|
الدراما هل تمهد لواقع اجتماعي جديد "الزواج المختلط والزواج المدني في الدراما السورية" |
|
|
|
سوزان المحمود
|
|
2009-06-26 |
لا أدري إن كان يحق لنا أن نتساءل اليوم، هل لايزال الفن يحتفظ بدوره القديم كمحرض على التغيير الاجتماعي؟، وهل الدراما التلفزيونية وهي أكثر الفنون شعبية ً والتصاقاً بالجماهير العريضة في عالمنا العربي اليوم، قادرة على إثارة القضايا الإشكالية المسكوت عنها؟!
و(الدراما السورية) - كمثال متطور في الدراما العربية-، هل تمهد الطريق أمام واقع جديد، أم أنها فقط تجرأت لتعرض قضايا اجتماعية إشكالية في المجتمع السوري كانت حتى الأمس القريب من المسكوت عنه ومن غير المسموح تداوله في وسائل الاعلام الرسمي؟
نلاحظنا أن الدراما السورية تتجرأ يوماً بعد يوم وتنكأ الجرح أمام الرأي العام العربي عامة ً والسوري خاصةً وترمي بين يديه إحدى مشكلاته الكبيرة التي يتناساها غالباً ألا وهي مشكلة (الزواج المختلط) و(الزواج المدني).
ربما كان مجتمعنا السوري يعيش حالة تعايش جميلة وقديمة بين الأديان والطوائف (حالة نتغنى بها كثيراً)، لكن عدداًكبيراً من المواطنين السوريين يحلمون أن يعيشوا حالة التقاطعات الحقيقية، والتي يعتبر الزواج المختلط أحد أهم سماتها وربما من أهم سمات المجتمع المدني والحالة المدنية والحضارية.. إذ لا يكفي أن تعيش هذه المجموعات متوازيةً إلى الأبد (؟؟؟).
هذا ما حاولت الدراما التعبير عنه بصدق وذلك بتقديم مقاربة لهذا المجتمع، من خلال التعبير عن ما يشعر به بعض أفراده، حيث لا تزال تفرق بينهم (عاطفياً)، حواجز دينية وطائفية ومذهبية يحاول البعض تدميرها، ولكن حلولهم لاتزال فردية، إذ ليس هناك من شيء حقيقي يساعدهم على ذلك مثل (القوانين المدنية التي لم يطلها التحديث والتطوير على الرغم من الحاجة الملحة لذلك)، ومع أن التطور رافق بعض مظاهر الحياة الاجتماعية (و كان في الغالب تطوراً سطحياً)، إلا أن التأثير الكبير للموروثات الاجتماعية (السلبية) لا يزال صادماً.
تدرجت الدراما السورية بعرض إشكالية الزواج المختلط (والحب بين الطوائف ولأديان) من ملامسة خجولة في (أحلام كبيرة – كتابة أمل حنا إخراج حاتم علي) إلى مشكلة واقعة بشكل حقيقي وحب جارف وزواج محفوف بالمخاطر كان حله الوحيد الهروب والهجرة في العمل الدرامي (يوم ممطر آخر- كتابة يم مشهدي وإخراج رشا شربتجي) إلى تجربة مؤلمة في العمل الدرامي (ليس سراباً – كتابة فادي قوشجقي إخراج المثنى صبح).
وإذا رصدنا صورة المرأة والرجل في هذه الأعمال لوجدنا أن الحالات اختلفت باختلاف التجارب، ولعل أكثرها جرأةً كان (يوم ممطر آخر) باعتبار أن الرجل كان مسيحي والفتاة مسلمة إذ يتعين عليه حسب الشريعة الاسلامية أن يغير دينه ويعلن اسلامه ليستطيع أن يتزوج من مسلمة ولعل أكثر المشاهد تأثيراً في هذا المسلسل هو مشهد اسلام البطل (ونطقه بالشهادتين) في المحكمة (بينما كانت أصابعه تلمس الصليب تحت كنزته)، وضياعه بعد أن رفضته الكنيسة ولفظه أهله (وهو مرفوض من الطرفين المسيحي والمسلم إذ أصبح فجأة كائن غريب (وفقير) عن الجميع وكان الحل النهائي هو الهجرة خارج سوريا وإلى بلد أمريكي ليستطيع الزوجان العيش بسلام بعيدا عن عقد الذنب ولفظ الأهل والمجتمع.
بينما في (أحلام كبيرة)، وهو من أوائل الأعمال التي تناولت هذه القضية، فتبدأ هزيمة الأحلام الكبيرة منذ أن علم أهل الفتاة المسيحية بحبها للشاب المسلم، وهنا يكون حل الأهل الصارم هو تسفيرها إلى الولايات المتحدة وتزويجها من مسيحي هناك، بينما تنكسر أحلام الشاب المسلم الذي يستسلم للأمر الواقع ويعيش حياة ليست حياته غارقاً في مسؤولياته تجاه أهله وعندما تعود فتاته المسيحية بعد سنوات طويلة من الغياب، وهي مطلقة يكون قد تزوج بأخرى تتسبب رسالتها له بموت الزوجة المحبة والمريضة مخلفة له رضيعة نحلم لها بأن يكون مجتمعها قد تغيرعندما تكبر، وعلى الرغم من أن العلاقة لم تتطور إلى زواج هنا وكانت مجرد قصة حب بريئة، إلا أن تبعاتها كانت قوية وصادمة بما فيه الكفاية،كما يرصد المسلسل تطورات المجتمع والتحولات التي طرأت على العلاقات الإنسانية وكيف فرضت مادية الحياة نفسها في المجتمع وداخل الأسرة السورية الصغيرة.
أما في أحدث الأعمال التي تناولت هذا الموضوع (ليس سراباً) والذي عرض في شهر رمضان يتزوج البطل والبطلة سراً، ومع أن زواج المسلم من المسيحية أمر جائز شرعاً في الاسلام إلا أن العادات والتقاليد وتشدد أهل الفتاة دينياًواجتماعياً سيكون عقبة كبيرة إضافة ً إلى مشكلاتها مع زوجها السابق وخوفها وترددها في إعلان زواجها خوفا من مصادرة حق أمومتها وحضانتها مما يضطرها إلى حسم خياراتها لصالح أمومتها، وربما يمكننا هنا أن نشيد بنص الكاتب فادي قوشجي، لأنه عالج هذه الظاهرة ضمن معطيات المجتمع السوري راصداً التحولات التي تطرأ على العلاقات الإنسانية، وربما من المشاهد المعبرة عن حالة المجتمع السوري هو المشهد الذي يقول فيه (خالد تاجا) والد الفتاة (شو ثبت العيد) لجاره وصديقه المسلم (والد زوج ابنة جلال)، بينما يقول المسلم (السنة عيدنا رح يجي مع عيدكم) يهنئان بعضهما ثم يجلسان كليهما يديران ظهرهما لبعضهما البعض، كما هي الحال في الواقع (أحبك ولكن لا تقترب مني أكثر من اللازم) جيران أزليون تحت سقفٍ واحد ولكن؟؟؟
ويسجل للكاتب هنا عرضه للفكر المتحرر ولصدمة الأب المتنور بعودة ابنه من (بلاد الديمقراطية) متشددا دينياً مما يطرح العديد من التساؤلات حول المشروع التنويري ومسؤليتنا عنه والصعوبات التي تواجه الأفراد المتنورين.
وفق الكاتب فادي قوشقجي في طرح عدة مشكلات حساسة مع بعضها البعض كان من أهمها الزواج المختلط بين الأديان والزواج المدني الذي ذُكِر صراحة لأول مرة في عمل درامي (أثناء مناقشات جلال وميشيل)، تمتع كاتب النص برؤية شاملة، إذ لم يطرح الموضوع بمعزل عن السياق الاجتماعي العام وعن التطورات الاجتماعية والفكرية المعاصرة، بل ربط الخيوط كلها ببعضها البعض،
وسلط الضوء على الراهن الاجتماعي العام،الثقافي والاجتماعي والفكري والسياسي والديني، فطرح اشكالية الزواج المدني كجزء من كل، مشكلة من بين عدة مشكلات اجتماعية تفتح على بعضها البعض.
وفقت هذه الأعمال في رأيي الشخصي إلى حدٍ ما في عرض هذه الإشكالية الاجتماعية والثقافية
(القديمة والحديثة)، التي يتجاهلها معظم رجال القانون تحت تأثيررجال الدين وتتجاهلها الدولة، تحتاج هذه الإشكالية إلى تمهيد حقيقي ومدروس، تقوم الدراما السورية بدورها بفرش هذه الأرضية، فالدراما التلفزيونية بوصفها فناً مرئياً يصل إلى أوسع شريحة من المشاهدين على اختلاف مشاربهم ومستوياتهم الثقافية والاجتماعية تساهم بتشكيل الرأي العام الوطني تجاه مثل هذه الإشكاليات، التي نرى من الضرورة القصوى اليوم وفي بدايات القرن الحادي والعشرين أن نطرحها ضمن إطار التطور العام والشامل للمجتمع السوري والعربي.
سوزان المحمود، (الدراما هل تمهد لواقع اجتماعي جديد "الزواج المختلط والزواج المدني في الدراما السورية")
خاص: نساء سورية
|