|
دلال إبراهيم
|
|
2009-04-29 |
الماء لا شكل له وله كل الأشكال، يرسم مجراه كما يريد، يسير عذباً.. واضحاً، له كل الصفات الرقيقة المرتبطة بالأنوثة يجعلنا نتساءل؟ أهي صفات قوة أم ضعف؟ رغم أنه مصدر الحياة! هذه الصفات تتغير من بيئة إلى أخرى ومن شخص إلى آخر... المرأة تغيرها..ربما للمصلحة المتبادلة أو الحاجة إلى الجنس الآخر أو الضعف..أو غياب الوعي أو أن الظروف تفرضها بالقوة. والرجل أيضاً يغيرها كما يريد لأنه دائماً يحبها ضعيفة، وضعفها يظهر قوته وسيطرته ولا يردعه عن ذلك مستوى علمي أو اجتماعي أو ثقافي أو نفوذ...لينسى تماماً أنهما معاً تكوين للديمومة وعقد رهان ضد الزمن ومع الزمن، ولولاهما معاً لما كانت الحياة..!
من هنا نتساءل: هل الطبيعة فرضت ذلك؟ هل الظروف الاقتصادية؟ هل الجنس؟هل الرجل ذاته؟ هل المرأة ذاتها؟ لأنها غير واعية وتفخر بأنها ضعيفة تستجدي العطف من الآخرين؟! أم تتفاخر بمن هو أقوى منها سلطة وتسلطاً وتحتاج إلى حماية نفسها؟ هذه العوامل كلها كانت منابع للعنف، فهو ولد هنا في هذه البيئة الهشة المتخلفة، فكل الأجواء ساعدت على ذلك. حتى بتنا أمام مشكلة متعددة الجوانب،تصيب المجتمع بقلبه (المرأة) وأطرافه (الأبناء).وتهدد أركانه عندما تضيع المرأة! فالأسرة الناجحة بتماسكها ونجاح أبنائها واقتصادها الموزع بانتظام رغم الدخل القليل.. والعوائق الكثيرة تقف خلف كواليسها. لقد قدمت نفسها ضحية من أجل ذلك ونجحت رغم وجود الرجل السيد السلبي..! ولكن إذا حدث العكس وتحطمت الأسرة بكل أركانها بسبب سلبية المرأة،فلا نفع من وجود الرجل السيد الإيجابي...!
ولأكون أكثر إنصافاً وأقل تعقيداً لن يستطيع رجل مقيد متخلف يفتقر إلى الكثير من عوامل الوعي،نشأ في بيئة متخلفة عنيفة فقيرة، وكل ما تعلمه في البيت والمدرسة والعمل والدين، ولم تبخل السياسة بذلك عليه أيضاً، خلال سني حياته، كل ذلك زرع في أفكاره: أن المرأة قاصرة وأدنى منه، وأوجدتها الطبيعة والإله لخدمته في جميع جوانب الحياة! هو يريد لنفسه امرأة صالحة وأمينة على أولاده وبيته وماله وطباخة جيدة، ولا مانع أن تزين بيتها بشهادة علمية يتفاخر بها! فهو سيد قلبها النابض من أجله فقط والأمين على أفكارها إن استطاعت أن تعبر عنها..! أما هو فلا مانع أن تكون له صديقة هنا وخليلة هناك..تستنفد ماله وعواطفه ونفوذه فعلى من يقع العنف هنا؟
أما عن القوانين؟ فالكثير منها يبخس المرأة حقها وعندما لا تكون مترابطة وقوية وقادرة على تأمين توازن بين أفراد المجتمع ذكوراً وإناثاً، لن تستطيع حمايتها،وخير مثال على ذلك قانون الأحوال الشخصية. وقانون الجنسية يمنح بموجب حق الإقليم، وحق الدم. حتى اللقيط المجهول الأب والأم والذي وجد في أرض سورية يعطى الجنسية. مع ذلك الأم السورية لا تستطيع أن تمنح جنسيتها لأولادها فيحرمون هم أيضاً الكثير من حقوق المواطنة. فمعظم دعاة الديمقراطية والسياسيين على مر العصور وجدوا أن هناك تلازماً بين الحالة السياسية والحالة العائلية في كل مجتمع. ولكي يتطور مجتمع لا بد أن تتطور فيه الحالة السياسية..! وكذلك الحكومة والقوانين التي تسنها. وكل البلاد تتمتع فيها النساء بحرية شخصية نرى الرجال يتمتعون بحرية سياسية والارتباط كلي بينهما لذا:
1- يلزمنا ثورة تشريعية تُسنّ فيها قوانين تُلغي التسلط الأبوي الذي سمحت به القوانين القديمة، والتي بات الكثير منها يوقع على المرأة شتى أشكال العنف.
2- قوانين تستطيع أن تضمن الحرية للرجل الإنسان كالمرأة الإنسان، لأن الحياة لا تسير بأحدهما دون الآخر، الدولة الحديثة تبنيها دولة القوانين المتطورة وحقوق الإنسان.
3- قوانين تعيد النظر بمناهجنا التعليمية التي تقدم المرأة خادمة في المطبخ، حسناء مدللة في مكان آخر، وأماً عاطفية قوتها أن تكون ضعيفة دائماً حنوناً، جمالها بصمتها في كل المواقف. لأن الرجل هو الأقوى، والإله أراد ذلك، فما لها إلا الإيمان بالقضاء والقدر (هذا ما كانت تقوله الجدة)!
4- قوانين اقتصادية تسمح بحياة كريمة لكل لمواطنين رجالاً ونساء، وتؤمّن فرص عمل للاثنين معاً، لأن العمل يعزز للمرأة ثقتها بنفسها ويمنحها الاستقلال الاقتصادي، فالفقر والحاجة مصدر للعنف.
5- قوانين وتشريعات تستطيع الإصلاح والانتقال بالواقع نحو الأفضل تسمح للمرأة أن تكون وليّة نفسها دائماً وفي كل المواقف. وبعد مئة عام من عصر النهضة نرى أن الرجل والمرأة متكافئان بالقدرات والإمكانات الفكرية والنفسية، فلماذا لا يكون القانون دائماً واحداً للاثنين؟!
6- قانون يلغي تعدد الزوجات لما له من مساوئ ومضار للمرأة والأسرة والمجتمع. فمنذ مئات السنين ألغي العمل بالمباح في سبيل مصلحة الأمة وتطورها، وعُمِلَ بقوانين أخرى تخدم الأسرة والمجتمع. أما الآن فلا! أهذه هي الحضارة؟!
أخيرا بعد كل هذا نرى أن المسؤولية تقع على الجميع: فالمواطنون عليهم الاحتجاج الدائم للوصول إلى الأفضل وعليهم واجبات ولهم حقوق كثيرة، مؤسسات تشريعية تسعى نحو الأفضل.. مثقفون لأن منشأ التطور يبدأ من الفكر، أحزاب،جمعيات أهلية, منظمات شعبية, والنساء من كل الأماكن وكل المنابر والأصوات الجريئة التي تستطيع أن تصنع التغيير بعيدة عن مصالحها الشخصية.
دلال إبراهيم، (أنياب العنف)
جريدة "النور"، (4/2009)
|