|
الموروث الثقافي والنظرة الدونية للمرأة |
|
|
|
سليمان فواز الكفيري
|
|
2009-03-29 |
كتب فولتير يقول: (إن تقدم العقل بطيء، بينما جذور الأفكار الفاسدة ضاربة في العمق). في البداية لا بدّ من طرح السؤال التالي على أنفسنا وعلى الآخرين:
هل القناعة القائلة بدونية جنس النساء وأفضلية جنس الرجال اقترنت بخلق الإنسان، أم أنها نشأت في لحظة تاريخية لاحقة على خلق الإنسان؟ سؤال لا بدّ من محاولة الإجابة عنه بتضافر جهود المبدعين والعلماء على اختلاف اختصاصاتهم. ولا شك أنه يوجد في موروثنا الثقافي المعرفي الإنساني من حاول تأكيد دونية المرأة خَلقْاً أي من طبيعة الخَلْق.وساهم في ذلك الدين والأسطورة، ورسختها في حياتنا مفاهيم لا تقبل النقاش كموروث سيطر على قناعاتنا ووعينا. وآخرون أكدوا أنها (أي فكرة دونية المرأة) نشأت في لحظة تاريخية يسميها البعض لحظة الهزيمة التاريخية الكبرى للمرأة. لكن الذي بقي مسيطراً على مفاهيمنا ومستوى وعينا هي الفكرة الأولى التي أخذت تزداد عمقاً ورسوخاً في الذهنية البشرية، وهو ما أغرى الكثيرين، ومنهم الفلاسفة ورجال الدين، بتأكيدها وترسيخها في وعي الفرد والمجتمع.
وأعتقد أن ذلك مرتبط بتطور المجتمع الطبقي وظهور الملكية الخاصة، وهذا يقودنا للقول بالاغتراب المعرفي والثقافي اللذين يعيشهما المجتمع متجلياً ببعض فئاته، والتي منها الفئات المضطَهدة كالفقراء، ومنها المرأة والرجل. وهذا يقودنا للقول بتأكيد وجود علاقة طردية وثيقة بين الاغتراب الثقافي ورسوخ القناعة القائلة بدونية المرأة وخضوعها للرجل! فكلما زاد الاغتراب ترسخت تلك القناعة، والعكس صحيح!هذا الاغتراب يعيشه الرجل والمرأة، وليس خاصاً بأحدهما دون الآخر. لذلك تحرر المرأة مرتبط بتحرر الرجل، وكلاهما مرتبط بتحرر المجتمع من العبودية والاستغلال والاضطهاد وتقدمه الفعلي بجميع جوانبه ومقومات تطوره السياسية والاقتصادية والثقافية وتحقيق الديمقراطية والعدالة..إلخ.
لذلك من المألوف أن تجد في المجتمعات الموغلة في الاغتراب امرأة تدافع عن دونيتها وتتباهى بخضوعها للرجل! بل إنها غالباً ما تتجاوز ذلك إلى تلقين صغارها، إناثاً كانوا أم ذكوراً، هذه القناعة! هذا بشكل عام، أما ما هو متعلق بالمرأة العربية فأرى أنها قد تحررت نسبياً من الناحية الاقتصادية، وعرفت القراءة والكتابة، وشغلت مناصب في الدولة والمجتمع، لكنها لم تستطع التخلص من أنها امرأة وسعادتها مرتبطة برضا الرجل. فهي ما زالت لم تستطع التخلص بعقلها الباطني من أنها أقل من الرجل بل تابعة له، فهي تعمل خارج المنزل وتعود لتغسل وتطبخ وتنظف. وهذه الأعمال لا يجوز للرجل أن يمارسها، فهو يعمل طباخاً في أكبر المطاعم والفنادق، لكن في البيت الطبخ صناعة نسائية، وقل ذلك في التنظيف وكي الثياب وغيره وغيره. وما أكثر النساء اللواتي يتناقشن ويتفاخرن بأنها لا تسمح لزوجها أن ينشر الغسيل أو يراه أحد الجيران يساعدها في عمليات تنظيف المنزل، لا فهذا يقلل من شأنه. تتحدث بذلك وهي على قناعة بصحة موقفها ولا تدري أن ذلك هو عين الاغتراب الثقافي القاتل. وكذلك الرجال يتحدثون عمن يساعد منهم زوجته بأعباء الأعمال المنزلية، ويتخصصون بالأشياء التي تليق بالرجال. وهذا عين الاغتراب الثقافي الذي يعمي أعيننا عن أن العلوم الحديثة والنظام الاجتماعي العام لا يفرق في الأعمال بين الجنسين. والفرق البيولوجي بين الذكر والأنثى لا يبرر النظرة الدونية للمرأة.
لذلك أقول: تعاني المرأة في كل المجتمعات العربية والإسلامية التمييز والتهميش والاضطهاد. ومن لا تضطهدها قوانين بلادها، تضطهدها قوانين مجتمعها وعاداته ومفاهيمه، وتزداد معاناتها صعوبة عندما تكون متعلمة وذكية وطموحة ومبدعة، وتنتمي لدولة تشكل مركز ثقل مالي وسياسي وديني،كسورية أو السعودية أو قطر.. لكن مجتمعها مجتمع مغلق، له خصوصيته الدينية، ويتمسك بالعادات والتقاليد والمفاهيم الموروثة عن القبيلة أو العائلة أو الطائفة. لذلك تعيش المرأة العربية بشكل عام هذه الآونة مرحلة مخاض صعبة، لبناء ذاتها، ونيل حريتها وحقوقها المحرومة منها. وهي تكافح كفاحاً مريراً، ولكن بنعومة الأنثى وصبرها، لإثبات كفاءتها، ووضع قدمها في الساحة العامة، ممهدة الطريق لتكون شريكاً أساسياً في بناء أسرتها ومجتمعها ووطنها، ولتجاوز النظرة الدونية لها المرتكزة على أنها لم تُخلق سوى للخدمة والجنس والإنجاب، وتتحدى الفكرة التي تقول بأنها ليست إنساناً كاملاً، بل نصف إنسان شرعاً وقانوناً (ناقصة عقل ودين)، وتُعامل على هذا الأساس منذ نعومة أظفارها. وتواجه قائمة هائلة من الممنوعات. فهي منذ طفولتها عليها أن تخدم في المنزل إخوتها وأشقاءها الذكور، وفي المدرسة تتعرض وجها لوجه من قبل المربين والأساتذة للتمييز بينها وبين الولد الذكر. فالحب شفقة على ضعفها وفي أحسن الحالات يقدر تفوقها وإمكاناتها لأنها أنثى ضعيفة لم نتوقع منها ذلك التفوق، أو نشفق عليها أو نحبها لجمالها تنفيساً لرغبتنا الجنسية. فندور نحن وهي في حلقة معيبة مفرغة.
أما في الجامعة فخياراتها في فروع العلم والتخصص محدودة، لأن للإناث فروعاً خاصة تليق بهن، وكأننا فصلنا هذه الفروع للمرأة. ونحن نعمل كي لا تفلت من دائرة خدمة الرجل، وأن تكون دائماً تابعة له. وممنوعة أيضاً من السفر، وقرارها بقبول واختيار شريك حياتها مرتبط بولي أمرها. فإن لم يكن الأب فالأخ، وإن كان أقل منها قدراً وكفاءة وعمراً؟ لله العجب في ذلك، حتى الأم يصبح ولي أمرها ابنها الأقل منها في كل شيء, ومطالبة أيضاً بعدم إظهار وجهها، بقصد طمس معالمها وملامحها، كي تكون مجرد رقم بين أرقام النساء، بحجة أن كل ما فيها (عورة) ويجب ستر العورة. كما أنها ممنوعة من طلب الطلاق مهما جار عليها زوجها، ومهما تزوج عليها مثنى وثلاث ورباع، ومهما استمتع بما ملكته أمواله من نساء.
وأخيراً وليس آخراً ففي بعض المجتمعات العربية تمنع المرأة من قيادة السيارة، ومن العمل بالشأن العام، والقضاء والولاية، فتلك بدعة وفتنة في المجتمع، يجب تجنبها. لقد انتزعنا منها خياراتها، وأجبرناها على توقيع صك عبوديتها، وتبعيتها لمالكها الأب أو الأخ، أو الزوج الذي يتحتم عليها الخضوع المطلق له، فهو الآمر الناهي لها، المتحكم في حركتها وعقلها وعواطفها ورغباتها. ومن حقه أن يضربها ويؤدبها ويهجرها في الفراش.
باسم الدين وتعاليم الدين اضطهدت، وباسم الشرف والأخلاق اضطهدت وأهينت، وباسم العادات والتقاليد تحولت إلى أداة تفريخ وخدمة.تلك هي أحوال مجتمعاتنا، التي لن تتحرر من غفلتها وخيبتها إلا بتحرر نسائها. ولن تتحرر نساؤها إلا بتحرر رجالها من أغلال المفاهيم والقوانين المتخلفة.
فكم من النساء هن على استعداد لخوض معركة التحرر هذه، وكم من الرجال على استعداد لدعم المرأة في معركتها تلك؟
أيتها المرأة أختاً كنتِ أم بنتاً أم أماً أم زوجة أم محبوبة، أنا كرجل لا أقبل أن تكوني أقل مني شأناً، وكل ما أرجوه أن لا تقبليه. لكنك لا تتوقعي أن يمنحك الرجل حريتك ويُهديك استقلالك. لتؤكدي ذاتك فالأمر مرتبط بك أولاً، ومرتبط بتكامل الجهود بين الرجل والمرأة.ثوري على الواقع، تمردي على الرجل وسيادته. وقد تخسرين المعركة الآن، لكنك ستؤسسين لمعركة ناجحة تخوضها بناتك غداً.
قبل الختام أريد أن أذكّر بقول سيمون دي بوفوار (المرأة لا تُولد امرأة وإنما تُصبح امرأة).
ملاحظة 1: كيف نقتنع بأن النساء ناقصات عقل ودين!؟ أين أم المؤمنين عائشة منهن؟زوجة رسول الله (ص)؟! أين السيدة خديجة سيدة أعمال قريش وزوجة الرسول (ص)، وعمل تحت رعايتها مدة طويلة من الزمن؟ أين مدام كوري من ملايين الرجال؟ أين تاتشر المرأة الحديدية ومي زيادة وخولة بنت الأزور وولاّدة وبلقيس التي استشهد القرآن الكريم برجاحة عقلها وتفوّقها على رجال عصرها؟ أين الخنساء الشاعرة المبدعة وأم الشهداء, أين بستان شلغين وامرأة آل حمزة من مجاهدات الثورة السورية الكبرى بجبل العرب.. وغيرهن الكثير الكثير.
سليمان فواز الكفيري، (الموروث الثقافي والنظرة الدونية للمرأة)
عن جريدة النور، (11/2008)
|