|
أحمد عرار
|
|
2009-04-13 |
"إن فهم الآخر ما لم يكن مصاحباً باعتراف كامل به بوصفه ذات، مهدد بأن يُستَخْدَم في تحقيق غايات استعلائية، بحيث تصبح المعرفة سبيلاً للتسلط". من رسالة بحث في منشأ وأسس عدم المساواة لجان جاك روسو
إن اللاوعي هو ما يؤسس الذهنية العقلية التي ينبني عليها سلوك الفرد وفكره ومن ثم يضع الأيدلوجية التي تحكم علاقته بالآخرين، هذا اللاوعي هو ما يبرر سلوكنا الخاطئ تجاه المرأة أو لنقل هو ما يشرعن العنف تجاهها من خلال اللاشعور الجمعي المتجذر والذي لا سبيل لتغييره إلا بإعادة انقلاب معرفي "ابستمولوجي" يعيد صياغة العقل ويعيد برمجة لاوعينا الجمعي.
ومن خلال هذه الرؤية التي تفتش وتفكك الأنماط الثقافية للعنف يمكن فهم وحل مشكلة المرأة والتي عملت التربية الذكورية على احتقار كينونتها وجعلها مسكون جسدي هامشي.
إن مشكلة المرأة تبدأ منذ الميلاد كما تقول "كارول بي كريست" في كتابها "الصوفية النسوية" ففي سن مبكرة جدا تتأكد البنت بأن ما تعنيه إنها أنثى إن أشقاءها الذكور لديهم الحق في أن يطلبوا المزيد من اهتمام أمهم، وان أبوها لن يلعب معها الكرة. ويعني كونها أنثى إنها حتى لو حصلت على أعلى الدرجات، فان مهنتها لن تحظى بالأهمية مثل مهنة الولد الذي يحصل على درجات متوسطة. فكونها أنثى يعني إنها ليست مهمة، إلا في علاقاتها مع الأولاد والرجال. ويعني ذلك أن لديها رسالتين متناقضتين. فالوالدين والمدرسين نادرا ما سيخبرون البنت إنها اقل أهمية من أشقائها الأولاد الآخرين، لان ذلك يناقض المثالية "للمساواة والعدالة للجميع" التي يدعو لها المجتمع. لكن الرسالة الخاصة بدونيتها سوف تصل إليها بطرق خبيثة وملتوية عن طريق قلة الاهتمام والتقصير في تغذية إمكاناتها في النمو والتطور، وعن طريق توقع إخفاقها في المهام الصعبة. ونظرا إلى أن الرسائل مختلطة فقد تشعر المرأة أن عدم اهتمام أمها أو أبيها أو مدرسيها بها إنما ينبع من وجود خطأ معين من جانبها. هذه الأصوات وغيرها للقامعين لها والتي تبدو كأنها تنبع من داخلها مع هذه التيارات من مشاعرها بالدونية وكره الذات، تنفذ وتتغلغل إليها بقوة وعمق.
وهكذا تتعلم النساء الشك في قيمة أفكارهن ومشاعرهن وإبداعهن وتسلمن بان الأشياء التي يفعلنها ليست لها قيمة. ويوافقن على أن أعمال المنزل ورعاية الصغار، أو العمل كممرضة أو سكرتيرة أو حتى مدرسة هي أعمال لا تتطلب أي قدر من الإبداع أو المهارة، وأن أي شخص يمكنه القيام بها. فهن يعتقدن أن عمل الرجال سواء أكان في تصليح السيارات أم العمل على خط إنتاج في مصنع أم بناء منزل هو عمل بالغ الأهمية أكثر مما تفعله النساء بكثير، وإذا جرأن على تحدي الأنماط التقليدية فسوف يعلمن أن أجلا أو عاجلا إن ذكاء المرأة وإبداعها وقوتها غير مقبولين.
اللاوعي وإغواء الرجل:
إن الخصائص والسجايا التي تثمن عاليا في الرجال تبدو إنها "مهددة" في النساء اللواتي تقوم جاذبيتهن للرجال على إنهن يغذينا إبداع الرجال وليس في التعبير عن أنفسهن. تغدي الثقافة الذكورية المرأة بحالة عدم الملائمة والتي تتلخص في مشاعرها تجاه جسدها. فالمرأة يمكنها أن تحصل على موافقة الرجال وحبهم بأن تبدو جميلة المظهر. إلا أن "أمها التي تنقل إليها التذبذب وعدم التأكد وكذلك وسائل الإعلام تخبرها بأنها ليست جميلة بطبيعتها، إذ انه ينبغي عليها أن تلتزم نظاما غذائيا لتخلص نفسها من السمنة المقيتة، أن تضفر شعرها وتفرده أو تصبغه أن تتعلم وضع الماكياج، تتعلم كيف تلبس كيف تجلس، تقف، تمشي، من اجل أن تصبح مقبولة. يجب أن تزيل الشعر من ساقيها ومن تحت أبطيها، أن تنتف حواجبها، أن تزيل الشعر من ذراعيها ومن وجهها لكي تغدو مقبولة يجب ألا تنسى أبدا العطور ومزيلات الروائح ثم هناك بين ساقيها تلك البقعة السوداء التي تنزف منها كل شهر ينبغي عليها أن تفعل كل ما بوسعها لإنكار وجود تلك البقعة ينبغي عليها أن تخفي كل شهر ما يدل على سرها الدامي مطلوب منها أن تستخدم الحفاضات والرشاشات المهبلية لإخفاء الروائح الأنثوية". (الغوص عميقأ والصعود إلى السطح- كارول كريست).
هذه الرسالة الواضحة التي تشحنها الأم في عقل ابنتها والتي تجعلها تشعر بان هناك خطأ ما في كونها امرأة هي نتاج أو لنقل هي إعادة إنتاج للرأس مال الرمزي حسب بوردييو للاوعي البطريركي.
إطار للحل:
في إطار الحل يجب فهم المفردات المعرفية التي تتحكم في لاوعي الرجل والمرأة على حد سواء في المجتمع، من أجل فهم الدوافع التي تكمن وراء هذا التمييز تجاه المرأة.
إن المجتمع يتركب ثقافيا من القيم والتقاليد والمعايير والأعراف، وغيرها من محددات ألإدراك والسلوك الإنساني، وهو يعمل دائماً وبصورة آلية على نقل هذه المفردات إلى مجموع أفراده، ليحافظ على بنيته الجماعية، وبهذا الشكل يأخذ الطفل اللبنات المستخدمة في بناء المنظومة ألإدراكية من المجتمع الذي يعيش فيه ممثلاً بمؤسساته، العائلة والمدرسة والجامعة، ومن ثم تصبح آلة الفرد ألإدراكية مطبوعة بطابع المجتمع، ويحتفظ المجتمع بالأثر الأكبر في التأثير على بنية الفرد المعرفية، من خلال نقله لجملة عقائده وأعرافه ومعارفه، لأفراده، وخاصة الأطفال منهم، ولذلك نجد دائماً أن أفراد المجتمع الواحد يشتركون غالباً بمساحة واسعة من المعارف والعقائد وغيرها، وهي ما يسمى بـ(اللاشعور الجمعي) الذي هو: "رواسب دفينة في النفس ترجع إلى تجارب وخبرات النوع الإنساني يمتد بعضها إلى الماضي السحيق وما ورثه الناس من أصلهم الحيواني ومن الإنسان البدائي الأول، وما تركته فيهم تجاربهم الاجتماعية في العشيرة والقبيلة والأمة، وما ترسب في نفوسهم من خلال تجاربهم الخاصة، إضافة إلى مخايلهم المتعلقة بالمستقبل". (عبد الهادي عباس - المرأة والأسرة في حضارات الشعوب وأنظمتها).
إذا نفهم ومن خلال كل ما سبق في أن الحل يكمن في إعادة صياغة لبيدغوجيا التربية داخل المدرسة والجامعة وفي وسائل الإعلام ليعاد صياغة اللاوعي الجمعي ايجابيا تجاه المرأة.
أحمد عرار، (اللاوعي ومشكلة المرأة)
تنشر بالتعاون مع المدونة الشخصية للكاتب: نسويات مدونة، (1/2009)
|