|
نسرين حبيب
|
|
2009-08-23 |
عاشت في منزل عادي تحيط به بيوت عشوائية بكل ما فيها، في حي شعبي ومنطقة عادية من دمشق، وفي كنف عائلة عادية تحرص على التربية التقليدية والكسب القليل مع حرص مكثف على التعلم والحصول على شهادات عالية انطلاقا من إيمان مطلق بقدرة العلم، والعلم فقط، على إلقاء الضوء على العاديين والمتعبين في عالم مادي بحت.
تزوجت كل أخواتها زيجات عادية من أزواج عاديين ككل الموجودين من حولهن وبدون أي تميز وأنجبن الكثير من الأطفال.
درست كثيرا، واختارت فرعا جامعيا مميزا. وتفوقت فيه بشكل غير عادي. لكن "العادية" بقيت مصرة على تلوين كل تفاصيل حياتها بألوان مملة وتقليدية، ومنها خرجت فتاتنا بعقل استثنائي يحمل أفكارا ورؤى لا تعرف معنى العادية أبدا، لكنها لم تعرف نور الشمس أبدا. فقد اتفقت في البداية مع كل ما يدور في رأسها من أفكار على الصمت والسكون، جمدتها في عقلها وروحها، منعت عنها أي ضوء أو هواء أو نقاش..! فكم كانت تخاف أفكارها ورؤاها! من إطلاق سراحها أو هروب بعضها كما كان يحدث في أحيان نادرة. كانت تعلم أن كل فكرة هي ثورة وتغيير يصعب حتى التفكير فيه أو تخيله واقعا بديلا لهذا الواقع الذي كانت تعيشه، لشدة روعتها وجاذبيتها وبديهيتها في الوقت نفسه!
فأن تحلم بأنها شخصية مستقلة قادرة على التفكير بحرية والتعبير بحرية، لها الحق أن تقرر وتناقش وتعارض، أن تختار الأمكنة والأزمنة التي تريد أن تتواجد فيها، أن تختار أشخاصا يشبهونها، أن ترسم لوحة حياتها بيديها من دون أية أياد دخيلة، أليس كل هذا بديهي؟ أليس هذا حق كل من تطلق عليه صفة إنسان يعيش على الأرض؟ أليس من المخجل والمحبط جدا أن يصبح كل ما هو حق أساسي وبديهي، ومنطق غير قابل للنقاش.. هو الحلم الأكبر والأوحد؟! أن تصرف كل طاقات بناء الأحلام وكل الإبداع والقدرات الخلاقة على أفكار كانت يجب أن تكون واقعا يوميا ودافعا قويا لأهداف وإنجازات مميزة؟!
كانت تشعر ببرودة وانعدام بالأمان كلما فكرت بتعريفها الحالي في مجتمعها، هذا المجتمع الذي يساهم ويدعم بقوانينه أن يسلب منها كل ما كان يجب أن يكون لها! بل أكثر من ذلك أن تسلب منها حياتها، وأن يسمي هذا الفعل "دفاعا عن الشرف" في بعض الأحيان! كل هذا وأكثر كان يدور في رأس فتاتنا في كل لحظة مع محاولاتها الكثيرة للهروب من مواجهتها وإعلانها كي تبقى قادرة على الانسجام مع العالم الغريب من حولها، ولكن عبثا أن يستطيع أي شخص لامس الحرية لمرة واحدة ولو كانت في الأحلام، أن ينسى طعمها ويعود إلى قيود كثيرة ليس لها إلا أن تنزله إلى الحضيض.
تخرج فتاتنا كل يوم إلى عملها الذي حاولت دائما أن تطبق فيه بعضا من شخصيتها الحقيقية الدفينة، بالكثير من الفشل وبعض النجاحات. لم تكن تجد في البيئات التي تظهر بشكل عام تحررا أكبر اختلافا كبيرا عن تلك العادية والاستسلام اللذان كانت تجدهما في حيها ومنزلها، ولكن ربما ببعض الزخارف والإضاءات المتقنة.
أحيانا كانت تلتقي ببعض العقول الحرة فعلا، وتجد نفسها أمامهم في مراحل مبكرة وغير منافسة، كانت تناقش معهم حلمها الخاص بدون الاعتراف بأنه حلم، فهم أكثر إيمانا منها بأن طرح مثل هذه الحقوق على أنها سراب أو أوهام وخيالات هو الرديف غير المباشر لرفضها ونكرانها، وكم كانت تزيد هذه النقاشات من جمال الصورة التي بدأت تترسخ وتتوضح أكثر وأكثر مع مرور الأيام، حتى بدأ يسري في شخصها السجين نبض جميل له إيقاع بسيط وساحر يطرب روحها الوليدة. وكان هذا النبض يزداد يوما بعد يوم كلما اتخذت فتاتنا موقفا صريحا يعبر عن ذاتها، وتصرفت وفقا لقناعاتها التي كانت جاهزة دائما للانطلاق ولا تحتاج إلا لنافذة صغيرة كي تخرج منها إلى الحياة.
لم تستوعب فتاتنا في البداية جمال هذا الإحساس الذي كان يمر في كل خلية من جسدها تاركا وراءه ينابيع من الطاقة، وكانت تقول في آخر كل ليل يأتي بعد نهار عرف بعض الحرية بصوت يخرج عن الصمت بعد سنوات قاسية: "ما أجمل الحرية..."، وتبكي. كانت نادمة على ربع قرن أو أكثر من الصمت والعبودية والعادية غير المبررة.
قررت فتاتنا أن تفتح الباب أكثر لشخصيتها الحرة، فبدأت أفكارها ونقاشاتها بالتسرب أكثر وأكثر مع ملاحظتها الكاملة لعدم إعارتها أي انتباه وعدم التعاطي بجدية مع ما كانت تقول، خاصة من قبل أهل منزلها! ولكنها كانت مقتنعة تماما بأنها تؤدي رسالتها ولو على نطاق ضيق، وأنها تبني أساسا متينا بشكل بطيء وحذر ومن دون ضجة قد تقلب الوضع ضدها إذا جاءت في توقيت غير مناسب كما حدث معها فعلا في مرات لاحقة، حيث بدأت ملامح الامتعاض تظهر بشكل واضح على من حولها من أحاديثها الدائمة عن حقوق المرأة وقدراتها، عن ظلم المجتمع الضعيف للمرأة وخوفه من قوتها وطاقاتها، المساواة، رفض العادات البالية والتقاليد والتأكيد على كل ما يخص الحرية.
كانت تتعرض لصفعات معنوية قوية تعيدها أحيانا بإكراه إلى عالم عادي جدا، بل إلى الموت. فالعادية بالنسبة لها كانت مرادفا لطيفا لكلمة الموت. تجد نفسها عبدة مقيدة بإحكام في سجن لا قضبان له، وسجانيها عبيد أكثر منها! ثم تعود لترى نفسها حرة قادرة على التعبير لها الحق باتخاذ المواقف وإبداء الآراء التي تقتنع بها، يضيء الأمل طريقا كانت ظلمته حتمية غير قابلة للنقاش.
لم تستطع فتاتنا أن تنسجم مع صورة العبودية والفرض المطلق وحاربتها بجرأة في بعض الأحيان وبصمت ثقيل وتمثيل مقنع بالرضا في أحيان أخرىز، وكانت النتيجة أن فتاتنا تعيش الآن بشخصيتين منفصلتين تماما، تبحث عن الحلول، تحزن، تيئس، تفرح، تنتصر، ترفض، وتعلم أنها ستنفجر يوما ما إن بقيت بين هاتين الحقيقتين.
تعبت كثيرا.. وأدركت أن وقت القرار قد حل. وماذا تنتظر؟ وهل ستنتظر طويلا؟ لا لقد وعدت ذاتها بالحرية مهما كلفها ذلك، وعليها أن تقرر مصيرها الآن، فلا وجود للحلول الوسطى بين الحرية والعبودية، بين الموت والحياة.. وهي تعلم كل العلم أنها لن تستطيع العيش مع هذه الازدواجية. فقد حان الوقت لتقرر..
نسرين حبيب، (آن الأوان كي تقرري!)
خاص: نساء سورية
|