|
المحامي علم الدين عبد اللطيف
|
|
2009-07-01 |
كنت سأرد بتعليق على التعليق، لكني ترددت.. فالموضوع يحتاج إلى أكثر من ذلك ربما، أقول ابتداءً إن مسألة اصطياد الكلمات تستعمل عادة كوسيلة لإحراج الخصم في مساجلة تفترض وجود طرفي نقيض- وغالباً ما نستخدمها كمحامين في المرافعات التي تتطلب البحث عن كلمة أو جملة تدين الخصم، أو تنال من موقفه على الأقل-
أما في الحالة التي أنا بصددها الآن، فإني أفترض أني كنت مع السيدة الرائعة رهادة عبدوش على ذات الموجة، وهو شرف لي بالمناسبة، فهي ترقى إلى مستوى المناضلات، لا أقول هذا مجاملة، فأنا متابع لكل ما تكتب، أو تقول في مقابلات تلفزيونية، وليس هي فقط بل سوسن زكزك وردينة حيدر وأمل يونس ودعد موسى ونضال الخضري وغيرهن، وكان لي شرف الإسهام في حملة أوقفوا جرام الشرف التي قادها مرصد نساء سورية، بندوات ومقالات.. وفي التلفزيون.
حين شاهدت الندوة التلفزيونية التي كانت السيدة رهادة ترد فيها على محاورها، تذكرت جملة كتبتها ووضعتها على مكتبي تحت لوح الزجاج (لا تستطيع أن تحاور شخصاً له بطن وليس له أذن).. وتذكرت حالتي أيضاً في مقابلة تلفزيونية مع شخص آخر، مضطلعاً بذات المهمة، اذكر الآن أني لم أكن في تلك المقابلة كما أشتهي، أو كما يجب أن أكون، وأن هناك الكثير مما كان يجب قوله ولم أقله، بسب رهبة الكاميرا كما علق أحدهم على مقالي الأخير، أو بسبب عدم جدوى الإسهاب في الحديث أمام من لا يريد أن يسمع، أو بسب طبيعة الندوات المتلفزة، التي عادة ما تتم فيها مقاطعة الحديث قبل إكمال الفكرة، أو محاولة تدعيمها، لكني أقول الآن وبصدق، لو أتيح لي الآن أن تجمعني مقابلة تلفزيونية مثل تلك، ومع شخص كذاك، فلن أكون كما كنت أنا أولاً، ولا كرهادة، احترام أمثال هؤلاء غلط، نعم.. من يتعمد استغبائي لا يستحق احترامي، شرط احترام الآخر.. والرأي الآخر والاستماع له، ليس مطلوباً هنا، وليس المقصود فقط تعمد الاستغباء للظهور بمظهر المنتصر في سجال، بل المسألة تتعلق باستهداف إنساني بكل معنى الكلمة، تقصّد إلغاء، دفاع عن فكرة القتل ذاتها، وليس مجرد إقصاء أو تهميش، ما معنى أن يثور شخص، ويرغي ويزبد، عندما تطرح أمامه فكرة استبعاد مسألة قتل إنسان؟.. بغض النظر عن الحيثيات، وهل ذلك مطابق للشرع والقانون أم لا، فكرة إعدام المجرمين ، الذين ثبت إجرامهم بحق المجتمع والإنسانية.. ومن قبل السلطات صاحبة الحق بإيقاع العقاب، أصبحت محل نقاش في الكثير من بلدان العالم الآن، فكيف نسوغ إعدام شخص من قبلنا ونكون نحن الخصم والقاضي والجلاد في الوقت ذاته؟..
أسأل ويسأل الكثيرون مثلي الآن، إلى أين سيصل هؤلاء بنا؟.. هل نسكت أمام اعتدادهم بقراءة منقوصة أو مشوهة أو مجتزأة للنص؟.. هل سيشرع أحدهم سيفه، أو سكينه.. ويطعن بها هولندي في بلده لأنه كافر بنظره استناداً لقراءته المجتزأة للآية (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق..)؟.. ويحاول أن يقنعنا.. أو يكرهنا على الاقتناع بأن العالم كله – ما عداهم- كافر، وأن هذه الآية نزلت لتطبق في هذه الأزمان، وليس لملاقاة مشركي قريش في موقعة بدر، نعم يعلنون كفر العالم، هكذا بكل بساطة، يكرسونه في الكتب، حتى الأكاديمية منها، ولنا من نصوص وشروح واضعي قانون الأحوال الشخصية أمثلة كثير، وضعت ليقرأها المسلم والمسيحي وغيرهم، وتدرس في كلية الحقوق بالذات وليس في كلية الشريعة مثلاً، (الكفر يكون بالقول وبالفعل.. بالقول كأن يقول هو – أي البعيد- كذا.. وبالفعل كأن يلبس لباسهم ..كذا ).. وهو.. أي شارح القانون، علم من أعلام الفقه، ومنذ مدة ليست بعيدة شاهدت أحدهم على التلفزيون، بلحية ذات شطلين (ذؤابتين)..، يتكلم عن كيفية التعرف على الكافر، فيقول يجب أن تعرف الكافر من تركه للصلاة، فإذا كان جارك تاركاً للصلاة، فاعلم بأنه كافر، لا يجوز الاتصال به، أو مجالسته ، أو مناسبته أو مصاهرته، أو الأكل معه، ويستطرد هذا النحرير ليعلن (حتى لو بادرته بالقتال فلست ملوماً لأنه البادئ بكفره).. نعم هكذا، هل يجب أن نستغرب إذا طالب هؤلاء اليوم بتحطيم آثار تدمر ومعابدها كما فعلت طالبان في أفغانستان؟.
أعود إلى مقالتي التي استوجبت ذلك التعليق (هل لو قالت ما يجب أن يقال.. تكون غير مهذبة..).. أولاً أعيذها نظرات ثاقبة من رهادة أن تظن بأني أفكر بهذه الطريقة، فهي مهذبة في كل الأحوال، حتى لو قابلت أمثاله بالصراخ، ولا أقول أكثر من ذلك، لكن التهذيب الذي أعنيه في مقالتي، هو السكوت في موقف لا يتطلب المهادنة إطلاقاٌ، لم يكن يستهين بها فقط، بل بنا جميعاً، رجالاً ونساءً، وأصحاب فكر وعقل، حتى وصل إلى الاستهانة برجال فكر متنورين فعلاً كالدكتور حبش وغيره، ولم يتذكر حتى مواقف مفتي سورية، التي تنم عن فهم عميق لمقاصد الشريعة، والدعوة علناً للعمل بما يتوافق مع مقاصد الشريعة، وليس العمل بما يوحيه الفهم السقيم للنصوص.
أؤكد بأني لم أتقصد أن أكون أستاذا أعلمها ما لم تعلم، فهي تعرف أكثر مني ربما، خاصة في هذه المسائل، لكنها في أبسط تعبير نوع من فشة خلق، تجاه من كنت أتمنى أن تفش خلقها به، وأكرر أنني لو كنت في موقفها ذاك، لما كنت بأفضل حال منها، لذلك تكون مسألة تصيّد العبارات غير واردة وغير لازمة، ونحن نواجه ذات الوضع معاً وهو شرف ندعيه، وتهمة لا ننكرها.
تحياتي للرائعة رهادة وزميلاتها في موقع نساء سورية، وكل حاملات قضية المرأة في العالم.
المحامي علم الدين عبد اللطيف، زاوية "قمر وبحر"، (نحن على موجة واحدة)
خاص: نساء سورية
|