|
الجَلد.. أثمن هدية للمرأة العربية..! |
|
|
|
إيمان أحمد ونوس
|
|
2009-10-21 |
يفترض التطور الزمني والإنساني تطوراً حركياً وتفاعلياً يدفع بالمجتمعات إلى الأمام. وهذا بالتالي يفترض تطوير القوانين الناظمة للحياة الإنسانية من الناحية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقانونية وما إلى هنالك من جوانب تستدعي قوانين ونظماً تحكمها بهدف الارتقاء بالإنسان أولاً، وتالياً بالمجتمع ليكون على درجة من الرقي والتطور بما يخدم هذه الأهداف.
لكن إذا نظرنا إلى ما يجري في العالم العربي من خروق غير مسبوقة لحرية الإنسان وحقوقه، لاسيما المرأة، نُصاب بالخذلان وخيبة الأمل من تراجع وتدهور حقيقي لوضع المرأة والتعامل القانوني معها. فبعض قوانين هذه الدول تعود القهقرى انتقاماً حاقداً على المرأة وعلى بعض النظم والقوانين العلمانية التي سادت تلك البلدان بعد صعود حركات التحرر العربية في منتصف القرن الماضي.
ففي سابقة غير معهودة في مصر طالب المحامي نبيه الوحش مؤخراً بإيقاف برنامج (الجريئة) الذي تقدمه المخرجة السينمائية إيناس الدغيدي، ويذاع على قناة (النايل سينما)، وهي إحدى القنوات التابعة لقطاع القنوات المتخصصة بالتلفزيون المصري. ومعروف عن هذه المخرجة جرأتها في تناول قضايا المجتمع، وخاصة المرأة، مُظهرة الخلل والتخلّف والتناقض في التعامل مع تلك القضايا.
ولم يكتفِ الوحش في بلاغه بهذا بالطلب الذي تقدّم به إلى النائب العام ضدّ إيناس الدغيدي، بل طالب أيضاً بالتحفّظ على كل الحلقات التي أذيعت منذ بداية شهر رمضان، ومحاكمة الدغيدي على ما تأتي به من أفعال فاحشة في البرنامج، وهي أفعال وصفها الوحش بالتعارض مع روحانيات الشهر الكريم.
وطالب الوحش بمعاقبة الدغيدي بأقصى ما يمكن، وهي جَلْدها مئة جلدة حتى ترتدع عما تفعل. رغم أن عقوبة الجَلْد لا توجد في القانون المصري، ولم تنفذ من قبل. وكانت الدغيدي قد شنّت هجوماً ضارياً، في الحلقة التي استضافت فيها الممثلة التونسية هند صبري، على الصحافة المصرية التي تتصيّد تفاصيل صغيرة من اعترافات ضيوفها وتصنع منها مانشيتات عريضة.
وهذا الخبر أعادنا إلى حادثة الصحافية السودانية لبنى أحمد الحسين التي واجهت حكماً بالجَلْد أربعين جلدة، بذريعة أنها ترتدي ثياباً (بنطال) تخدش الحياء أوائل الصيف الحالي. إذ أوقفت لبنى أحمد الحسين، التي تكتب في صحيفة (الصحافة) اليسارية وتعمل أيضاً مع بعثة الأمم المتحدة في السودان، مع فتيات أخريات في الخرطوم، بتهمة أن طريقة لبسهن تتنافى مع قواعد النظام العام في البلاد.
وقد صرّحت هذه الصحفية لوكالات الأنباء قائلةً: (قضيتي هي قضية البنات العشر اللواتي جُلِدْن في اليوم ذاته.. وهي قضية عشرات بل مئات بل آلاف الفتيات اللواتي يجلدن يومياً وشهرياً وسنوياً في محاكم النظام العام بسبب الملابس.. ثم يخرجن مطأطئات الرأس، لأن المجتمع لا يُصدّق ولن يُصدّق أن هذه البنت جُلِدَت في مجرد ملابس.. والنتيجة الحكم بالإعدام الاجتماعي لأسرة الفتاة وصدمة السكري أو الضغط أو السكتة القلبية لوالدها وأمها.. والحالة النفسية التي يمكن أن تصاب بها الفتاة ووصمة العار التي ستلحقها طوال عمرها، كل هذا في بنطال.. والقائمة تطول، لأن المجتمع لا يصدق أنه من الممكن أن تجلد فتاة أو امرأة في (هدوم).
تجدر الإشارة إلى أنه بخلاف بعض البلدان المجاورة فإن المرأة تملك حضوراً واسعاً في الحياة العامة في السودان، غير أن بعض القوانين لا تزال تنطوي على تمييز ضدها، بحسب منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان.
وبالطبع تفعل هذه القوانين فعلها في المملكة السعودية، بحكم قوانينها التي تقضي بجلد المرأة لأتفه الأسباب.
من خلال كل ما يجري وما تقدّم هل بإمكاننا التنبؤ بحلول إمارات طالبانية عربية في بلداننا (أسوة بما يجري في أفغانستان وسواها) بدل أن تتطور قوانين هذه البلدان لتواكب التطور الاجتماعي والقانوني الذي تمارسه المجتمعات المتحضرة من جهة، ولتعبر عن التزامها الأخلاقي بالاتفاقيات الدولية التي وقعّت عليها (اتفاقية حقوق الإنسان، اتفاقية السيداو أو القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة، القضاء على العنف ضد المرأة).
إذ لا يمكن لأي عاقل في الكون أن يقبل هذا التراجع والتقهقر الحاصل في الحياة الاجتماعية والقانونية في بعض البلدان العربية التي كانت فيما مضى منارة التغيير الاجتماعي لاسيما في قضايا تحرر المرأة (مصر).. لكن يمكننا التساؤل: لماذا تواجه مبدعاتنا العربيات عقوبة الجلد إذا ما جاهرن بما يشير إلى تخلف تلك الذهنية الطالبانية..؟
ألا يعدّ جلدهن ترويضاً لهن لأنهن تمردن على تلك الذهنية وتقاليدها البالية التي أرهقت كاهلهن وتراجعت بالحياة والمجتمع إلى عصر الحرملك..؟
فأيّ وطن يحمل كل هذا الإرث المتخلّف والذي يعيد الحياة برمتها عهوداً إلى الوراء يوم كانت المرأة أَمَةً وجارية وموءودة...؟
إيمان أحمد ونوس، (الجَلد.. أثمن هدية للمرأة العربية..!)
عن جريدة النور، (9/2009)
|