|
تقبيل الأقدام... ثقافة تسول جديدة! |
|
|
|
سهام نصر
|
|
2009-11-01 |
لا أحد منا تخفى عليه المناظر المريبة التي صارت خبز شوارعنا، إذ نجد في الزاوية النائية امرأة جالسة على الأرض كيفما اتفق، وفي حضنها طفلها وقد ألبسته عدة سنتيمترات من القماش، يستر فقط ما يجب ستره من جسده، وفي الزاوية الأخرى تجد رجل لا يشكي من أية أعراض واضحة تدل على ضعف أو فقر، كما أن صوته عال جداً جداً، يصيح:
ثمن رغيف خبز فقط، ونصيبكم في الجنة. وآخر يجر أمامه عربة كبيرة وعليها شاب معاق ومنظره مخيف للأطفال ومروع للمارة، وقد جعله وسيلته للعيش، لا يفارقه ليلاً أو نهاراً، فهو ثروته الوحيدة...
أما الذي كسر حاجز المعرفة لكل هذه المشاهد اليومية بالنسبة لي، مشهد درامي آخر، فمنذ أيام وأنا عائدة إلى بيتي، لحق بي طفل لا يتجاوز الثامنة، وبسرعة مدهشة انحنى ووضع سبابته على قدمي، قبلها وقال: أريد ثمن صندويشة...
تجمدت قدماي ولم أعد أستطيع الحراك، توقف الدم في شراييني.. اعتقدت أن هذا الطفل خارج للتو من مشهد درامي حقيقي، ولا زال متأثراً بأضواء الكاميرا، وقد تسارعت دقات قلبه من جراء التمثيل لا أكثر.. أبعدت دهشتي عني وأيقنت أني لا أتوهم، فالطفل لم يكن بارعاً في التمثيل بقدر ما كان حقيقياً، صادقاً، يعلمه الجوع معنى الفن ومعنى التمثيل، وقدرة الصمود لساعات اليوم الأربع والعشرين أمام أضواء الكاميرا...
تعيد الكاميرا المشهد في مخيلتي آلاف المرات، تعيد أمامي وجهه المتسخ، ويداه المسودتان، وصوته الناعس، وثيابه الممزقة القرفة..تعيد إلى مخيلتي أظافره الطويلة وتحتها ما تمكنت من الجراثيم الباحثة عن مكان يؤويها أن تستقر، ومن ثم لتجد طريقاً لها إلى فمه مع كل لقمة ..
أي واقع علمه هذه الدراما الجديدة في اختلاق مشاهد التسول؟ أما عادت تلبي حاجاته الطرق المعهودة، حتى صار بحاجة إلى التذلل أكثر، هل يدرك هذا الصغير ابن الثامنة معنى تقبيل الأقدام؟؟ وهل ندرك نحن كم قدم ستكون من نصيبها قبلته كل يوم؟!
ترى أي علاقة زوجية صحيحة أنجبت هذا الطفل لترميه بعد ذلك إلى الشارع؟ أي أمٍ استطاعت أن تنام فترة القيلولة ولا تعرف إن كان ابنها عاد أم لم يعد؟ أي والد يستطيع أن يتبجح أمام طفله: أنا أعمل لأجلك ؟ ولا يعرف أين هو من يعمل لأجله!!
أي مستقبل مشوه ينتظر هذا الطفل في الطرقات، مع السارقين والمنحرفين ومدمني المخدرات، مع المجرمين والقتلة، مع كل من وجد في الطريق دخلاً شهرياً ثابتاً..
أي رجل سيصبحه هذا المشرد؟ أي مهنة سيمتهنها؟ أي دراسة سيفكر فيها؟ أي جيل سينجبه لمجتمعنا؟ أي قيم سيعلِمها مستقبلاً لأطفاله؟؟
إذا كان لا بد أن ننجب أطفالاً، فلنتذكر أنهم سينجبون أيضاً، وأنهم ربما لن يقدموا لأطفالهم أكثر مما قدمناه لهم!
سهام نصر، زاوية "تفاصيل متناثرة"، (تقبيل الأقدام... ثقافة تسول جديدة!)
خاص: نساء سورية
|