|
المركز القانوني للمرأة بين أحكام القانون الدستوري وقانون الجنسية |
|
|
|
منال غالب الأشهب
|
|
2009-04-29 |
تتجلى أهمية الدراسة في قضايا المرأة والقانون والبحث في المراكز القانونية للمرأة في القوانين المختلفة، في أنها تسلط الضوء على الحقوق التي حصلت عليها المرأة وأوجه الإجحاف التي تعرضت لها، وذلك انطلاقاً من أهمية دورها في المجتمع. ففضلاً عن أنها تشكل نصفه فهي المسؤولة عن تربية وإعداد نصفه الآخر، وبالتالي فإن أي ظلم يحيق بها سينعكس سلباً على المجتمع بأكمله .
ولكي نتعرف على هوية أي بلد ونستقرئ عقائده وطرق تفكيره ونظرته إلى الإنسان ومدى احترامه لحقوقه والمساواة بين مواطنيه، لابد من دراسة دستوره، وهو القانون الأم الذي يحدد الخطوط العريضة والعناوين الرئيسة التي يفترض أن تحترمها جميع القوانين والأنظمة التي تصدر في هذا البلد، فلا يجوز أن تتخطاها أو تتعارض معها، وإلا وُصمت بأنها غير دستورية وتغدو عرضةً للإهمال وعدم العمل بها تبعاً لمخالفتها أحكام الدستور التي تبقى واجبة التطبيق عند تعارض أي نص قانوني آخر معها .
وقد كفل دستور الجمهورية العربية السورية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 208 تاريخ 13/ 3 /1973 وتعديلاته للمرأة حقوقها كافة، ووضعها على قدم المساواة مع الرجل في الحقوق والواجبات، فجاء في الفقرة الثالثة من المادة 25 منه (المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات). ونصت المادة 45 منه: (تكفل الدولة للمرأة جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة الكاملة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وتعمل على إزالة القيود التي تمنع تطورها ومشاركتها في بناء المجتمع العربي الاشتراكي). ولاشك في أن أحكام هاتين المادتين هي خلاصة لأرقى المبادئ الإنسانية التي جهدت شعوب الأرض قاطبةً وناضلت آلاف السنين للوصول إليها. وقد تجلى التطبيق العملي لهذه الأحكام في حصول المرأة على حق التعليم المجاني بجميع مراحله، وحق الحصول على الأجر المتساوي وفقاً للمؤهل العلمي وطبيعة العمل وحق الاقتراع والانتخاب والترشيح في جميع الهيئات الدستورية والمنظمات الشعبية والنقابات، وحق العمل في جميع المجالات وتقلد جميع المناصب السياسية والقضائية والإدارية والاقتصادية. إلا أنه على الرغم من وضوح النصين الدستوريين المذكورين وصراحتهما فإن بعض أحكام قانون الجنسية النافذ الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 276 لعام 1969لم تراع تماماً مبادئ المساواة التي كفلها الدستور، فالمادة الثالثة منه نصت على أن (يعتبر سورياً حكماً :
أ _ من ولد في القطر أو في خارجه من والد عربي سوري .
ب _ من ولد في القطر من أم عربية سورية ولم تثبت نسبته لأبيه).
فهذا النص اعتبر أن كل شخص يكون والده عربياً سورياً يتمتع حكماً بجنسية الجمهورية العربية السورية بشكل تلقائي، أي إنه أخذ بحق الدم لجهة الأب فقط، فيما اشترط لحصول ابن الأم العربية السورية على جنسيتها توافر شرطين: أولهما أن يولد في القطر، وثانيهما أن لايثبت نسبه لأبيه، فإذا ثبت نسبه فيما بعد فإن جنسيته العربية السورية ستزول عنه بأثر رجعي من تاريخ ولادته .
كما ذهب القانون في مادتيه الثامنة والتاسعة إلى تخفيف الشروط التي تطلبها لمنح الجنسية للأجنبي تجاه المرأة الأجنبية المتزوجة من أجنبي اكتسب الجنسية السورية، أو من شخص يتمتع بهذه الجنسية أصلاً، فاكتفى بأن تقدم طلباً وأن تستمر الزوجية قائمة مدة سنتين من تاريخه، وأن يصدر قرار عن وزير الداخلية بإكسابها الجنسية. كما ذهب في مادتيه الثامنة عشرة والتاسعة عشرة منه إلى إعطاء المرأة التي تحمل جنسية بلد عربي، أو من أصل سوري ومتزوجة من مواطن عربي اكتسب جنسية الجمهورية العربية السورية أو عربي سوري أصلاً، الحق في اكتساب الجنسية بمجرد إبداء رغبتها بطلب خطي وبقرار من الوزير، بينما لم يتضمن القانون أحكاماً مماثلة بالنسبة للأجنبي أو العربي الذي يتزوج من مواطنة سورية أو عربية أو أجنبية اكتسبت الجنسية، إذ يبقى أمر حصولهم على الجنسية خاضعاً للشروط التي يجب توفرها في الأجنبي أو العربي الذي يطلب التجنس دون أن يكون لزواجه منها أي أثر في تخفيف الشروط .
والخلاصة فإن القانون لم يراع مبدأ المساواة الذي كفله الدستور، وإنني إذ أبين أوجه الاختلاف في المعاملة فإنني أنبه إلى أن أمر منح الجنسية وتحديد شروط اكتسابها هو أمر سيادي بحت يتعلق بسيادة الدولة وتحدده وفقاً لحاجاتها واعتباراتها ومصالحها الوطنية والقومية والسياسية والاجتماعية، ولا معقب عليها في ذلك، إنما المقصود أن يراعي تشريعها المساواة بين المواطنين فلا يكون مركز الرجل أعلى شأناً من مركز المرأة أو العكس، خاصةً أنه من الممكن إناطة حصول غير السوري على الجنسية بموافقة الجهات المختصة التي يعود لها الحق المطلق في تقدير أهليته للحصول عليها على أمل أن تؤخذ هذه الملاحظات بالحسبان عند أي تعديل مرتقب على هذا القانون تماشياً مع أحكام الدستور وبما يكفل المساواة الكاملة بين جناحي المجتمع .
منال غالب الأشهب، (المركز القانوني للمرأة بين أحكام القانون الدستوري وقانون الجنسية)
جريدة "النور"، (4/2009)
|