|
العابثون بتطور الوطن وتقدمه |
|
|
|
نزار صباغ
|
|
2009-12-01 |
طُلب مني ألا أتوجه بكتاباتي نحو السياسة وألا "أسيّس" ما أكتب من أفكار.. إنما الأمر حقيقة غير ذلك، فأي شأن مجتمعي، وكذلك أي شأن اقتصادي أو ثقافي له علاقة بالمجموع.. إلخ، هو شأن سياسي، وبخاصة في القرن الواحد والعشرين عصر الانترنت والمعلومات.
قد تكمن المفارقة بعض الشيء نتيجة للغوص في التفاصيل أحياناً، تلك التفاصيل حاملة الشياطين كما يقال عندنا بينما عي الأساس لأي عمل ناجح لدى غيرنا... فعندما نتطرق إلى السياسة الاقتصادية للحكومة وننقدها نخوض شئنا أم أبينا في الشأن السياسي لأننا بذلك ننتقد حزب البعث العربي الاشتراكي بقيادته القطرية كون السيد رئيس مجلس الوزراء عضو في القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي، وكذا الأمر عندما ننتقد السياسات التعليمية والثقافية والزراعية والاجتماعية للحكومة، ونسب التزايد السكاني المتزايدة، ونهاجم وننتقد بعض القوانين أو مشروعات قوانين جديدة ونوضح مخالفاتها للدستور من جانب ولأسس النهضة والتقدم للدولة السورية من الجانب الآخر، لأننا بذلك نظهر حالة من الاتهام بحق كبار المسؤولين المباشرين عن تلك القوانين أو عن المشروعات ونعني بذلك السيد رئيس مجلس الوزراء بصفته عضواً في القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي.
وكمثال مباشر لما ورد أعلاه، نذكر هنا المشروع الجديد لقانون الأحوال الشخصية – بعد التعديل – الذي تم تقديمه من لجنة ما زالت سرية، هذا من دون معرفة إن كانت هي بذاتها اللجنة القديمة صاحبة المشروع الذي تم إيقافه، ومن دون الخوض في التفصيلات، ومن دون ذكر التراجع الكامل عن الوعود الشفهية المسجلة والموثقة التي أطلقها السيد رئيس مجلس الوزراء، ومن دون التساؤل عن المغزى من عدم معرفة السيد وزير العدل بالمشروع الجديد، ومن دون مخالفة المشروع لجميع الاتفاقيات العالمية التي وقعت عليها الجمهورية العربية السورية في مجال الأسرة والمرأة والطفولة، ومن دون الخوض في الأسس الواجب اعتمادها لدراسة وتقديم مثل هكذا مشروعات قوانين، ومن دون تسليط الأضواء على حالة الإصرار في تجهيل المجتمع وإعادته قروناً إلى الوراء، ومن دون الخوض في ماهيّة اللجنة السرية إياها... من دون كل ذلك وغيره مما ذكرته المذكرات المقدمة إلى السيد رئيس الجمهورية والسيدة عقيلته والسيدة د. نجاح العطار، نتساءل فيما إذا تغيرت عملياً الأسس والمنطلقات النظرية لحزب البعث العربي الاشتراكي وبقيت ورقياً كما كانت عليه حين التأسيس؟ وفيما إذا كان هذا التغيير لا يستدعي ويتطلب التعديل في الدستور...؟ وهو تساؤل منطقي وشرعي وأخلاقي يفرضه واقع الحال بشكل بديهي... وهذا التساؤل يعتبر تدخلاً في الشأن السياسي.
إنما يؤكد واقع الحال أن مثل هكذا مشاريع، التي تدعو بصراحة ظاهرة إلى العمل بما يخالف الدستور من حقوق مواطنة وأسرة وامرأة وطفل، وتناقض بشكل واضح مع كل أسس الترقي بالمجتمع انطلاقاً من المساواة التامة بين أفراده ذكورا وإناث، وتصرّ بشكل أكيد على فرض رأي واتجاه محدد ومتشدد في الحياة للمجتمع السوري، وتكون مقبولة بشكل أو بآخر من الجهة التي أصدرت قرار تشكيل تلك اللجنة السرية،- رغم معرفتها أن رواتبها وتعويضاتها بدءاً من السيد رئيس مجلس الوزراء إلى اللجنة السرية إلى عموم موظفي الحكومة إنما تُدفع من جيوب المواطنين دافعي الضرائب -... إنما تدعو للتساؤل عما يحصل.
ومما يلفت الانتباه أن كل الإيضاحات حول المخالفات الدستورية المرتكبة في مشروع القانون الذي تم إسقاطه قد مرت كمرور الكرام أمام القيادات المعنية بالأمر، وكأنها بعيدة كل البعد عنها أو أن ما يرتكب من تجاوزات غير هام بالنسبة إليها. إن كان الأمر كذلك فما هو الهام..؟ أم أن هنالك التباس في المعاني ما بين الهام والمهم والأهم والأكثر أهمية والأشد أهمية وأهمية المصير، أم أنه والالتباس في ترتيب أولويات المهم والأهم والأشد أهمية.. إلى ما هنالك من تعابير؟!
ثم ما السبب في تجاهل العمل التخريبي الجاد في تفتيت المجتمع إلى طوائف ومذاهب والابتعاد عن أسس الدولة المدنية الحديثة..؟ وما السبب في تجاهل المطالبات بمحاسبة أعضاء اللجنة السرية..؟ وما السبب في توافق إظهار هذا المشروع مع التعميم الصادر عن مكتب الثقافة والإعداد والتوجيه في القيادة القطرية عن "جماعة الشيخ الباني" وما يحمله من معطيات ودلالات وموقف حزب البعث العربي الاشتراكي منها..؟
أسئلة كثيرة تثيرها مثل هذه الأحداث، والربط بينها يدعو إلى التساؤل مجددا عن مدى تغلغل الأفكار الظلامية في صفوف الأجهزة الحاكمة..؟ وعن كيفية ترتيب الأولويات ولاستراتيجيات.
يطلبون عدم الخوض في الشؤون السياسية بحجة وهن نفسية الأمة وبث معلومات كاذبة...!؟ هل أن المناداة بإيقاف العبث والتهديم والتخريب في الأمور المتعلقة بتطور المجتمع وتقدمه مسيئاً للمجتمع والدولة أم أن المسيء هو من يخرّب ويهدّم...؟ وهل أن تسليط الأضواء على الموبقات والفساد بأشكاله يوهن نفسية الأمة والمواطن أم أن حمايتها - الموبقات والفساد بأشكاله - هو الموهن..؟ وهل أن العميل هو من لا يداهن الحكومة ممثلة برئيسها أم أنه من يوافق على الخطأ والفساد..؟ وهل أن مثل هكذا مشروعات قوانين لا ولن يعلم بها الغير أم أنه – الغير - لا يعرف التعامل مع الانترنت أو أنه لا يعلم حرفاً باللغة العربية..؟
وهل أن المطالبة بوجود قانون أحوال شخصية متمدن يوافق الزمن الحالي الذي نعيش، ويؤكد على مفهوم الأسرة كبناء تشاركي أساس لمجتمع سليم متطور، ويؤكد على المواطنة والمساواة التامة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات دون تغليب لفكر أو رأي أو اتجاه على آخر، ويؤكد على حرية العقيدة الدينية دونما فرض أو قسر أو إكراه.. هل أن ذلك يوهن نفسية الأمة والمجتمع والمواطن؟ أم أن من يقوم بذلك ومن يصر على تقديم مشروعات قوانين تعود بالمجتمع قروناً إلى الوراء، ومن يدعم مثل هكذا مشروعات ويحاول تمرير هكذا قوانين، ومن يحميها ويتجاهل مدى التخريب الذي تحدثه هو من يوهن نفسية الأمة والمجتمع والمواطن..؟
أيها السادة، إن كل ما نمارسه من عمل في حياتنا اليومية هو شكل من أشكال السياسة حتى في شراء الخضار والفواكه، فلا تطلبوا منا مجددا عدم الخوض في المجالات السياسية... قد يوجد من السوريين من لا يتكلم، ومن يحتفظ بأفكاره لنفسه، ومن يساهم في الحراك الاجتماعي ومن يرفض، ومن ومن ومن... إنما ليس من سوري لا يدرك بمجرد تفكير بسيط، مدى التخريب والتهديم الذي تحدثه محاولات إيقاف الزمن والعودة به إلى الوراء والإصرار عليها، في القرن الواحد والعشرين..
هل أن تسليط الضوء مشكلة..؟ أم أن بقعة الضوء مشكلة..؟ أم أن مفهوم المواطنة، أو الطموح، أو أو أو عبارة عن مشكلة لدى حكومتنا الموقرة ومن يلف لفها..؟ وما هو مفهوم المواطنة لدى القائمين عليها، أهو كما الدول المتحضرة أم أنه كما في "بقعة ضوء" التي كانت تحت عنوان "الصرصور" حيث المواطن كالصرصور، مسحوق أو يستحق السحق من قبل أولي الأمر، سواء في تطبيق مفهومهم للقوانين أو في مشروعات القوانين التي يعدونها ومنها المشروع الجديد لقانون الأحوال الشخصية....؟!
يكفي التصرف كالنعامة واعتبار المواطنين بحاجة إلى أوصياء، فما من سوري غبي، وما من سوري لا يدرك مدى التهديم الذي يحدثه العابثون بتطور الوطن وتقدمه... إن من هو مهتم بمستقبل الوطن وجعله في مصاف العالم المتقدم نداً لند، لا يمكن له السكوت، فالنجاح في السياسة الداخلية بمشتملاتها كافة داعم للنجاح في السياسة الخارجية... فلتكن البداية بقانون عصري للأحوال الشخصية يناسب القرن الواحد والعشرين بدلاً من الرجوع بالبلاد قروناً إلى الوراء.
وتصبحون على وطن.
نزار صباغ، (العابثون بتطور الوطن وتقدمه)
عن "كلنا شركاء"، (11/2009)
|