|
قانون عصري للأحوال الشخصية يعزز الموقع القانوني للمرأة |
|
|
|
زينب نبّوه
|
|
2009-12-02 |
في الوقت الذي كنا نتطلع فيه إلى إدخال تعديلات جذرية على قانون الأحوال الشخصية المعمول به في سورية منذ عام 1953 لجعله قانوناً عصرياً يقوم على أساس المواطنة وعلى مسافة واحدة من جميع مكونات الشعب السوري،
هذه التعديلات كانت ومازالت مطلباً جماهيرياً ملحاً منذ سنوات طويلة، وبدلاً من أن يأتي المشروع الأول المقترح معبّراً عن ذلك، جاء ليكرس دونية المرأة ويعود بها إلى قرون الجهل والظلام والتخلف، إذ حمل الكثير من المفاهيم المغلوطة والخطيرة التي تسيء إلى سورية وتاريخها التحرري. وقد جوبه بموجة من الانتقادات الشديدة من كل القوى التي تهمها مصلحة البلاد، مما أدى إلى إعادة المشروع إلى اللجنة السرية التي وضعته لإدخال تعديلات عليه.
وجاء المشروع الجديد الثاني مخيباً لآمال السوريين بالتغيير مكرّساً ما هو متخلف في القانون الحالي المعمول به مع تعديلات طفيفة لا تمس جوهر القانون، إذ يحمل تمييزاً ضد المرأة ويضعها في مكانة أدنى من الرجل، وفي نظر القانون يجعل منها شخصاً غير كامل الأهلية، وينسف كل ما حققته المرأة السورية من مكاسب حضارية منذ مطلع القرن العشرين، ويقلل من دورها ومساهمتها الواسعة في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وينتقص من دورها بما لا يتناسب والمكانة التي وصلت إليها.
ففي مشروع القانون الجديد نرى أنه:
1- لا تزال المرأة نصف شاهد "المادة 12": شاهدان على عقد الزواج رجلان أو رجل وامرأتان.
2- لا يمكنها العمل دون إذن زوجها تحت طائلة الحرمان من النفقة "المادة 73".
3- الطلاق التعسفي بإرادة منفردة من الزوج دون أية حماية قانونية للمرأة.
4- تجنب المشروع كلمة "النكاح" وتركت فيه الكلمات الأخرى الواردة في المشروع الأول والتي يندى لها الجبين خجلاً، كالموطوءة، والآيسة، والناشز، وسن اليأس، والمرضع بأجر.. إلخ.
5- رفع الحد الأدنى لسن زواج الأطفال من 13 للفتاة إلى الخامسة عشرة، والفتى إلى 17 سنة، رغم أن كل الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها سورية تنص على حد أدنى للزواج هو سن الثامنة عشرة للفتى والفتاة.
6- ترسيخ بعض المفاهيم التقليدية التي تسيء إلى المرأة وإلى العائلة كلها، دون وضع ضوابط حقيقية مثل تعدد الزوجات.
7- الموقف من قوانين الأحوال الشخصية للطوائف المسيحية الثلاث، واقتراح بوقف العمل بقوانينها التي تلائمها ولا اعتراض لها عليها، مما يساعد على تفتيت بنية المجتمع ويشكل خطراً على النسيج الوطني السوري، فالسوريون غير المسملين مواطنون أصلاً، محترمون في هذا البلد، خاضعون لقوانينه ويعيشون كامل حقوقهم وواجباتهم، فلماذا إثارة النعرات الطائفية والمذهبية؟ فهذا خرق فاضح لموقف سورية الوطني.
8- تجاهل حق المرأة السورية في إعطاء جنسيتها لأطفالها أسوة بالرجل، رغم المطالبة الحقة لهذا المطلب العادل.. وهذا غيض من فيض ما ورد.
والسؤال: هل تكفي جملة من التعديلات الطفيفة غير الجوهرية على القانون، بصرف النظر عن رأينا فيها، بعد مرور أكثر من نصف قرن على وضعه؟
لقد أتى مشروع القانون بموضوعات ملتبسة اختفت فيها التعابير المألوفة في سورية، الوطن والمواطنة، وحمل مفاهيم تعود إلى الوراء مئات السنين إلى وقت لم تكن معروفة فيه مفاهيم الوطنية والمواطنة.. فسورية دولة حديثة يجب أن تعكس قوانينها مصطلحات عصرية: الجمهورية، الديمقراطية، العدالة الاجتماعية، الاشتراكية، الشعبية، الجبهوية، إلخ.
فالمشروع وما استند إليه من مفاهيم لا يحيط بما حدث من تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية وفكرية في سورية.. والقوانين كما هو معروف هي تعبير عن علاقات ومصالح اجتماعية وسياسية واقتصادية لبلد محدد في مرحلة تاريخية محددة، وهذه العلاقات ليست ثابتة بل هي تتطور وتتغير، فهل يُعقل أن قانوناً يوضع في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين أن يستند إلى تشريعات النصف الأول من القرن العشرين "قانون العائلة العثماني 1917" والقانون الفرنسي اللذين استند إليهما قانون الأحوال الشخصية المعمول به حالياً في سورية، بعد أن لفظتهما تركيا وفرنسا منذ عقود غابرة؟ وهل ما كان يصلح قبل قرن لايزال صالحاً حتى اليوم رغم التطورات الهائلة التي جرت في المجتمع؟
ولماذا تطرح مشاريع تعتمد على مقولات وقيم سلفية متناقضة مع مسيرة التطور الاجتماعي في سورية، ومع مبدأ تطور الأحكام مع تطور الأزمان، وهي قاصرة عن تحقيق أسس الأمن الحقوقي للأشخاص والفئات الاجتماعية؟!
ولماذا الإصرار والتصميم على وضع قانون أحوال شخصية يتناقض ومبادئ الدستور الوطني السوري المصدر الرئيس للقوانين كلها، والذي يعني إسقاط كل قانون أو تشريع إذا تناقض مع أحكام ومبادئ الدستور الذي يعتمد على مبدأ المواطنة الكاملة لكل من المرأة والرجل على السواء؟
وهل يعقل أن يعدّ مشروع قانون بمثل هذا المستوى من الأهمية يمس المجتمع السوري، بصورة سرية ومن قبل لجنة سرية مهما كانت صلاحياتها ومن يشرف عليها؟ ولماذا لا يطرح المشروع على النقاش العام أو على الأقل الإعلان عن الموضوعات التي يُنوى تعديلها؟
ولماذا نتهيب من وضع قانون عصري جديد للأحوال الشخصية يعدّ خطوة ضرورية بل وحتمية للمجتمع السوري دون أن يتم ذلك بالتعاون مع الجهات المعنية والمنظمات النسائية الرسمية والأهلية تساهم فيه نخبة من الباحثين المختصين والقانونيين والمفكرين والشخصيات الوطنية ورجال الدين المتنورين؟
أليست عملية تحديث القوانين المرتبطة بجدلية التصحيح الاجتماعي مدخلاً رئيساً للعمل من أجل إزالة جميع أشكال التمييز ضد المرأة؟
إن مسألة وضع قانون جديد للأحوال الشخصية مشكلة أمة بأسرها أكثر منها مشكلة امرأة أو حقوق إنسانية. والمفروض أن يناقش في إطار الحرص على تطوير المجتمع وتحقيق العدالة، قانون يشكل دولة المواطنة، أفرادها متساوون أمام القانون.
وأن يكون نموذجياً وضمن منظور علمي واجتماعي واقتصادي يرصد أبعاد حقوق المرأة الإنسانة والمواطنة، لا أن يجردها من إنسانيتها، كما حصل في المشروعين، وكان يمكن للجنة واضعة المشروع الاستئناس ب:
1- الدستور الوطني السوري.
2- مواثيق الأمم المتحدة، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية حقوق الطفل، وهذه المواثيق وقعت عليها سورية والتزمت بالمبادئ الواردة فيها.
3- أن تستأنس بالتعديلات الهامة التي جرت على بعض قوانين الأحوال الشخصية العربية التي تستند إلى الفقه الإسلامي، كالقانون التونسي والمغربي والجزائري والمصري والأردني في بعض مواده، إذ استطاع هؤلاء وضع قوانين أسرة تحافظ على كرامة المرأة.
4- لماذا لم تتمثل النساء في اللجنة المكلفة بتعديل المشروع، وهنّ المعنيات بالموضوع؟ أين القاضيات والمحاميات والمستشارات القانونيات اللواتي هن كثيرات في سورية ويتمتعن بخبرة قانونية عالية؟
5- ولماذا لم يُستأنس برأي المنظمات النسائية الموجودة على الساحة السورية، وهي تناضل منذ عقود من أجل حقوق المرأة؟ والسؤال عن وجهة نظرها على الأقل في الاتجاهات العامة التي تعبر عن الاحتياجات الحقيقية للمرأة السورية؟!
وأخيراً: لماذا العجلة في تمرير مشروع ظلامي للأحوال الشخصية تجري المطالبة به منذ أكثر من نصف قرن؟
زينب نبّوه، (قانون عصري للأحوال الشخصية يعزز الموقع القانوني للمرأة)
عن جريدة "النور"، (11/2009)
|