|
قانون الأحوال الشخصية.. الرَسَنْ والسياج |
|
|
|
إحسان عين الشايبة
|
|
2009-12-02 |
الراعي, القطيع، والمرعى.. ثلاث أطراف أزلية أبدية في معادلة رياضية متغيرة الأشكال تحكم حدود العلاقات في أي تجمع يزيد بالضرورة عن فرد واحد؛ وهذه الأطراف الثلاثة وبحسب المعادلات الرياضية المتغيرة نظمت العلاقات بين الأفراد تاريخيا منذ قيام أول قرية – تجمع- للصيد وإلى أول قرية زراعية... وإلى وقتنا هذا.
وتكونت عبر التاريخ قناعات ناتجة عن التجارب والاختبارات التي مرت فيها أطراف المعادلة, كل طرف على حدى أو مجتمعة, فتجربة الراعي كان لها نتائج وقناعات، وكذلك تجربة القطيع وتجربة المرعى, والتجربة الأهم هي التي خاضتها الأطراف الثلاثة مجتمعة وأفرزت العديد من النتائج التي قد تكون متباينة أحيانا.
في القرنين العشرين والواحد وعشرين, لوحظ أن المجتمعات التي اعتمدت أسلوب "الرَسَنْ" في بناء العلاقة بين الأطراف الثلاث قد تدهورت وتفككت ورجعت إلى أشكال مجتمعية أكثر تخلفا وضعفا وقابلية للزوال؛ إذ أن ربط القطيع بجذع شجرة بواسطة "الرَسَنْ" أباد المرعى الصغير وزاد في ضعف وهزال القطيع ومنح الذئاب وجبات جاهزة غير قادرة على الحراك ولم يجن الراعي ما أراد من خير. أما المجتمعات التي اعتمدت أسلوب "السياج" فقد ازدادت قوتها ومنعتها وغناها؛ إذ أن وجود سياج حول المرعى أعطى للقطيع تنوعا في الطعام وحرية الحركة تحت الشمس (ضمن حدود السياج) ومنع الذئاب من الولوج إلى البستان ونال الراعي مبتغاه من الخير.
هل ما تقدم من كلام يشابه أسلوب "كليلة ودمنة"؟ نعم.. أعترف بذلك. فالبعض منا لازالت مصادر حكمته ومعرفته محصورة بكتب رائعة مثل "كليلة ودمنة" و"ألف ليلة وليلة" ونحن نطمح لأن تتوسع مصادرنا المعرفية أكثر من ذلك.
دون الدخول في تفاصيل مواد "مشروع قانون الأحوال الشخصية" أجد أنه من الملائم أن أقدم أعلى وأرقى التحيات لصاحب المشروع السيد "قدري باشا" وهو الرجل الخارق الذي قدم لسوريا والسوريين قانونا دائما عابرا للعصور لا يمكن اختراقه أو تعديله تعديلا جوهريا يناسب "الرعية", قانون يلحظ تغيرات ما بعد الحداثة وما بعد المعاصرة، قانون يواكب – بل يسبق – كل التغيرات والتحديات وأي حالات استثنائية قد تولد وتتعاظم بين أفراد الرعية السورية. لقد أنجز السيد "قدري باشا" قانونا-رَسَنا من أعتى أنواع الجنازير مازال مربوطا بجذع الشجرة ذاتها منذ عصور ومازالت "الرعية" تلحس بقايا العشب ذاته منذ عصور ومازالت ذئاب الغرب والشرق تحوم وتقنص من الرعية ما ترغب وما تستطيع, أما الحالات الاستثنائية فقد لحظ لها حلولا جاهزة أفضلها هو الخنق بنفس الجنزير-الرَسَنْ؛ بمعنى أنه بات لدينا في سوريا أعداد من المظلومين والمنسيين والمحرومين والمقهورين والمهمشين لا يمكن حتى لأسلوب النعامة أن يتجاهل أوضاعهم ومشاكلهم وما ينتج عنها من طبقة "مواطنون بالإكراه". لكن علينا ألا ننكر للرجل جرأته بتسمية قانون الأحوال الشخصية باسمه علنا ومن ثم مواجهة نظرات أمه وأخته وزوجته وابنته...له, بعكس اللجنة "القدرية الباشوية" الحالية التي أعادت طرح القانون العابر للعصور ذاته ولكن مع الخجل من إعلان الأسماء, ولماذا إعلانها؟! فهو قانون قدري باشا ذاته, فهل تتعدى اللجنة على حقوق الغير المحفوظة لا سمح الله؟! ثم أن قدري باشا معذور بقانونه "نسبيا" فهو من أبناء مرحلة نطلق عليها جميعنا تسمية عصر الانحطاط, هذا ما درسناه في كتب التاريخ في مدارسنا عبر كل المراحل الدراسية مع التكرار والتكرار و التكرار, لا اسم آخر لذلك العصر على ما درسنا سوى عصر الانحطاط, فهل صار ذلك العصر مرجعنا الوحيد لإدارة شؤوننا في عصر ما بعد عصر السرعة؟! إذا حتى الآن لدينا استفسارين: هل أعضاء اللجنة من سكان سوريا والدارسين في مدارسها؟ وهل أعضاء اللجنة من النساك المنزوين في أعالي الجبال المقفرة فلم يسمعوا صيحات وآهات التوجع يطلقها الكثير – أو حتى القليل – من المظلومين والمنسيين والمهمشين؟! (في المجتمع السوي الموحد لو كانت المشكلة تخص فردا واحدا يجب إيجاد الحلول المشرفة لها لا خنقها وتجاهل وجودها أصلا, ومبدأ النعامة مرفوض لأنه يحول المشكلات الفردية إلى قنابل موقوتة وفيروسات تحول المجتمع إلى تجمع).
هل ينكر أعضاء اللجنة والمعنيين جميعا بملف الأحوال الشخصية أن القانون المعمول به قد أفرز نتائج وحالات كثيرة من الضيم أصابت العديد من الأسر السورية ( رجالا ونساء وأطفالا) ؟
هل أعضاء اللجنة والمعنيين جميعا بملف الأحوال الشخصية أضعف وأقل جدارة من أن يستطيعوا إيجاد الحلول المناسبة لمثل هذه الحالات الموصوفة والمعروفة وما يمكن أن يستجد من حالات أشد؟
هل يتعامى أعضاء اللجنة والمعنيين جميعا بملف الأحوال الشخصية عن وجود آلاف اليتامى والمكتومين والأطفال "غير الشرعيين" السوريين الذين أصابهم القانون الباشوي بأذى كبير دون أن يكونوا مذنبين أو مسؤولين بأي حال عن الموقع الذي وجدوا فيه؟ هل هم مواطنون سوريون ولكن من درجة دنيا جدا وأحوالهم الشخصية لاتهم أحدا؟!
هل أن المشاكل (بل المصائب) الاجتماعية الناتجة عن حالات الطلاق والغبن المعمول به في القانون "القدري-الباشوي" لم تصل أنباؤها إلى مسامع أعضاء اللجنة والمعنيين جميعا بملف الأحوال الشخصية فتغاضوا عنها وثبتوا المواد المتعلقة بها بدل نسفها وإيجاد الحلول المناسبة بعد تجربة سنوات طويلة لقانون لم ينصف امرأة مظلومة أو أطفال قيد "البازار" الباشوي؟
هل لحظ أعضاء اللجنة والمعنيين جميعا بملف الأحوال الشخصية وجوب إيجاد ولو مادة واحدة ترعى حقوق السوريين الذين تزوجوا زواجا مدنيا أو متعدد الأديان؟ أم أن هؤلاء تحولوا بفعل "ارتكابهم" هذا إلى مواطنون بالإكراه ويلزم خنقهم برَسَن القانون "القدري"؟ ألم يبقوا سوريين؟!
هل فكر أعضاء اللجنة والمعنيين جميعا بملف الأحوال الشخصية ولو لحظة بالاعتذار عما كلفوا به من مهمة لأنهم لم يستطيعوا إيجاد قانون منصف بل قانون سيعزز المشاكل الاجتماعية في سوريا ويفاقمها لسنوات طويلة قادمة؟!
هل استأنس أعضاء اللجنة والمعنيين جميعا بملف الأحوال الشخصية بآراء ودراسات ونتائج جهود المؤسسات والمنظمات التي تعنى بشؤون المرأة والطفل وحقوقهما؟ أم أن هذه المؤسسات والمنظمات مجرد "بريستيج" غير لازم وغير ضروري للتعبير عن الرأي العام الشعبي؟!
هل كان تسريب القانون أول مرة والضجة التي أحيط بها, وثاني مرة مع ردود الأفعال التي صدرت, هو مجرد مناورة تنفيس لآراء المجتمع والمؤسسات والمنظمات, وخطوتين صغيرتين للرجعة بنا إلى عصر الانحطاط وعقلية كعقلية قدري باشا؟
حقيقة هناك الكثير من التساؤلات والاستفسارات والخيبات المطروحة, وجميعها تجعلنا نتذكر شهداء السادس من أيار؛ هؤلاء الشهداء الذين قدموا حياتهم دفاعا عن الوطن وعن عصر التنوير الذي آمنوا به, فسطرت أسماءهم بحبر من ذهب في قلوب جميع السوريين, فهل نرد على شهادتهم بالعودة القهرية إلى عصر وقوانين الانحطاط؟ وهل نستطيع كتابة أسماء الراجعين بنا إلى الوراء في قلوبنا؟ وبأي لون؟!
يا أخواني يا أعضاء اللجنة والمعنيين جميعا بملف الأحوال الشخصية, جميعنا سوريون, وجميعنا نفخر بسوريتنا وقدراتنا المذهلة على التطور والارتقاء, فلم نحرم أنفسنا بأنفسنا من هذه النعمة؟!! جميعنا نبحث عن الأفضل لسوريا وللسوريين, الوطن والمجتمع, وبمزيد من البحث والصبر سنجد الحلول الأمثل دون اللجوء إلى القوالب الجاهزة التي لا تليق بمقاسنا بعد مرور كل هذا الزمن, إن نسيج المجتمع السوري الذي يزدهي بألوانه المتعددة لا يقبل الثغرات التي تفرق بين مكوناته؛ فالنسيج الممتاز يحتاج منا إلى حائك ماهر يزيل العيوب حتما ولا يهملها أو يغض الطرف عنها, حائك يلحظ كل مكون من مكونات نسيجه ويتعامل معه بدقة ورهافة واحترام مهما كان نوع الخيط أو لونه, ومهما كان رأيه الشخصي فيه, والنسيج الممتاز يعبر بالنتيجة عن مهارة الحائك, ومسيرة الألف ميل الإلزامية في تطور المجتمعات تبدأ بخطوة, وما علينا سوى تحديد الاتجاه.. للأمام أم للخلف.
إن سوريا بحكم موقعها لعبت على الدوام دورها الحضاري المشرف, مقدمة لأبنائها البيئة الملائمة للانسجام والتمازج الحضاري, فأخرجوا للدنيا أسمى وأهم الحضارات, وهذا ما يجعلنا متأكدون من جودة "المرعى" و"الرعية", فيبقى الدور في تطورنا على "الراعي" وهو في موضوعنا أنتم.. حضرات أعضاء اللجنة والمعنيين بملف الأحوال الشخصية, حيث أقل ما نتوقعه منكم هو تحطيم القوالب الجاهزة العفنة والمنحطة, وإصدار قانون تنويري عادل وشامل يلحظ الشاردة والواردة, وعندها يتم الإعلان عن قانون يفتخر به السوريون وبأسماء منجزيه. وسوريا الدولة المتصدية لتحديات كبيرة وخطيرة بنجاح حتى الآن ستشكركم لأنكم ساهمتم بحماية ووقاية المجتمع من مصائب تلم به وبأسره منذ زمن طويل, ستشكركم لأنكم وضعتم قانونا يسمح بتطور وارتقاء المجتمع السوري, ستشكركم لأن دولة الممانعة هي دولة النسيج المجتمعي الموحد والمتين. أما إذا أصرت هذه اللجنة مع المعنيين بملف الأحوال الشخصية على المتابعة بحشر كامل المجتمع السوري بقالب قدري باشا المتقادم والمهترئ, فعندها لا أدري إن كانت سوريا ستغفر لهم وهم يدرون ماذا يفعلون.
إحسان عين الشايبة، (قانون الأحوال الشخصية.. الرَسَنْ والسياج)
خاص: نساء سورية
|