|
وحزمت أمتعتي.. وبكيت.. حول مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد |
|
|
|
باسيليوس زينو
|
|
2009-06-22 |
صعدت الأصوليات المسيحية واليهودية والإسلامية معاً منذ نهاية السبعينات ممهدةً الطريقٍ لصراعٍ ثأريٍ دامي، إلا أن بقية من روح علمانية منعها من الانفلات بشكلٍ كامل، لكن بعد سقوط الكتلة الشيوعية منذ بداية التسعينات؛ مضت الأحزاب العلمانية (بالاسم على الأقل) أبعد من عملية المهادنة مع الأصوليات ومضى زعماء الأحزاب للحج والطواف حول الكعبة!
ومنذ بداية الألفية الجديدة أتحفنا الأصوليون المسيحيون الأمريكيون والإسلاميون العرب معاً بداحس وغبراء القرن الحادي والعشرين؛ وكردة فعلٍ من المواطن العربي الذي يعاني فشلاً فكرياً وروحياً وجنسياً وقمعاً دينياً وأسرياً وسلطوياً ويؤمن تماماً بأن كل ما يحدث له قضاء وقدراً (وخليها عالله) وأنّ "إن ينصركم الله فلا غالب لكم"، لا محل لها من الإعراب أمام انحسار الأراضي العربية الواحدة تلو الأخرى بدءاً من سايكس بيكو مروراً بفلسطين والعراق وو...
لم يجد أمامه سوى الانغماس في ثنائيةٍ (سادية- مازوخية) دينية، فبدأنا نلمس إنجازات تنظيمات إسلامية خفية ومتطورة تجسدت في محاولات إرهابية عديدة لزعزعة الأمن في سورية، وتحجيب واسع النطاق على يد الدعاة الجدد والقبيسيات المناضلات من أجل حقوق المرأة! واللواتي لسببٍ "غير منطقي" يذكرنني برائدة النسوية العظيمة سيمون دوبوفوار فأشعر أنها أسطورة أو امرأة عاشت على كوكب فينوس (الزهرة)، فنساؤنا أقوى من كل الحركات الهدامة اللا أخلاقية مساهمين مع الذكور في تكريس دونيتهن!
واليوم حيثما صعدت إلى سرفيس أو تكسي يجب أن تشنّف آذانك للاستماع إلى خطبة الجمعة وكافة أيام الأسبوع، ولا ترتعب من عذاب القبر وسلخ الجلد والنار الدائمة والأفاعي...لأن الله يحبك ! ويمنحك فرصة للتوبة.
حتى برامج الأطفال التي إن كان فينا بقية من حب فهي ثمرة لما زرعته فينا آنذاك، تغيرت أيضاً ليسود العنف المجاني مهيئاً الطفل لاحقاً للجهاد المقدّس، وأعيدت دبلجة بعض المسلسلات الكرتونية ليصبح الحبيبان شقيقان شاذان (مغامرات سنان مثلاً ).
ونظراً لأهمية الكتاب كوسيلةٍ للترويج الديني تتزاحم دور النشر الإسلامية للمشاركة في معارض الكتب عارضةً الكتاب (التبشيري) أقل من سعر الكلفة أحياناً؟
كما غيرت معظم التيارات الإسلامية برامجها السياسية فتخلت (مؤقتاً) عن مشروعها العمودي في إزاحة السلطة (الكافرة) لإقامة الخلافة الإسلامية واعتماد القرآن كدستورٍ ناظمٍ لحياة المسلمين وأهل الذمة وللكفار العلمانيين نصيبٌ فيه أيضاً، ريثما تتمكن من التغلغل أفقياً بمعنى أسلمة الشعب بالمعنى الأصولي "الإبن تيمي" للكلمة، وبناء الهرم السلفي من قاعدته بدلاً من القفز إلى القمة فوراً.
ويتضح من جملة النتائج التي ذكرناها أنّ هناك أسباباً مبنّدة ضمن خطة منهجية لفسخ المجتمع السوري والتمهيد لتهجير أو حربٍ أهلية على المدى البعيد، ترسمها مجموعة من الخفافيش الماصة لدماء الحداثة والتي لم تعد تخشى شيئاً بعد تهيئتها لقاعدةٍ شعبية فحلقت في سماء بلادي لتقنع السماء بأنها طيور الحرية.
وبعد إبقاء مشروع إلغاء القوانين المتعلقة بجرائم الشرف (548-192) معلقاً بفضل جهود بعض المنافحين عن القتل وبعض الدعاة، ولم أعد أدري في الحقيقة إن كان هناك "بعض" أم "كل"؟ تأتي مسودة مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد "لتسود" وجه سورية وتحاول عرقلة الجهود التي يبذلها الرئيس السوري بشار الأسد والسيدة الأولى التي ترعى مشروع "مسار" الذي ينهض بالطفل ويحاول تحفيز الإبداع الخلاق الذي يعبر عن روح الله الحقيقية.. السلام والمساواة وحرية الإبداع.
وما يؤلمني أنّ أكثر من شخصٍ "قانونيٍ" قد قرأ مسودة المشروع فلم يجد فيه إلا كل خير وتقيّداً بالشريعة وإحياءً للأصالة الإسلامية، وما يؤلمني أكثر أن المشترك بين هؤلاء أنهم ينتمون إلى خلفيةٍ دينيةٍ واحدة، فهل يُقرأ الدستور والقانون بأعين الطائفية أم المواطنة؟ ألا يعمل هذا المشروع على تسويد صورة الإسلام أكثر فأكثر على يد مجموعة من تجار الدين الإسلامويين بما يفوق جهود الأمريكيين والأوروبيين في هذا المضمار؟ ألا يسستهدف حتى المسلمين الإصلاحيين؟
كان مفتي الجمهورية السورية سماحة الشيخ أحمد حسون قد دعا على هامش زيارته للنرويج للمشاركة في ملتقى اتحاد الأديان العالمي بعد لقائه حاخام اليهود في النرويج يوئاف ملكيور، إلى عودة يهود سوريا إلى بلدهم "فلهم بيوتهم وكنيسهم وأملاكهم كلها مفتوحة لهم، وسيكون لهم حقوق مثل أي سوري آخر، نظراً لأن القانون السوري لا يسمح بالطبقية فاليهودي والمسيحي والمسلم والعلماني مواطنون من الدرجة الأولى". i
ورغم اعتراف سماحة المفتي بالعلماني ككائن بشري سوري وطموح الرئيس السوري بشار الأسد للنهوض بهذه البلاد الجريحة، نرى مشروع محاكم التفتيش "الإسلامية" يلوح بمقصلته في وجه الآخر المعرّف بالذمي والغير كتابي والمرتد..ويدعونا جميعاً للرحيل عن هذه البلاد المنكوبة بشعبها، أو استعمال حذاء أتاتورك وأسلحة جنده لفرض قانونٍ مدنيٍ علمانيٍ يخرس تقيؤات المكفّرين.
أما نحن، ومن نحن...؟
نحن لم نعد هنا ولا نستطيع أن نكون هناك، اللا انتماء والنوستالجيا تعذبنا، أيشعر صاحب البيت بغربةٍ في بيته، أيقلع عينيه لكثرة ما يراه ؟
كلما حزمت أمتعتي الروحية مستعداً للسفر الأبدي، أذهب للسير مساءً في شوارع باب توما والشارع المستقيم وضفاف بردى أنظر الحب والحزن في عيون أبناء شعبي فأسمع صوتاً بعيداً عميقاً عالياً يخاطبني من سماء روحي كصوت يسوع في روح بولس:
أتتخلى عن أصدقائك الغرباء، أتهجر الزهرة، والقطرة، والحبيبة..؟! عد إلى ذاتك.. عد إلى بلادك.
لم تكن مشكلة سوريا قط في ذاتها بل في شعبها، ومشكلة السوري أنه حتى لو وصل للشمس محاولاً الهروب من بلاده فإنه يكتشف بعد أن تذيب الشمس جناحيه كما أذابت جناحي إيكاروس أن سوريا كانت دوماً في داخله.
لا أتمنى أن أودع هذه البلاد يوماً.. لكن المدّ الأصولي ومشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، يجبرني على تجميع بقايا إنسانيتي في حقيبة سفر، وسكب دموعي في مجرى بردى علّ الحياة تعود يوماً فينهض السوريون من جديد لتحطيم الأصنام الدينية الجديدة..
لكنّي بعد أن حزمت أمتعتي، استوقفتني لمسة طفلةٍ صغيرةٍ في داخلي.. وبكيت!
i نيوف ، حيان : مفتي سوريا يدعو لعودة اليهود إلى بلاده خلال لقائه حاخاماً يهودياً .www.alarabiya.net . (الخميس - 21 يونيو 2007)
باسيليوس زينو، (وحزمت أمتعتي.. وبكيت.. حول مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد)
خاص: نساء سورية
|