|
تونس ومجلة الأحوال الشخصية |
|
|
|
الناصر خشيني
|
|
2009-08-13 |
بعد أسابيع قليلة من استقلال تونس في20 مارس1956 صدريوم 13 أوت 1956 القانون المنظم للحياة الأسرية تحت عنوان مجلة الأحوال الشخصية ومنذ ذلك التاريخ وتونس تحتفل به كيوم وطني لتحرير المرأة وهي أول دولة عربية وإسلامية تتخذ مثل هذا الإجراء الثوري الذي حرر شريحة هامة من شرائح المجتمع ألا وهي المرأة تلك ا لتي نكن لها كل التقدير والمحبة باعتبارها أما وأختا وزوجة وابنة فهي إنسان كامل الإنسانية فلماذا تبقى تعيش على هامش المجتمع ونلغي لها كل دور تبعا للمنظومة الفقهية التقليدية التي ظهرت في ظروف تاريخية معينة وعادات وتقاليد بالية لا تستجيب لتطلعات العصر وتحدياته بالنسبة لأمتنا التي تحتاج اليوم إلى كل الكفاءات والقدرات فيها لمواصلة مسيرة الحياة دون تعثرعلما وأن الذي كبل المرأة العربية والمسلمة قرونا عديدة هي المنظومة الفقهية التقليدية والعادات والتقاليد البالية خلافا لأحكام الشريعة
الإسلامية السمحة التي تقرر أن المرأة مساوية للرجل في الإعتبار الإنساني وفي الحقوق والواجبات والتقاضي وحق الحياة الحرة الكريمة دون تعسف أو ضغط من أي كان وكذلك ضمنت لهاحق الملكية وحق الإرث فكلها حقوق مضمونة للمرأة في شريعتنا الإسلامية لا فرق بين الرجل والمرأة.
بقي أن هناك بعض العناصر لا بد من توضيحها في خصوص تعدد الزوجات في الشريعة الإسلامية ومنع ذلك في القانون التونسي فهل يعتبر مثل هذا القانون مخالفا لأحكام الشريعة الإسلامية؟
قطعا الجواب سيكون بلا وذلك أن الإسلام لم يفرض التعدد بقوله تعالى وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أوما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا) 3النساء
و في آية أخرى يقول تعالى ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم 129 النساء
فمن مجموع هذه الآيات يتبين لنا موقف القرآن واضحا لا لبس فيه فإنه لم يفرض التعدد فرضا ملزما وإلا لوجب أيضا الإبقاء على الرق لأن الآية الأولى تشير إليه وهو أمر غير مقبول اليوم وإنما سمح به الإسلام في ظروف تاريخية معينة وحاجة المسلمين لزيادة النسل وإن كان الموقف الذي يميل إليه القرآن هو الإكتفاء بواحدة حسب منطوق النص بحيث لا يسمح بالتعدد إلا بشرط العدل الذي لا يمكن تحقيقه باستعماله صيغة لن التي تفيد المستقبل أما بخصوص سيرة الرسول عليه السلام فإنه كإنسان عادي اكتفى بالزواج من امرأة واحدة هي السيدة خديجة رضي الله عنها أما بقية الزوجات فقد تزوجهن لإعتبارات أخرى تتعلق بظروف الدعوة والمواجهة المفتوحة بينه وبين أعداء الإسلام وقتها.
فالقانون التونسي عندمايشرع للزواج من امرأة واحدة فإنه لم يخرج عن قواعد الشرع الإسلامي بل التزم بمنطوق النص القرآني ومقصده المتمثل في حفظ كرامة الإنسان ومسايرة الفطرة الإنسانية التي جبلت على الإكتفاء بوحدانية التزاوج وكذلك منع إهانة الإنسان خاصة وأن السماح بالتعدد كان في ظل ظروف قاسية تمتهن فيها كرامة المرأة في العصر الجاهلي فكون المرأة زوجة ثانية او ثالثة أو رابعة أفضل لها من أن تعامل معاملة مهينة ومذلة لكرامتها.
أما في خصوص الطلاق فالقانون التونسي يسمح للمرأة بحق إنشاء الطلاق إذا استحالت الحياة مع شريكها الرجل على أن يكون الأمر في كل الحالات لدى المحكمة وهذا أيضا لا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية إذ يقول تعالى فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) 220 البقرة
فإذا كان القرآن يمنحها هذا الحق فلماذا نحرمها منه وعندما يكون الطلاق لدى المحكمة فتضمن للمرأة حقوقها كالنفقة والحضانة والسكن بحيث لا يمكن للزوج أن يتعسف عليها أو يخرجها من بيت الزوجية أو يرسل لها ورقة الطلاق مع قفة المصروف كما كان يحصل سابقا لذا عندما يكون الطلاق بيد المحكمة أي عن طريق القضاء المحايد الذي يراعي ظروف الأسرة ولا يوقع الطلاق بمجردالرغبة بل بعد محاولات للصلح بين الزوجين وهذا الأمر وارد في أحكام القرآن وهو الوحي السماوي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أبدا أما المنظومة الفقهية فإنها مجرد إجتهاد بشري محكوم بظروف تاريخية وأوضاع معينة فإن مخالفتها لا تعد تجاوزا للشريعة بل الأصوب أن نجتهد من جديد وفق متطلبات عصرنا بما لا يخرجنا عن ثوابت الدين لذا لا بد من التفريق بين الشريعة وهي أحكام إلاهية لايحق لأي كان مخالفتها وبين المنظومة الفقهية وهي اجتهادات بشرية خاضعة للخطإ والصواب وتراعي ظروف الزمان والمكان الذي صيغت فيه لذا فمخالفتها يدخل ضمن الإجتهاد المأجور أصلا.
كما أن الطلاق يقتضي إيقاعه ضمن ظروف عائلية مستقرة أي لا يكون تحت تأثير النزوة والشهوة والغضب لذلك يقول الرسول عليه السلام لآبن عمر عندما طلق زوجته في طهر مسها فيه لقدأخطأت السنة ما هكذا أمرك ربك ثم أمره بمراجعة زوجته.
فهذا الإستقرار في نطاق الأسرة والتفكير مليا وبشكل جدي هو المعبر عنه بالطلاق السني الذي لا يكون في ظروف نفسية أو عصبية أو مزاجية غير طبيعية للمرأة أو الرجل على حد سواء وهو الأمر الذي يدعو إليه القانون التونسي في إيقاع الطلاق بيد المحكمة.
الناصر خشيني، (تونس ومجلة الأحوال الشخصية)
اتحاد المدونين العرب، (8/2009)
|