|
الباحث الاجتماعي السوري محمد صايغ لـ"مداد": للطفل حق في "الرعاية البديلة" كما حددتها الشريعة والمجتمعات النظيفة |
|
|
|
أمجد نيوف
|
|
2009-03-29 |
مع ثورة المعلوماتية وتقنيات الاتصال لم تعد النعامة قادرة على دفن رأسها في الرمال، معلنة التنصل أو التغافل عما يجري من حولها؛ ففي السياسة، والاقتصاد، والثقافة، والاجتماع.. لم يعد بالإمكان، بالمكان أو الزمان، تجاهل تأثيرات ومنتجات القرية الصغيرة المعولمة على مظاهر وشروط الحياة المعاصرة.
انطلاقا من هذه الرؤيا، وإذا ما تحدثنا عن المجتمع السوري، فإنه لم يعد بوسعنا تجاهل دور التغيرات على المستوى الكوني وانعكاساتها على مستوى الدولة الوطنية.
ولا تخرج عن هذا السياق ظاهرة التفكك الأسري، وصولا إلى فقدان الرعاية الوالدية، ونتائجها على الطفل والمجتمع في آن واحد، لتطرح حلولا وبدائل قد تكون أكثر خطورة، ولتضع الدولة ومنظمات المجتمع الأهلي أمام مسؤولياتها التاريخية.
ولهذا كان لا بد من إلقاء الضوء على الخيارات المتاحة أمام الطفل فاقد الرعاية الوالدية، من خلال حوار مع الباحث الاجتماعي والمحامي محمد علي صايغ: وهو محام وباحث اجتماعي. وعضو في الهيئة العامة لرابطة الحقوقيين في حلب. ورئيس مجلس إدارة جمعية رعاية المسجونين وأسرهم في حلب- رئيس مركز الرعاية اللاحقة للأطفال التابع للجمعية. وعضو مجلس الإدارة لاتحاد جمعيات رعاية المسجونين في سوريا. وعضو الهيئة العامة لجمعية حماية الأحداث للبنات في حلب. وعضو الهيئة العامة لجمعية التضامن الخيرية. ومشارك في دورات عديدة خاصة بالأحداث وحقوق الطفل.
دعا الباحث والمحامي محمد على صايغ إلى مواجهة جدية مع التغيرات التي بدأت تصيب بنية المجتمع. مشيرا من خلال التمييز بين العولمة وثقافتها السلبية والتقنية وامتداداتها الإيجابية إلى أن الانكسارات التي أصابت بنية المجتمع، والاضطرابات في العلاقات الأسرية، تقتضي إعداد خطط المواجهة طويلة وقصيرة الأمد؛ للحد من النتائج التي بدأت تصيب الطفل في ذاته.
ونوه الصايغ إلى أن تفاقم ظاهرة التفكك الأسري في سوريا تعود إلى عوامل عديدة غيرت معالم وتكوين العلاقات الاجتماعية والأسرية من جهة، وأن العنف المنزلي هو نتيجة من نتائج التحولات التي طرأت على أنماط العلاقات والتربية وسيادة مفاهيم خاصة في التنشئة الأسرية والمدرسية.
وأكد الصايغ على حق الطفل في الرعاية البديلة، كما حددتها اتفاقية حقوق الطفل، وصادقت عليها الحكومة السورية.
مواجهة جدية
- مع تحول العالم إلى قرية صغيرة، يجري الحديث عن آثار اجتماعية وثقافية خطيرة بدأت تتغلغل داخل المجتمعات. كيف تقرأ، في سياق الامتداد الواسع لثورة التقنية والمعلوماتية، واقع العلاقات الاجتماعية والأسرية، ومظاهرها؟
+ مع التقدم العلمي والتقني المذهل، وفي ظل ثورة المعلوماتية، ثم دخول العولمة، جاءت سياسات فرض التغيير في بنية المجتمعات, وما تتطلبه من مواجهات مع أشكال التغيير الحاصلة في بنية مجتمعاتنا، إن كان في نظمها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، أو في برامجها وأساليب التنشئة الاجتماعية والأسرية، أو ما يرافقها من هزات متلاحقة نتيجة هذا التغير والتحول..
انكسار في البنية الاجتماعية
- وهل يمكن إرجاع بعض مظاهر التفكك الاجتماعي والأسري إلى امتدادات العولمة بمظاهرها المختلفة؟
+ لا شك بأن التفكك الاجتماعي والأسري قديم قدم المجتمعات الإنسانية, وطبقا لمعارف وتجارب كل زمن يتم التعامل مع واقع التفكك الاجتماعي والأسري. وقد جاءت الأديان بمختلف توجهاتها، ثم المفكرون والباحثون، لتقدم إجابات أو حلولا حسب معطيات الزمن للحد من انتشار هذه الظاهرة.
وهنا يجب التفريق بين الثورة التقنية وامتداداتها الإيجابية، والعولمة وثقافتها السلبية؛ إذ إن الثورة التقنية ساهمت في التعرف على التجارب المختلفة للتفكك الاجتماعي والأسري، وطرق التعامل مع هذه الظاهرة ومعالجتها. في حين أن ثقافة العولمة، التي فرضت قيمها ومعاييرها على كافة المجتمعات والدول دون الأخذ بالاعتبار اختلاف أنماط وتكوينات وثقافات هذه المجتمعات المختلفة، أدت إلى فرض أشكال من السيطرة الاقتصادية العالمية التي تدفع إلى ترسيخ ثقافة القيم الاستهلاكية، وولادة مجتمعات استهلاكية ساهمت في اتساع الهوة بين الطبقات الاجتماعية الفقيرة والغنية، مخلفة انكسارا في البنية الاجتماعية، ومحدثة اضطرابا في العلاقات الأسرية، وما يترافق معها من اختلال في القدرة الشرائية للأسر، وانخفاض في مستوى المعيشة... إلخ, وانعكاس ذلك على نوعية التربية والخدمات والعلاقات البينية داخل الأسرة ذاتها التي أصبحت تتسم بالتوتر والصراع....
ويبقى التفكك الأسري الحالة المستديمة التي تعاني منها مجتمعاتنا باستمرار, وتحتاج إلى خطط وبرامج قصيرة وطويلة الأمد للحد من نتائجها على الطفل الذي يكون دائما الضحية التي تتأثر بشكل مباشر أو غير مباشر بنتائج هذه الظاهرة.
ظاهرة التفكك الأسري
- في السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع..لا يمكن تجاهل علاقات الداخل بالخارج. إذا ما تحدثنا عن واقع الحال في سوريا، هل يمكن الحديث عن التفكك الأسري كظاهرة اجتماعية، أو ملامح ظاهرة بدأت تطفو على سطح المجتمع السوري، وما هي أبرز عواملها ومعالمها؟
+ إذا لم يكن باستطاعتنا إنكار أو تجاهل دور العولمة ومساحة هذا الدور حسب معطيات كل بلد، فإن تفاقم ظاهرة التفكك الأسري في سورية لا يمكن حصرها في عامل واحد؛ إذ تتجمع عوامل عديدة غيرت معالم وتكوين العلاقات الاجتماعية والأسرية، بدءا من النزوح الشديد من الريف إلى المدينة؛ لعدم وجود مشاريع تنموية خدمية وصناعية في الريف، ثم الاكتظاظ السكني المترافق مع السكن العشوائي الذي يزيد من فرص احتكاك الناس، ويخلق علاقات وقيم جديدة، ثم البطالة ونتائجها على الأسرة واستقرارها، وصولا إلى انخفاض القدرة على تعليم الأبناء، وتحول مفهوم التعليم من تعليم للجميع إلى تعليم لمن يملك القدرة على الوفاء بمتطلباته، خاصة مع وجود المدارس الخاصة، والدروس الخصوصية، والجامعات الخاصة...
الموروث الاجتماعي
- في دراسة نشرت لكم على موقع " مرصد نساء سوريا "، بينتم من خلالها دوافع التفكك الأسري، كفقدان الوالدين أو أحدهما، والخصام بين الوالدين أو انفصالهما، وغياب معاني الفضيلة والسلوك الطبيعي داخل جدران المنزل. هل لكم بإيضاح الآلية التي يشكل فيها العنف المنزلي مقدمة لأزمة للتفكك الأسري؟
+ يبقى العنف المنزلي نتيجة من نتائج التحولات التي طرأت على أنماط العلاقات والتربية وسيادة مفاهيم خاصة في التنشئة الأسرية والمدرسية؛ إذ إن العنف المنزلي يتمظهر بالارتكاز إلى الموروث الاجتماعي والثقافي الذي يحض على اتخاذ الضرب وسيلة من الوسائل في التربية، في غياب الدور الإعلامي الذي عليه أن يبرز البدائل الأخرى في التنشئة الأسرية. ثم هنالك اختلال العلاقة بين الأب والأم، وانعكاس هذا الاختلال على فساد التربية، وغياب الحوار والنقد الذاتي، وغياب المفاهيم المشتركة بين جيل الآباء والأبناء. ويزداد الأمر سوءا إذا ما اتخذت معاملة الآباء لأبنائهم داخل الأسرة صورة القسوة المفرطة، والإهانات المستمرة، أو المفاضلة بين الإخوة، والحرمان من الاحتياجات الأساسية؛ مما يفضي إلى نشوء أبناء محملين بعقد نفسية وحرمان عاطفي يدفعهم إلى هجر منزل الأسرة، والالتفاف حول رفقاء السوء، أو الانطواء على أنفسهم؛ مما قد يؤدي إلى الانجراف في تيار الجريمة تنفيسا عما بداخل النفس من كبت. هذا فضلا عن نمو العنف بين الأولاد ذاتهم كنتيجة من نتائج العلاقة المتأزمة في الأسرة، أو نتيجة التقليد من خارج الأسرة (المدرسة, الحي...)، خاصة في غياب مراقبة الأهل ومتابعتهم..
4 أنواع للرعاية البديلة
- وفقا لشروط وظروف الواقعة الاجتماعية، وبناء على اتفاقية حقوق الطفل الدولية، يكون الطفل فاقد الرعاية الوالدية أمام خيارات من قبيل التبني، أو الحضانة، أو الكفالة، أو مؤسسات الرعاية البديلة. أليس كذلك؟ فما هي الخيارات المتاحة أمام الطفل فاقد الرعاية الوالدية؛ وفقا لظروفه الاجتماعية، والمواثيق الدولية ذات العلاقة؟
+ إذا كان للأطفال الحق في الرعاية من قبل والديهم أو أسرهم، فإن الطفل الذي لم تعد له أسره، أو انفصل عن أسرته بفعل التصدع الأسري، أو أصبحت أسرته تمثل خطرا جسيما على صحته ونموه ذكرا كان أو أنثى فلهذا الطفل الحق في رعاية بديلة. وقد عددت اتفاقية حقوق الطفل، التي وقعت وصادقت عليها الجمهورية العربية السورية، أربعة أنواع من الرعاية البديلة، وهي: التبني، والحضانة، والكفالة، ومؤسسات الرعاية البديلة.
- كثيرا ما يتسم الحديث عن التبني، كنوع من أنواع الرعاية البديلة، بشيء من الضبابية. هل لك أن توضح مسألة التبني في ضوء الشريعة الإسلامية والقانون؟
+ للتبني إشكالاته في المجتمع العربي، وقد اعتبر البعض تطبيقه تجاوزا على نصوص الشريعة والقانون المعمول بها, لكن رفض التبني بكليته ينحرف عن مقاصد الشرع؛ لأن منع الشرع للتبني لا يقصد به حرمان الطفل من الانتساب إلى أسرة حقيقية أو بديلة، وإنما كانت الغاية فقط منع اختلاط الأنساب، وعدم كسر قاعدة التوارث الإرثي وفق النسب التي حددها الشرع. وتوفيقا للأمر فقد أجاز الشرع التوريث بحدود الثلث للمتبنى، وابتدع أنواعا أخرى تبدأ بالرضاع لتمكين الطفل من الغذاء والحنان والتنشئة الأسرية، وخلق وشائج عائليه بينه وبين أسرته من الرضاع وصولا إلى الحضانة والكفالة.ت
التبني والواقع الاجتماعي
- هل يختلف تطبيق التبني من بلد لآخر؟
+ إن تطبيق التبني الدائم في الواقع العربي تكتنفه إشكالات من نوع خاص، ولا يمكن مطابقته أو مقارنته مع الواقع الاجتماعي للدول الأوروبية أو غيرها؛ إذ إن تطبيقه في بلادنا، وضمن المعايير الاجتماعية والثقافية، يبقى محدودا، ويمكن أن يكون محصورا في الأسر التي لا تنجب أطفالا, في حين إن الأسر التي لديها الأطفال غالبا لا تتجاوب مع التبني الدائم؛ لما يحدثه لديها من مشاكل (خاصة بعد بلوغ الأطفال)، إن كان في مسألة تحريم الاختلاط بين الطفل المتبنى وأطفالهم، أو ما قد يصل إلى العلاقات العاطفية التي يمكن أن تؤدي بعضها إلى حالات لا ترغب الأسر إلى الوصول إليها.
- وماذا عن الحضانة؟ وكيف تقرأ واقعها وظروفها القانونية في إطار قانون الأحوال الشخصية في سوريا؟
+ الحضانة بالتعريف هي: "الالتزام بتربية الطفل ورعايته في سن معينة، ممن له الحق في ذلك شرعا وقانونا". وتعني أيضا إيداع طفل أصبح منفصلا عن أسرته, أو طفل لا يمكن تركه مع أسرته، في رعاية أسرة أخرى أو فرد آخر. وهذا يعني أن الحضانة يجب أن تستند إلى معيارين: أولهما، هو أن الحضانة ترتيب مؤقت ريثما يتم إعادة الطفل إلى الجو الأسري السليم بعد التغلب على المشكلة التي كانت تمنع تقديم الرعاية الأسرية المناسبة, وبالتالي يجب وضع ضوابط أكثر صرامة تجاه الانفصال الوالدي وتجاه احتضان الأطفال والمسؤولية المترتبة عليهم تجاه أطفالهم في حال حدوث الانفصال. وثانيهما، هو أن الحضانة يجب أن تكون مراقبة، ويجب متابعتها بشكل مستمر.
على أن الحضانة قد تتحول من رعاية مؤقتة إلى رعاية دائمة في حالة العجز عن إعادة بناء الأسرة الأصلية؛ ولذلك لا بد من إصدار القوانين والتشريعات التي تنظم الرعاية القائمة على الحضانة, فلا يكفي أن يقرر القضاء الجهة الحاضنة (الأب, الأم, الأقارب)؛ وإنما يتوجب على المشرع إصدار القوانين اللازمة والمحددة لآليات التنفيذ, وتحديد الجهة أو الجهات المختصة التي يتوجب عليها المتابعة والمراقبة وتنفيذ الأحكام.
وإذا كان قانون الأحوال الشخصية قد حدد الأشخاص الذين يحق لهم حضانة الطفل تبعا لعمر الطفل أو الطفلة، فإن هذا المعيار يبقى قاصرا ولا يحقق مصلحة الطفل الفضلى, وإنما يجب أن تترافق معه معايير أخرى إضافة إلى السن تتعلق بشخص المحضون، وأهليته للحضانة، والمستوى الاقتصادي والبيئة الاجتماعية التي سيعيش بها الطفل، وواجبات الأب (في حال وجوده) في الإنفاق والرعاية ومستوى وحدود هذا الإنفاق؛ إذ يتوجب في كل ذلك إعمال مصلحة الطفل الفضلى في تحديد الحاضن أو الحاضنة وقدرتهما على تلبية احتياجات الطفل في البقاء والنماء والحماية.
رعاية الأيتام واللقطاء واجب شرعي
- وما هي الكفالة؟ وما موقف الدين الإسلامي وقوانين الدولة منها؟
+ الكفالة نوع من الرعاية البديلة لضمان حق الطفل في العيش في بيئة أسرية. وفي بعض الدول يستعمل مصطلح " التنزيل " بدلا من الكفالة.
والكفالة عادة أشمل من الحضانة؛ لأنها تستوعب كافة الأطفال المحرومين من الرعاية الأسرية، سواء كانوا أيتاما أو مشردين... بينما الحضانة فإنها تضم عادة الأطفال الذين وجدوا نتيجة نزاع زوجي أو انفصال بين الزوجين.
وقد أوجب الإسلام على الدولة والمجتمع رعاية الأيتام واللقطاء رعاية كاملة بقولـه تعالى: "ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم" (سورة البقرة 220). وقول الرسول العربي الكريم صلى الله عليه وسلم: " خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه".
والكفالة يمكن أن تكون من شخص غريب عن الأبوين، وقد يكون قريبا لهما أو غير قريب، لكن يجب أن يتلازم مع الكفالة شرطان: أولهما، لا بد أن تتم الكفالة بقرار قضائي. وثانيهما، أن يتلقى الأطفال المكفولون المزايا الاجتماعية والاقتصادية لأطفال الكفيل، وذلك دون تمييز. وهذا الأمر يتوجب لمراعاته – كما قلنا بالحضانة – إصدار التشريعات التي تحدد المعايير التي يتوجب توفرها في شخص الكفيل والجهة أو الجهات المسؤولة عن إجراءات المتابعة والمراقبة؛ للتأكد من قيام الكفيل بواجباته ومسؤولياته تجاه الطفل المكفول.
أمجد نيوف، (الباحث الاجتماعي السوري محمد صايغ لـ"مداد": للطفل حق في "الرعاية البديلة" كما حددتها الشريعة والمجتمعات النظيفة)
عن المركز الدولي للأبحاث والدراسات (مداد)، (3/2009)
|