|
ا. عزة كامل المقهور
|
|
2009-04-29 |
شعرت صديقتي كريمة بموت والدها للمرة الثانية، على حد وصفها، وهي تفاجأ بابنتيها تعودان من المدرسة في أول يوم دراسي وهما تجران أذيال الخيبة بعد أن سرحتا بمجرد دخولهما المدرسة بحجة أنهما غير ليبيتين، وتساءلت ابنتها الكبرى ألست ليبية يا ماما؟ لماذا نعامل بهذه الطريقة إذن؟
مات والد كريمة منذ عشرين عاماً، إلا أن شعور موته انتابها ثانية بكل أبعاده في تلك اللحظة.
لم تعلم صديقتي الليبية المتزوجة من غير ليبي بهذا القرار إلا من ابنتيها والدموع تغالبهما، وقد تبين لها لاحقاً حين استفسرت من إدارة التقويم والقياس أنه سبق وأن صدر قرار عن اللجنة الشعبية العامة للتعليم تحت رقم 3 لسنة 2007 بتقرير أحكام في شأن تنفيذ قرار اللجنة الشعبية العامة رقم 98 لسنة 1375 و.ر، بعدم انطباق مجانية التعليم على غير الليبيين مع بعض الاستثناءات من بينها أبناء المواطنة الليبية، إلا أنه صدر قرار لاحق مفاده أن غير الليبيين بدون استثناء – هذه المرة- لا يتمتعون بمجانية التعليم ولا الخدمات الصحية المجانية، ولم تسلم لها صورة من القرار الأخير.
وهكذا يعامل أبناء الليبية معاملة الأجنبي تحت سمع وبصر الليبية ذاتها. ومن له الحق في أن يعاملها بهذه الصورة في بلدها؟ إن المعاملة موجهة ضد الليبية وبالتأكيد ليس لمصلحتها كما يعتقد البعض خاصة مصدرو القرار.
سبق وأن ذكرنا في دراسة قانونية حول موضوع الليبية وحقها في منح جنسيتها لأبنائها[1]،أنه لم يعد من موجب أو سبب اليوم يمنع عنها هذا الحق، وذلك تأسيساً على أن هذا الحرمان سببه تاريخي محض يعود إلى عام 1951، لارتباطه بظروف تاريخية معينة، وتأسيساً على مبدأ عدم ازدواجية الجنسية التي كان يتبناها المشرع الليبي آنذاك.
إلا أنه وبصدور قرار اللجنة الشعبية العامة رقم 190 لسنة 2001 بتعديل نص المادة 80 من اللائحة التنفيذية للقانون رقم 18 لسنة 1980بشأن الجنسية العربية، والذي سمح بازدواجية الجنسية، بل ويقدم التسهيلات لمزدوجي الجنسية[2]، فإنه لم يعد هناك من مبرر لحرمان أبناء الليبية المتزوجة بغير الليبي من أن تمتد جنسيتها إلى أبنائها. أي منطق يقضي بمنح الجنسية الليبية لأبناء ليبي متزوج من أجنبية ويحملون جنسية الأم الأجنبية، ولم تطأ أقدامهم تراب ليبي، ولا ينبسون ببنت شفة بكلمة عربية، بينما أبناء الليبية المولودون في ليبيا، والمقيمون فيها، والمتطبعون بطبائعها، والمتحدثون بلهجتها يعاملون بمثل ما يبتغي قرار اللجنة الشعبية العامة للتعليم معاملتهم به؟ أين المنطق في هذا؟
أما القانون ومخالفة القانون، والوثائق الأساسية التي تبناها المجتمع منهاجاً له، والاتفاقيات الدولية التي انضمت اليها ليبيا، فحدث ولا حرج.
ينص الإعلان الدستوري في المادة 5 " المواطنين جميعاً سواء أمام القانون".
وتنص الوثيقة الخضراء الكبرى على: "إن أبناء المجتمع الجماهيري متساوون رجالا ونساء في كل ما هو، إنساني ولأن التفريق في الحقوق بين الرجل والمرأة ظلم صارخ ليس له ما يبرره "
" المواطنة في المجتمع الجماهيري حق مقدس لايجوز إسقاطها أو سحبها".
أما قانون تعزيز الحرية فينص المادة على أن" المواطنين في الجماهيرية العظمى، ذكوراً وإناثاً، أحرار متساوون في الحقوق و لا يجوز المساس بحقوقهم".
والمادة 26 " لا يجوز حرمان الأم من أطفالها وحرمان الأطفال من أمهم".
كما أن وثيقة حقوق وواجبات المرأة في عصر الانعتاق الصادرة في 29. 12. 1997 تنص على:
" انطلاقا مما جاء في الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير، فإن المرأة في الجماهيرية العظمى تؤكد على التمتع بكافة الحقوق التي يتمتع بها الرجل دون تفرقة بينهما"
" المرأة في الجماهيرية العظمى، تؤكد على حق أبناء المرأة العربية الليبية المتزوجة بعربي التمتع بحقوق الليبيين وتحميلهم بذات الواجبات المفروضة عليهم".
إن هذه الوثيقة هي عهد قطعه المجتمع على نفسه وهي وثيقة منشورة على الموقع الرسمي لمؤتمر الشعب العام[3] ، والموقع الرسمي للجنة الشعبية العامة للعدل[4]، ، وكان لزاماً على الجهات التنفيذية أن تحترم هذا العهد ولا تنكث به.
إن المشرع الليبي وهو لم يؤد واجبه بتعديل التشريعات بما يتفق والوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان الصادرة منذ ما يقارب العشرين سنة، استناداً للقانون 5 رقم لسنة 1991، بل إن جهات التنفيذ وهي تضرب بعرض الحائط بالقوانين الأساسية الصادرة عن المجتمع، والتي يصدر عنها المرة تلو الأخرى قرارات مجحفة بحق المرأة[5] دون مشاركتها وأخذ رأيها في صنع القرار لغيابها في عضوية تشكيل اللجنة الشعبية العامة، إنما ينم عن اتجاه باضطهاد المرأة ومخالفة للتشريعات النافذة والوعود والعهود التي تلقتها وتتلقاها المرأة الليبية بين الفينة والأخرى.
إن الليبية اليوم وهي تواجه هذه المطبات التشريعية، والاختبارات التنفيذية للافتئات على حقوقها من حين لآخر، يجب ألا ترضى بتعديل أو إلغاء هذا القرار، إذ أن الأمر لن يتوقف عن هذا، بل عليها اليوم أن لا ترضى بأقل من منحها الحق في إعطاء جنسيتها لأبنائها بقوة القانون وليس بهبة أو منة أو معرفة و تزلف من أحد.
إن من يعتقد أن هذه النوعية من القرارات هي لمصلحة ليبية صرفة مخطئ، ومن يعتقد أن القرار يتعلق بأبناء الليبية وليس بالليبية ذاتها مخطئ، إن مصلحة ليبيا أن يعيش الليبي والليبية في مساواة واطمئنان كاملين، وأن يتمتعوا بحقوقهما بالكامل. إن الحق في الجنسية هو حق للأم تنقله لأبنائها مباشرة، ولا يحق لأي كان أن يسحب الأرض التي تعيش عليها من تحت أقدامها.
إن العيب هو بالرضى بالقليل، وأن المطالبة اليوم هي بالحق المكفول وطنياً ودولياً للمرأة بمنح جنسيها لأبنائها، وإن على الليبية اليوم وهي تواجه هذه المحنة في رأسمالها ومستقبلها ألا وهم أبنائها، أن تطالب بهذا الحق - الحق في منح جنسيتها الليبية لأبنائها- وأن لا ترضى بأقل منه.
[1] عزة كامل المقهور، مجلة المؤتمر، السنة الرابعة/ العدد 47، 2006
[2] قرار اللجنة لشعبية العامة رقم 92 لسنة 2002 بإنشاء إدارة عامة تسمى إدارة شؤون الهجرة.
[3] يراجع موقع مؤتمر الشعب العام على شبكة المعلومات الدولية:
[4] هذه الوثيقة منشورة في الصفحة الالكترونية للجنة الشعبية العامة للعدل:
[5] يراجع بالخصوص التوضيح الصادر عن اللجنة الشعية لعامة حول إجراءات منع المرأة دون سن الأربعين من السفر بدون مرافق. موقع اللجنة الشعبية العامة على شبكة المعلومات الدولية بتاريخ 8. 3. 2007
ا. عزة كامل المقهور، محامية، (ليبية من الدرجة الثانية!)
عن "ليبيا اليوم"، (9/2007)
|