|
مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد: اقتراحات للخروج من النفق المظلم! |
|
|
|
الأرشمندريت الأب أنطون مصلح
|
|
2009-06-26 |
|
صفحة 1 من 4 فيما يلي سوف نقدم بعض من كثير من الملاحظات حول المشروع، واقتراحات للخروج من نفقه المظلم، ومن ثم لمحة عن تاريخ المحاكم الروحية، وأخيرا محاولة إجابة على سؤال إن كانت قوانين الأحوال الشخصية تشكل امتيازا ممنوحا للطوائف المسيحية في سورية.
فبتاريخ 7/6/2007 أصدر السيّد رئيس مجلس الوزراء القرار رقم /2437/ القاضي بتشكيل لجنة مهمتها إعداد مشروع قانون أحوال شخصية سوري جديد، وعملت اللجنة بسرية تامة لمدة تصل إلى السنتين، حتى انتهت من إعداده بتاريخ 5/4/2009.
وجاء المشروع ليشمل في أحكامه جميع السوريين على مختلف مشاربهم وانتماءاتهم الطائفية والدينية. واحتوى بين دفتيه على /665/ مادّة، خص منها الطائفة الدرزية بالمادة /619/، والطوائف المسيحية بالمواد /620-655/ والطائفة اليهودية بالمواد /656-665/.
وبمناسبة هذا المشروع بدأ البعض يطرح موضوع تعدد محاكم الأحوال الشخصية وقوانين الأحوال الشخصية في سورية، ويذهب إلى أن في ذلك مخالفة لهذه الشريعة أو تلك، اعتمادا على آراء خاصة، ومن غير عودة إلى التاريخ لتبين أصول نشأتها، وهو ما سنتطرق إليه في القسم الثاني والثالث من هذه الدراسة. فيما سنخصص قسميها الأولين لبعض الملاحظات حول المشروع، ولاقتراح للخروج من نفقه إلى مظلة الدستور.
أولا: مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد
لن أتناول في هذا البحث الملاحظات الكثيرة التي تتعلق بهذا المشروع. حسبي أن أقصر بحثي على المواد التي تتعلق بالمسيحيين (الذميين كما سماهم المشروع في مسودته الأولى)، ألا وهي المواد /620-655/ والمواد /590-625/ من النسخة المعدلة والتي لا تختلف عن المسودة الأولى كثيرا ولا يوجد فيها تعديلات جوهرية سوى استبدال بعض الكلمات بأخرى.
ومن الملفت للنظر في هذا المشروع أن اللجنة (السرية) المكلفة بإعداده قد أعطت لنفسها الحق بأن تشرع ببساطة في عقائد الآخرين، ضاربة عرض الحائط باحترام العقائد وبما نص عليه الدستور السوري.
1- لن أناقش بالتفصيل مواد هذا الباب لأن المبدأ العام هو الخطأ بعينه: فقد تجرأ واضعو المشروع على التشريع ضمن العقائد المسيحية. ذلك أن الزواج المسيحي، وإن استعملت كلمة عقد للتعبير القانوني عنه، إنما هو سرّ. والسرّ في المسيحية ما هو بالشيء الخفي، بل هو عمل الله في الإنسان. وبالتالي فإن الزواج المسيحي هو عمل ديني تنظمه العقائد الدينية، والكنيسة هي المسؤولة الأولى والأخيرة عن ترجمة هذه العقائد بتشريعات قانونية، من منطلق سلطتها الدينية، من جهة، ولأنها الأقدر على فهم كنهها ومقتضياتها، من جهة أخرى.
وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد شرع المشروع الجديد موضوع الطلاق. والطلاق مرفوض في المسيحية، استنادا إلى قول السيّد المسيح: "ما جمعه الله لا يفرقه إنسان". وما شرعته بعض الطوائف المسيحية في موضوع الطلاق، إنما جاء على سبيل الاستثناء، وفي أضيق الحدود، كما لعلة زنى مثلا. أمّا المبدأ العام فهو أن لا طلاق في المسيحية. فيما نجد أن المشروع الجديد قد تجرأ وشرع الطلاق للطوائف المسيحية كمبدأ لحل الزواج وفسخه.
وأسوق مثالا آخر على التطاول على العقيدة المسيحية، ألا وهو تشريع تعدد الزوجات في المسيحية، وبما لا تقبل به العقيدة المسيحية التي تنص على مبدأ الزواج الأحادي، أو الوحدانية في سر الزواج، التي هي من خصائص الزواج المسيحي. فبالعودة إلى نص المادة 607 نجد:
المادة 607
يجوز لكل من الزوجين أن يطلب التطليق بسبب زنى الزوج الآخر، أو زواجه الثاني.
إذن إذا لم يتقدم الزوج الآخر بدعوى التطليق فالزواج الثاني يبقى قائما سواء أكان للزوج أم للزوجة. وهكذا نجد أن التشريع الجديد لم يقر مبدأ تعدد الزوجات للرجل وحسب، بل وأجاز تعدد الأزواج أيضا بالنسبة للمرأة. وهذا أمر مرفوض قطعا في المسيحية.
هذا غيض من فيض. وقد سقت النقاط السابقة على سبيل المثال لا الحصر، لأخلص إلى القول أن مبدأ التشريع في العقائد المسيحية مرفوض بحد ذاته، وأنه مخالف للشريعة الإسلامية: "لكم دينكم ولي دين".
2- التمييز بين الأديان وترجيح دين على آخر:
من مطالعة، وإن كانت سريعة، لنص هذا المشروع (في مسودته الثانية)، نجد أنه يخالف مخالفة صريحة نص الدستور السوري القائل: "المواطنونَ متساوونَ أمامَ القانونِ في الحقوقِ والواجبات": المادةُ 25 الفقرةُ 3 من الدستورِ؛ والمادة 35 الفقرة 1 القائلة: "حرية الاعتقاد مصونة وتحترم الدولة جميع الأديان"؛ والمادة 42: "الحفاظ على الوحدة الوطنية وصيانة أسرار الدولة واجب على كل مواطن".
لنستعرض الأحكام الواردة في مشروع قانون الأحوال الشخصية التي تميز بين السوريين على أساس ديني بشكل ضمني أو صريح:
1- المواد 9 و10 و12 تجعل المحكمة الشرعية مختصة بمسائل الولاية، والوصاية والنيابة الشرعية... مانحة إياها السلطة بشكل مطلق وعام، بدلا عن المحاكم الروحية والمذهبية.
فهل تجوز ولاية المسلم على المسيحي على اعتبار انه لا ولاية على المسلم لغير المسلم. أما كان الأحرى بالمشرع أن يترك الأمر للمحاكم المدنية، عوضا عن أن ينزعها من محكمة طائفية إلى محكمة طائفية أخرى؟
2- المادة 14 نصت على أن أحكام المحكمة الروحية قابلة للطعن أمام غرفة شرعية خاصة في محكمة النقض، يكون أحد أعضائها من غير المسلمين، ويختاره مجلس القضاء الأعلى. وقد جاء ذلك خلافا لأحكام المادة 46 من قانون السلطة القضائية التي حددت رقابة محكمة النقض وحصرتها بـالأحكام الصادرة عن المحاكم الروحية في مواضيع الاختصاص:
أ- مخالفات الأحكام للقانون والأصول.
ج- قابلية الأحكام للتنفيذ.
د- تشكيل المحاكم الروحية.
نجد أن المشروع الجديد قد أعطى لمحكمة النقض أن تكون محكمة موضوع، بما يخالف قانون السلطة القضائية؛ عدا عن أن الزواج المسيحي، كما أشرنا إليه أعلاه، هو زواج ديني يخضع لشرائع وعقائد دينية، وبالتالي لا تعقده إلاّ الكنيسة ولا تحله إلا الكنيسة.
3- المادة 15 جعلت الاختصاص للمحكمة الشرعية في جميع القضايا بما في ذلك النسب والوقف الخيري... مرة أخرى أعطى هذا المشروع للمحكمة الشرعية الولاية العامة على غير المسلمين، وكان حري بالمشرع أن يترك الأمر لمحكمة مدنية.
4- المادة 17 تخالف ما نص عليه قانون الأحوال المدنية لجهة اختصاص محكمة الصلح المدني بتصحيح الأحوال المدنية، وكذلك اختصاص المحاكم الروحية.
5- ميز القانون بين السوريين على أساس ديني في المادة 37 فقرة 3 التي نصت على أنه: "تجوز شهادة الكتابي إذا كانت الزوجة كتابية، حين الضرورة، ولكن لا يثبت الزواج إذا جحده الزوج المسلم، ويثبت إذا جحدته الكتابية". وذلك خلافا لأحكام الدستور ولاسيما المادتين 25 و35 ومنه.
وهكذا نجد أن واضعي هذا المشروع قد جعلوا من الكتابيات (المسيحيات) سبايا لا يستطعن أن يجحدن الزواج وإن كان بادعاء غير صحيح.
6- وفي المادة /87/ لم يكتف مشروع القانون بالتمييز بين السوريين على أساس ديني، بل زاد عليها حالة زواج المرتد أو المرتدة التي لم تكن موجودة في القانون النافذ: 1- زواج المسلمة بغير المسلم باطل. 2- لا ينعقد زواج المسلم بغير المسلمة ما لم تكن كتابية. 3- لا ينعقد زواج المرتد عن الإسلام أو المرتدة ولو كان الطرف الآخر غير مسلم. وفي هذا ما يتعارض مع المادة 35 من الدستور، ومع كافة المواثيق والمعاهدات الدولية التي وقعت عليها سوريا.
7- ويعود مشروع القانون للتمييز بين السوريين على أساس ديني في المادة 307 التي نصت:"1-ابن المسلم يكون مسلما. 2- ابن غير المسلمين يكون على دين أبيه. 3- إذا أسلم الزوجان معا كان القاصر من أولادهما مسلما، سواء أكان مولودا بعد الإسلام أم قبله. 4-إذا اسلم أحد الزوجين كان دين الصغير هو الإسلام، على أن يبقى له حق اختيار الدين عند بلوغه سن الرشد خلال شهر من بلوغه، شريطة أن لا يكون قد صدر عنه ما يدل على إسلامه قولا أو فعلا. 5-لا يطبق حق اختيار الدين على الصغير الذي ولد بعد إسلام أبيه. وذلك خلافا لأحكام المادة 129 من كتاب قدري باشا المنصوص عليه في قانون الأحوال الشخصية السوري النافذ، التي نصت حرفيا على أنه: ((إذا أسلم أحد الزوجين وكان بينهما ولد صغير أو ولد لهما قبل عرض الإسلام على الآخر أو بعده يتبع من أسلم منهما إن كان الولد مقيما في دار الإسلام سواء كان من أسلم من أبويه مقيما بها أو في غيرها، فإن لم يكن الولد مقيما بدار الإسلام فلا يتبع من أسلم من أبويه)). ومعروف أن مفهوم دار الحرب، ودار الإسلام قد سقط نهائيا على يد كمال أتاتورك عندما أنهى الخلافة العثمانية.
8- المادة 154 (لا نفقة مع اختلاف الدين إلا للأصول والفروع) تتناقض مع المادة 546 التي تمنع الإرث مع اختلاف الدين. فكيف يلزم بالنفقة إذا كان ممنوعا من الإرث.
9- المادّة /253/ فقرة 2 "تثبت الولادة وتعيين المولود بشهادة الواحد العدل المسلم ذكرا كان أم أنثى." ولكن في حال كانت العائلة مسيحية، أو كانت المحلة ذات أغلبية مسيحية، فهل تحتاج أن تبحث عن شخص مسلم كي تثبت الولادة؟ وهل شهادة المسيحي لا يعتد بها لإثبات ولادة المسيحي أو المسلم؟
10- المادة 268 الفقرة "ج" (ضرورة اتحاد الدين بين الرجل الحاضن والمحضون) أي أنه إذا أسلمت الزوجة أتبع الأولاد حسب المشروع إلى دين الأم (الإسلام) ويحرم الوالد بالتالي من حضانة أولاده والولاية على النفس حسب المادة 338 في حين أنه ملزم بالإنفاق عليه.
11- وأما المادتان 276 - 277 فقد نزعتا حضانة الأم غير المسلمة للطفل عندما يبلغ أربع سنوات من عمره. فهل يعقل نزع هذا الطفل من حضن أمه فقط لأنها مسيحية؟ أم أن المسيحية ليست أما ولا تتمتع بمشاعر الأمومة؟
12- التمييز في العدة على ما نصت عليه المادة 594: (لا يجوز العقد على من انتهى زواجها إلا: أ- بوضع الحمل المستبين. ب- بعد سنة لغير الحامل من تاريخ انتهاء التطليق أو وفاة الزوج). بينما نصت المادة 231 من نفس مشروع القانون على أن عدة المرأة المسلمة للمتوفى عنها زوجها إن لم تكن حاملا بمضي أربعة أشهر قمرية وعشرة أيام من يوم وفاته، وثلاثة أشهر للمرأة المطلقة..!). فإضافة إلى فرض مفهوم العدة غير الموجود في التشريع المسيحي، لم يكتف المشرع بهذا التمييز، بل وقع بالتناقض مع المادة 623 التي تنص على: "مدة العدة سنة من تاريخ الفراق ولو وضعت الزوجة حملها".
13- تفضيل المسلم على غيره في المادة 261 التي اعتبرت الطفل المهمل مسلما إذا وجد وليدا مجهول الأبوين. وما هو مصير من وجد في منطقة مسيحية هل يعتبر مسلما أيضا؟؟؟ أو وجد معه ما يدل على دين أبويه كصليب أو ورقة تحمل اسمه أو...؟؟؟ وهذا يناقض ما ورد في قانون الأحوال المدنية.
وراجع أيضا من هو الطفل المهمل بحسب المادة 257
14- المادة /361/ "على الوصي أن يودع باسم القاصر في خزانة الدولة أو في مصرف إسلامي.." وهل باقي المصارف لا تتوافق مع قانون الدولة أو النظام المصرفي في سورية لكي يجبر الوصي المسيحي على وضع أموال القاصر في المصارف الإسلامية؟ هذا لا يعني أنني ضد المصارف الإسلامية ولكن للدلالة على ذهنية من وضع القانون من جهة، وللدلالة على المشروع الأكبر الذي يرمي له واضعو المشروع، من جهة أخرى.
هل يمكنُ أن يكونَ هذا حقيقة؟ هل يمكنُ أن يكونَ هناكَ تناقضٌ ما بينَ نصِّ الدستورِ وروحِ الدستورِ من جهة، ومشروع القانون الجديد؟.
وكيفَ يمكنُ تفسيرُ هذا الأمرِ على الصعيدِ القانوني؟
لهذه الأسباب ولغيرها فإننا نرفض مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد جملة وتفصيلا وإن كان لا بد من قانون أحوال شخصية موحد لكافة السوريين فإننا نقترح الآتي:
|