|
مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد: اقتراحات للخروج من النفق المظلم! |
|
|
|
الأرشمندريت الأب أنطون مصلح
|
|
2009-06-26 |
|
صفحة 4 من 4
رابعا: هل تمثل قوانين الأحوال الشخصية امتيازا ممنوحا للطوائف المسيحية في سورية؟؟
سنرى فيما يلي أن الجواب هو: لا.
ففي كتابه "الأوضاع القانونية للنصارى واليهود في الديار الإسلامية"، والذي اعتمدته جامعة Paris- Nord لمناقشته كرسالة دكتوراه دولة في القانون، والصادر عن دار الفكر الحديث للطباعة والنشر في بيروت، يلاحظ الدكتور حسن الزين، على الصفحة 127 منه، أن ((القانون الخاص بكل طائفة كان يطبق في النزاعات التي تنشأ بين أتباعها في عهدي الرسول الكريم والخلفاء الراشدين، وذلك عبر أحكام التوراة والإنجيل، دون إخضاع أهل الذمة لأحكام القرآن الكريم حتى في الحالات التي يدعى القاضي المسلم فيها لفض النزاعات القائمة بينهم)). وهذا القانون يشمل أمور الزواج والإرث والمسائل الجزائية والمسائل المدنية.
وقد ظلت سلطة القانون الطائفي مطلقة بالنسبة لهذه النزاعات ولم تتعرض للتقلص الواضح سوى في بداية العصر الأموي، حسب ما لاحظه الباحث في كتابات مؤرخي ذلك العصر، حيث نشأت مبدئيا صلاحية القانون والقضاء الإسلاميين، وانحصرت في حالات ثلاث هي:
أولا - حالة اختلاف أديان المتنازعين: حيث كان القاضي المسلم يفصل في النزاعات التي تنشأ بين أهل الكتاب والمسلمين من جهة والكتابيين من أتباع ديانات مختلفة من جهة أخرى، في جميع مسائل القانونين المدني والجزائي، ويطبق أحكام الشرع الإسلامي على النزاع القائم.
ثانيا - حالة ارتكاب إحدى الجرائم التي تتعلق بالنظام العام كالقتل تحديدا.
ثالثا - لجوء أطراف النزاع بملء اختيارهم إلى القاضي المسلم للبت بدعاواهم وقبول القاضي بذلك.
لقد أقر الفقهاء المسلمون مبدأ عدم التدخل في شؤون أهل الكتاب. فالقاعدة حسب رأيهم هي "تركهم وما يدينون"، وهم حسب رأي أبي حنيفة "مقرون على أحكامهم لا يُعترض عليهم فيها إلاّ أن يرضوا بأحكامنا أي أن يترافعوا إلينا". فإذا ترافعوا إلى المسلمين حملوا على أحكام الإسلام، وهكذا يطبق عليهم القانون الإسلامي حكما عندما يتعرضون لأحكامه اختيارا. ويلاحظ أن رأي أبي حنيفة يخالف تماما ما اتبعه الرسول الكريم في حالة لجوء الأطراف إليه لفض نزاعهم، والمشار إليه سابقا، أو ما سار عليه الخلفاء الراشدون من بعده. ويروى أن الإمام علي بن أبي طالب، الخليفة الراشدي الرابع، كتب إلى محمد بن أبي بكر في موضوع مسلم تعاطى الزنا مع نصرانية، طالبا أن يطبق الحد على المسلم، وأن ترسل المرأة الزانية إلى سلطات طائفتها الدينية لمحاكمتها.
أما مصادر نظام الاستقلال القضائي الخاص بأهل الذمة:
فيقول الباحث في الصفحة 172 من كتابه: يستمد هذا النظام شرعيته من القرآن الكريم ومن السنة الشريفة. وبالإضافة إلى ذلك نجد في خطابات تنصيب الرؤساء الدينيين من أهل الكتاب وفي آراء الفقهاء ما يشير صراحة إلى هذا الموضوع.
آ- القرآن الكريم والسنة الشريفة:
فالقرآن الكريم يقرّ مبدأ استقلالية النظام القضائي الخاص بأهل الذمة. ونجد تأكيدا لذلك في النصين التاليين: ((فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم)) (سورة المائدة 42) ((وكيف يحكّمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله)) (سورة المائدة 43)). ومن أجل تقييم تفاصيل تطبيق هذه الأحكام القرآنية لابد من دراسة سيرة الرسول الكريم الذي اضطر لفصل بعض نزاعات أهل الذمة في أكثر من مناسبة. وهناك روايتان استشهد بهما الباحث الدكتور حسن الزين في كتابه، أوردهما على الصفحة 172 نقلا عن البخاري في صحيحه وعن ابن قيم الجوزية في كتابه "أحكام أهل الذمة".
ويقول الباحث: تظهر هاتان الروايتان أن الرسول الكريم قد طبق أحكام القرآن الكريم التي تقضي باعتماد شرائعهم. وحتى عندما جاءه بعض أهل الذمة طالبين إليه الحكم في بعض قضاياهم الطارئة، فقد حكم بينهم وطبّق أحكامهم المذهبية الخاصة. ومهما يكن فإن عقد الذمة بالذات يمنع أن تُفرض على أهل الذمة أحكامٌ تخالف معتقدهم.
وقد سار خلفاء الرسول وفقهاء عصرهم على هذا النهج متبعين هذا المثال في خضوع تام للمبدأِ الذي أقيم في هذا المجال.
ب – آراء الفقهاء حول الاستقلالية القضائية الممنوحة لأهل الكتاب.
وإذا كانت أحكام القرآن الكريم والحديث الشريف قد طرحت المبادئ الخاصة بهذا الاستقلال القضائي، فان الفقهاء قد ساهموا فيما بعد، عبر تفسير النصوص وإعمال الفكر وتقديم الآراء، في رسم أسس النظام القضائي المستقل الذي تمتع به أهل الذمة عبر أجيال من الزمن.
من بين المبادئ التي استخلصها الفقه والاجتهاد الإسلامي في هذا المجال، مبدآن يبدوان الأشد تعبيرا عن متانة وقوة الاستقلال القضائي المشار إليه، إذ إنهما يساهمان في أن يرسما من الأسس المتينة، ما يكفي لإعطائه المناعة والقوة، اللازمتين لمنع كل تدخل غير مشروع، وهما:
1- مبدأ عدم التدخل في شؤون أهل الكتاب حتى ولو كانت الأعمال التي تجيزها شرائعهم تعتبر غير مشروعة في نظر القانون الإسلامي.
2- ومبدأ احترام عقائدهم وهذا المبدأ يمنع أن تفرض على أهل الكتاب قواعد وأحكام تخالف ما تقره شريعتهم وعقيدتهم، انطلاقا من قوانينهم الخاصة وهذا المبدأ يعبر عنه أشد التعبير الحديث الشريف الداعي إلى" تركهم وما يدينون".
يتبين مما سبق أن العمل بقوانين أحوال شخصية للطوائف غير المسلمة هو تطبيق لمبادئ القرآن الكريم والسنة الشريفة وسيرة الرسول والخلفاء الراشدين والفقه والاجتهاد الإسلاميين.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل علينا، بعدما تطورت الأحوال وأصبحنا نعيش في الدولة المدنية الحديثة، أن نبقى كما كنا، أم أننا نستطيع أن نطور القوانين والأنظمة، على غرار ما حصل بالنسبة للقوانين المدنية والجزائية؟..
الأرشمندريت الأب أنطون مصلح، (مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد: اقتراحات للخروج من النفق المظلم!)
خاص: نساء سورية
|