرها بما صدر عن مفتي سورية د. احمد حسون من أنه يهيئ لوجود مفتيات في سورية (مفتيتان الآن قيد التأهيل). عادة هذا نصرا للمرأة السورية وليس الإسلامية فحسب، لأنه يمثل وصولا إلى مواقع المؤسسة الدينية. ومشيرة إلى وجود "حملة" ضد هذا التصريح من جهات عدة بينها ما هو "رسمي" ممن قال أنه "لن يقبل" وجود مفتيات في سورية.
وتحدثت عن أنه كان في عهد المماليك وقف خاص باسم "الغواضب"، وكان خاصا بالنساء المعنفات واللواتي تعرضن لتمييز وقهر فيلجأن إليه لترتاح أنفسهن.. كما كن في الفترة العثمانية ما يسمى بـ"الوقف الذري"، (تم إلغاؤه في سورية عام 1951)، كان يسمح بإيقاف المال للذرية من خلال هذا الوقف بحيث يكون للذكر مثل الأنثى، وكان سائدا هذا النظام في بلاد الشام. وتم إلغاؤه عام 1951 بسببب العقلية الذكورية المتشددة التي رفضت هذا الواقع. رغم أن "الأحناف" قد أقروا هذا الاجتهاد على أنه لا يتعارض مع أحكام الإسلام في الإرث.
متمنية على رجال الدين المتنورين أن يقفوا موقف قوة وحزم في إعطاء المرأة حقوقها كاملة.
من ثم ختمت الآنسة حنان حبش، (بنت السيدة أسماء كفتارو) بأغنية صغيرة جميلة كتبتها بنفسها، مهداة إلى ضحية "جرائم الشرف" في سورية الصبية زهرة العز التي قتلت تحت رعاية وحماية المادتين 548 و192 من قانون العقوبات السوري.
وقدمت بعض الاستفسارات والمداخلات من الحضور. كان لافتا من بينها تأكيد السيدة جورجيت عطية عن قناعتها أن سورية بحاجة إلى "قوانين قمعية" لتغيير وضع المرأة في البلد، مع تأكيدها على أنها ما تزال "مع الديمقراطية"! مشيرة إلى أن أصعب جانب هو تغيير العقلية. فعدم تغيرها سوف يجعل تغيير القوانين دون أثر رغم أهميته. ومؤكدة أننا بحاجة إلى قانون مدني وطني عام في الأحوال الشخصية في سورية لعشرين مليون سوري وسورية، بدلا من قوانين الطوائف التي تسود الآن.
أما السيد غسان نحاس، عضو مجلس الشعب السابق أن القوانين لا تقترح ولا تقر في مجلس الشعب، بل تأتي من "فوق" كما هي جاهزة! ولا يد لمجلس الشعب ولا الحكومة فيها! نافيا ان تكون هناك أية قيمة لتقديم مقترح تغيير قانون الجنسية في مجلس الشعب.
هند عبيدين، الناشطة المعروفة، سخرت من أننا ما نزال نعتمد "قدري باشا" في القرن الواحد والعشرين، وهو الذي "منح" المرأة كرامة أن تخرج من بيتها إلى لزيارة بيت أهلها مرة في الأسبوع! وأكدت أن الجنسية لا علاقة لها بالإسلام فهو "دين عالمي"، ومن حق المرأة أن تعطي الجنسية لأطفالها. ولاحظت على ما قالته السيدة كزبري بالدعوة إلى عدم شرح القرآن شرحا لغويا. وتساءلت: لم أعد أفهم إن كانت دولتنا "دينية" أم لا! لنترك الإسلام جانبا في نقاشاتنا ومطالباتنا فنحن في بلد علماني.
كما طالبت إحدى الحاضرات بضرورة أن يشمل التخيير في العيش، بعد سن الحضانة، للفتاة مثلما هو للصبي. وعرضت إحدى السيدات المتضررات من قانون الجنسية مشوارها المرير مع الجهات الرسمية دون أي جدوى.
نعود الآن إلى اليوم الأول الذي حمل عنوان: "فن وإعلام من أجل المرأة". وهدف إلى تكريم ست شخصيات يفترض أنها قدمت شيئا في هذا المجال لقضايا المرأة في سورية. بعض المختارين كانوا يستحقون فعلا هذا التكريم، لكن بعضهم الآخر لم نعرف ما قدمه فعلا في هذا المجال!
المكرمات والمكرمون هم: الفنانة جيانا عيد، الفنانة يارا صبري، االأستاذة ديانا فارس، الإعلامي عبد المؤمن حسن، المخرج نبيل المالح، المخرج ريمون بطرس.
بعض هؤلاء معروفون جيدا وعلى نطاق واسع بما قدموه لقضية المرأة. فالإعلامي عبد المؤمن حسن وجه معروف جيدا في التلفزيون السوري، حيث صعوبة العمل قد تتجاوز أحيانا حدود الخيال، ومع ذلك نجح في تقديم ومشاركة إعداد البرنامج الشهير "خط أحمر" والذي تناول منذ انطلاقه في أول 2008 قضايا حساسة وحارة فعلا في المجتمع السوري، على رأسها قضايا المرأة، من "جرائم الشرف" إلى قانون الجنسية وزواج القاصر والطلاق وغيرها.. وتميز فعلا في جعل ضيوفه يخرجون أفضل ما لديهم في هذا المجال. وفاز في مهرجان القاهرة بالذهبية لحلقة عن "جرائم الشرف" في "خط أحمر". وهو مايزال مستمرا في عمله وفق رؤية مسؤولة عن دور الإعلام في طرح قضايا المجتمع الحقيقية وكشف المسكوت عنه وإثارة الحوار حوله. وربما هو أكثر من يستحق التكريم من بين المختارين.
والفنانتين جيانا عيد ويارا صبري تشكلان علما في الفن السوري، ليس فقط في الأدوار التي أخذتاها في المسلسلات السورية وفي المسرح، بل أيضا بكونهما فنانتان التزمتا الدفاع عن قضايا المرأة السورية في حياتهما أيضا. وتشكل الأعمال التي شاركتا فيها خطا مضيئا بهذا المعنى في الدراما السورية.
الأستاذة ديانا فارس، رئيسة دائرة الأطفال في المؤسسة العامة للسينما، كاتبة سيناريو للعديد من المسلسلات والتمثيليات التلفزيونية، لكنها لم تطرح قضايا المرأة من زواية واقعها وحقوقها إلا مؤخرا!
لكن السؤال هو عن تكريم كل من المخرجين نبيل المالح وريمون بطرس. فهذا ما لم نستطع أن نجد له أي مبرر بأي شكل كان. المخرج ريمون بطرس لم يتناول يوما قضايا المرأة على وجه الخصوص. وحتى فيلمه "حسيبة" أثار الكثير من الجدل والانتقاد، حيث أوصل رسالة سيئة للغاية إلى الناس عن المرأة، بغض النظر عن قصد الأستاذ ريمون ونواياه. وهو الأمر الذي رأيناه بوضوح في الندوة التي خصصت "للدفاع" عن الفيلم بوجه الانتقادات الشديدة التي وجهت له.
ولنفترض أن هذا الفيلم قد عالج قضية المرأة بمنظور جيد فعلا. فكم من الناس شاهده خارج إطار "المهرجان"؟ وكيف ترك أثرا عند الناس الذين لم يشاهدوه أصلا لأنه، مثل أغلب الأفلام السورية، مخصص للمهرجانات، وليس للناس؟!
والمخرج نبيل المالح، الذي له تاريخ طويل في الإخراج، كما هو مشهود له، لكن لم نعرف كيف استحق التكريم فيما يتعلق بقضايا المرأة! فالواقع أن الأستاذ نبيل أخرج عدة أفلام قصيرة ووثائقية متعلقة بقضايا المرأة، لكنها أفلام تم تكليفه بها من قبل جهات رسمية سورية لأغراض محددة ليس من بينها وصول هذه الافلام إلى الناس! بل إن بعض الذين تناولتهم هذه الأفلام لم يسمعوا أصلا أنها قد أنجزت! ولم يعرفوا أي شكل خرجوا به في النسخة النهائية! ولم يتم عرضها في أي مكان سوى بعض الصالات المغلقة! فهل هذا يستدعي التكريم؟!
مرة أخرى نكرر احترامنا الشديد لجميع الأشخاص المكرمين. لكن "التكريم" يجب ان يكون حافزا حقيقيا للناس على العمل، عبر تأكيد أن الجهود المبذولة من أجل هذه القضية هي في مساحة الرؤية، وهي في مجال التقدير. لذلك من الضروري جدا أن لا تكون هذه البادرة الجميلة (مبدئيا) نسخة أخرى عن "التكريمات" التي بتنا نعرفها جيدا في مجالات عدة كثيرة، والتي يكون العمل الحقيقي المنجز آخر معطياتها. بل أن يكون التكريم هو، بشكل ما، صعب المنال، لا يحصل عليه إلا من يستحقه فعلا.
يذكر أن "لجنة دعم قضايا المرأة" بذلت جهدا خاصا في تنظيم اليومين الاحتفاليين.
بسام القاضي، (في عيد المرأة: تجارب سورية فاعلة.. وتكريم لم يخلو من "استغراب"!)
خاص: نساء سورية
|