|
ربا الحمود
|
|
2009-04-13 |
لم تكن تعلم أن خدمتها في الحياة ستنتهي بهذا الشكل, ليفضي بها الحال إلى سرير ضيق يقبع به جسدها تعيش أياما وساعات ودقائق عصيبة تنتظر ملاك الموت ليهبها الراحة الأبدية, متصلة إلى عدة أسلاك كهربائية وبلاستيكية تخترق جسدها المتعب تزودها بمزيد من السوائل المالحة, فقط ليبقى هذا القلب المكسو بالحزن ينبض بمرارة أكثر..
عيناها مغمضتان عن النظر حولها, إلا حيث تأخذها أفكارها إلى ذلك الحلم الوردي الجميل, حيث كانت في أحضان طفولتها ولعبتها المصنوعة من الأقمشة المنزلية, ضمن عائلة كثيرة الأفراد, تحاول يوميا أن تنام مبكرة علها تحتل مكانا قريبا إلى المدفأة مع لعبتها القماشية العزيزة على قلبها..
وتلح عليها تلك الحقبة, عندما ذهبت إلى المدرسة عدة سنوات فقط.. قبل أن يتقدم لخطبتها..
كانت سعيدة جدا بكل ما يحتوي الزواج من تجهيز وأغراض وفستان ابيض وورود بلون الغيوم, وفي النهاية رجل..
اعتقدت في ذلك السن الصغير ان زواجها وهي في سن الرابعة عشرة تكيد به صديقاتها وأقربائها
وأن تشكيل عائلتها التي تحلم بها هو أجمل ما تحلم به, وحتى أجمل من لعبتها المهترئة, فسوف تحصل على أطفال حقيقيين تعتني بهم وتطعمهم وتراهم يكبرون أمام عينيها..
وسوف تحصل على رجلها الذي حلمت به طويلا, لم تكن تريده على حصان ابيض, ولا حتى فارس هارب من قصص الروايات التي كانت تسترق قراءتها من الجميع..
أرادت رجلا يهبها أطفالا وحياة وروحا جديدة.
رجلا حلمت بأن تضع عند قدميه حياتها بأكملها..
مضى مشوار طويل معه اعتادت فيه طبعه القاسي وسوء معاملته, وتعثر عمله لسنوات تتالت عليهما اضطرت لأجل ذلك أن تبيع كل ما تملك من حلي وذهب وتهبه كل قرش استطاعت توفيره خلال عشرين عاما مضت برفقته..
لم تكن تعني لها بضع ليرات ذهبية وقليل الحلي شيئا مقابل نظرة حب وود منه وسعادة تراها في عيون أولادها الستة الذين كبروا وغدوا شبابا وصلوا إلى مراحل دراسة متقدمة لتعوض فيهم ما خسرته بحياتها..
وكم كانت ساعدتها غامرة عندما بدأ زوجها بأول نجاح مهني له, عندما استطاع ان يشتري محلا ضمن منطقة جيدة في السوق لتزدهر تجارته فيما بعد..
والآن و بعد خمس وثلاثين عاما من الكفاح والتعب, وبعد ان اخذ منها الدهر كل شبابها وقوتها
وبينما كانت تهم بإخباره بوجود من يود يرغب بخطبه ابنتهم التي تخرجت من جامعة العلوم بتقدير جيد.. أسكتها بخبر أهم!!
خبر نزل على مسامعها كصاعقة كهربائية حولتها إلى أشلاء بشرية حية تنزف ألما وإهانة لا متناهية ..
فهو يرغب بالزواج من جديد بامرأة أخرى وبدأ بسرد حديثه بعدة آراء دينية وفقهية إلى ان وصل إلى رغبته الخاصة فهو لم يعد ينظر إليها إلا كأم لأولاده وليست زوجته وشريكة حياته!!
واحتاج الوقت بضعة دقائق أخرى لتعرف ان سبب إخباره لها هو شرط أهل العروس موافقة الزوجة الأولى!!
وصمتت ليلتها.. وهل تملك أن ترفض؟
وهل تملك ان تمنعه من الزواج ؟
وهل تستطيع ان تخيره بين زواجه.. وبين وجودها في حياته؟
وفي حال قررت تركه.. أين ستذهب أصبحت امرأة جاوزت الخمسين جسدها يؤلمها اكثر مما يخدمها وابنتيها هما اكبر معين يومي لها!!
وفي حال قررت ان تطلقه.. أين ستذهب خارج نطاق مملكة زوجها؟!
وهي التي لم تفكر بخيانة كبرى لها من الحياة, ولم تفكر يوما بأن تترك شيئا يقيها شر الطلب من أحد..
فقد تزوجت مذ كانت طفلة لاتملك قدرة على اتخاذ قرار بأدق خصوصيات حياتها الشخصية فكيف لها ان تفعل الآن!!
وإذا تركته.. ستخسر أولادها الستة فهم لن يتركوا منزلهم ورفاهية ولدتها نقود والدهم ليعيشوا مع أمهم التي لاتملك أدنى شيء..
احتاجت الكثير من جرعات الذل والصمت قبل ان تستسلم لمشيئة زوجها وطلبه الذي امتزج بلهجة الوعيد فيما لو رفضت..
ذهبت إلى منزل العروس.. وأكدت لها بابتسامتها المرتسمة رغما عنها بقبولها بالزواج.. وكذلك أعادت حديث زوجها أمس بان ذلك حقه دينيا وشرعا إلى ان انتهى الحديث بالصمت بين الاثنتين وعادت إلى منزلها.
مضت عدة أسابيع.. تزوج بها رجلها من أخرى ولتكتمل مسرحية الخنوع المدمج بالصمت, أخذت إحدى بناتها فقد رفضت الأخرى الذهاب قدمت هديتها وتهانيها للعروسين, ويبدو ان الزوج قد نسي ان هذه المرأة أمامه هي زوجته فلم يتورع عن التغزل بعروسه أمامها!!
خرجت إلى الشارع غير قادرة على شيء حتى على البكاء..
ولم تمض بها قدماها عدة خطوات حتى انهارت كليا لينتهي بها المطاف إلى هذه الغرفة الصغيرة البيضاء الأشبه بكفن مؤقت, ريثما تنتقل إلى كفنها الأخير..
ربا الحمود,(هواجس نهاية الخدمة)،
هذا الإميل محمي من السرقة عبر برامج السبام، تحتاج إلى دعم جافا سكريبت لتستطيع رؤيته
خاص: نساء سورية
|