|
المشروع الجديد للأحوال الشخصية: تهميش للسوريين عموماً وللجهات المسؤولة ولجميع الناشطين والناشطات في الحقل الاجتماعي |
|
|
|
إيمان أحمد ونوس
|
|
2009-12-24 |
لم نكن لنتصوّر أنه بعد كل ما جرى قبل شهرين في خضم مناقشة مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي سُرِّب بعد أن أُعدّ في 5/4/2009 تمهيداً لإقراره، لم نكن نتخيّل أنه بعد أن أوقف العمل به أن يعود إلينا بصورة مشبوهة ومشوّهة كما هو حاصل الآن.
صحيح أنه كان هناك تخوّف من ذلك، لكن الأمل ظلّ يراودنا بأن الحكومة لا بدّ آخذة برأي الشارع السوري وجميع من وقف في وجه ذلك المشروع، وبأنه لا بد أن يجري ما يشبه الاستفتاء ولو بشكل غير مباشر على رغبة السوريين في قانون جديد يلامس كل التغيّرات الطارئة على الساحة الاجتماعية والسياسية والثقافية والاجتماعية في الفترة الممتدة ما بين القانون المعمول به حالياً (1953) والزمن الحالي. لاسيما ما شهدته سورية منذ السبعينيات حتى اليوم وعلى جميع الصُعد.
لقد قطع المجتمع السوري أشواطاً هامة ومصيرية في العلاقات الاجتماعية التي ميّزت سورية عن غيرها من بلدان العالم بذلك التآخي والتسامح الذي يعيشه المجتمع السوري، رغم تعدد القوميات والأعراق والأديان فيه، فهو كان ومازال لوحةً فسيفسائيةً رائعة التكوين والتلوّن والتقاطع والتمازج بحيث لا يمكن أن يحلّ جزءٌ مكان الآخر، فكل جزء فيه مكمّل للآخر رغم خصوصيته، وهذه الخصوصية جعلته نموذجاً يُحتذى في العالم أجمع.
غير أن واضعي المشروع الجديد لا تروق لهم تلك اللوحة، كما يبدو، ويعملون على تفكيك أجزائها لتصبح شظايا لا يمت بعضها بصلة إلى بعضها الآخر، وبذلك تفقد حميمية التواصل والتمازج المعهود، كما ستفقد البوصلة التي تشد بعضها إلى بعض، ليكون التشرذم سيد الموقف، تشرذم قائم على إلغاء الآخر، بل وسحقه عبر مشاعر البغضاء والكراهية التي ما عرفها الشعب السوري يوماً. ولتحل سلفية تستمد وجودها من الهستيريا الأصولية التي أصابت العالم فارضةً وجودها على مكونات المجتمع والحياة. وهنا ستغدو سورية بلداً آخر يأتمر بأمر زمرة تعيدها إلى الوراء دهوراً، ناسفة مجمل التغيّرات والتطوّرات التي وصل إليها المجتمع بنضال أبنائه وبناته بكل انتماءاتهم وثقافتهم ووعيهم، فتتخلف سورية عن ركب الحضارة المعاصرة رغم كل الشعارات التي تُطلق هنا وهناك عن التحديث والتطوير، لتلتحق بأصوليات تقود معظم دول العالم العربي حالياً، وبالتالي تنأى عن المكانة المعروفة بها عالمياً عبر التآخي والتسامح والتعايش.
مشروع قانون لأحوال الناس يُفترض أنهم المعنيون الأساسيون بوضعه، فهو يمسُّ حياتهم وينظم علاقاتهم بعضهم ببعض، لكنه تم تجاهلهم وتهميش رأيهم فيما يخص حياتهم. بل وزيادة على ذلك تتم محاولة زرع بذور الفتنة والكراهية التي عجز الاستعمار القديم والحديث عن زرعها في نفوسهم على مستوى الأديان والأعراق والإثنيات، وأيضاً على مستوى الأسرة تلك الخلية الأساسية للمجتمع عبر صياغة مواد تكرّس دونية المرأة أمام الرجل بكل صلاتها به (أب، أخ، زوج، ابن.. إلخ) رغم أن الأسرة السورية في الريف أو المدينة قد تجاوزت الكثير من العقبات التي كانت حجر عثرةٍ في طريق تطور المرأة وخروجها للحياة والعلم والعمل، فوصلت إلى أعلى المراتب والمناصب المعروفة لدى الجميع، أي إلى مواقع صنع القرار في بعض المفاصل الحكومية. كما تدنّت في السنوات السابقة نسبة الأميّة بين النساء خاصّة، وفي المجتمع عامةً، بدليل أن محافظتَيْ طرطوس والسويداء مثلاً احتفلتا بتخلصهما من الأمية. كما أن العلاقة بين الرجل والمرأة ارتقت في كثير من البيئات إلى مستوى أصبحت فيه المرأة شريكاً حقيقياً للرجل في صياغة نمط حياة قائم على الاحترام والاعتراف بحقها في الحياة بكل أبعادها وتجلياتها. ولم يعد الرجل ذلك المستبد، الشهواني الذي لا يرى في المرأة إلاّ وعاءً للرغبة والإنجاب، بل هي الأم والأخت والزوجة والصديقة التي تشاركه همومه وتعبه.
ومن هنا تنبع ضرورة صياغة قانون عصري يستوعب كل تلك المتغيرات في نظم التفكير والتعايش.
غير أن هذا الوضع على ما يبدو لم يرُق لصانعي المشروع، فهم يريدون للمرأة أن تعود أدراجها إلى القمقم التقليدي (البيت، الزوج، الأولاد) فقط لا غير، وأن يظلَّ الرجل عبداً لفتاويهم وتشريعاتهم التي أكل عليها الدهر وشرب، متجاهلين عن عمد الدستور بداية في جميع المواد التي ساوى فيها بين المرأة والرجل على أساس المواطنة فقط. كما تجاهلوا عن سابق إصرار وتصميم كل المعاهدات والاتفاقيات التي صادقت عليها سورية، بدءاً باتفاقية حقوق الإنسان، وصولاً إلى اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز والعنف ضد المرأة (السيداو)، مروراً باتفاقية حقوق الطفل التي يُحتفل هذه الأيام بمرور عشرين عاماً على توقيعها من قبل سورية حفاظاً على حقوق الطفولة في الرعاية والتعليم والصحة.
ولا ننسى أنهم تجاوزوا وتجاهلوا جميع الجهات ذات الصلة بالموضوع، وأولها هيئة شؤون الأسرة التي تهدف إلى النهوض بواقع الأسرة السورية، وهي مكلفة بوضع مشاريع قوانين تتوافق مع ما وقعّت عليه سورية من اتفاقيات وما وضعته من خطط واستراتيجيات تهدف إلى تطوير الأسرة بمكوناتها الأساسية (الخطة الخمسية العاشرة). كما تجاهلوا الاتحاد النسائي والوزارات المعنية، وأيضاً الأحزاب الموجودة على الساحة السورية، وبضمنها أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية. وفوق ذلك كله أنهم تجاوزوا كل الهيئات والناشطين والناشطات الذين رفضوا بإصرار مشروع القانون السابق. وكأنهم بذلك يعلنون عن رفض رأي المواطن السوري بقضايا تخص صميم حياته وعلاقاته اليومية. إنهم يرفضون كل الحريات والحقوق التي تعني المواطن والتي نص عليها الدستور السوري في العديد من مواده، وهم بذلك يريدون شلّ سورية وإبعادها عن كل إمكانات التقدّم والتطور والتحديث.
إيمان أحمد ونوس، (المشروع الجديد للأحوال الشخصية: تهميش للسوريين عموماً وللجهات المسؤولة ولجميع الناشطين والناشطات في الحقل الاجتماعي)
تنشر بالتعاون مع جريدة النور، (11/2009)
|