|
الأسرة السورية بين سكين الماضي وواجباتها الدستورية |
|
|
|
المحامي بديع وسوف
|
|
2009-12-26 |
ليس هناك أصعب من أن يحس المرء بأنه مصاب بالعقم الفكري وغير قادر على حل معضلة صغيرة عادية وسهلةّ! العادي والسهل هو صياغة قانون للأسرة السورية.. لكن ما نراه مقلق لجهة ما ذهبت إليه مشاريع الأحوال الشخصية المعدلة وكأنها تصفية حساب أو إثبات وجود بين عناصر الأمة الواحدة.
بالأمس تمت صياغة مشروع لقانون الأحوال الشخصية تعدى على التشريع السوري وتناقض مع الدستور والعصر فتم رفضه كما يليق بهكذا مشروع. والآن تتحفنا ذات لجنة الصياغة على ما يبدو بمشروع يريد أن يفصّل الوطن بمقاس طائفي دون أن يدري بأن الوطن أوسع أوسع وأشمل وأكبر من كل الطوائف فالوطن يتسع لكافة الطوائف بينما لا يمكن للطائفة أن تتسع للوطن وهذا بديهي ومعروف عرفا عاما ومن لم يعرف هذا فليس له أن يتنطح لمشروع وطني ومن يريد أن يدرس مشروع للوطن عليه ان يكون وطنيا أي يعيش الوطن في قلبه وعقله وإلا فلن ينجح.. وإذا نجح في إيصال هكذا مشروع ليصبح قانونا فلا بد أنه قانون طاغ يتعسف بحقوق المواطنين لدرجة أن هكذا مشروع يسحب الجنسية السورية عن مواطنين سوريين (من حيث النتيجة) وكأنه مشروع لقانون يفرضه المنتصر. إنه مشروع يستخف بالمواطنين دون استثناء ومن الغريب هذه اللجنة التي تعمل بالسر باسم الوطن.. والوطن والشمس سواء في الوضوح والعلنية والأغرب إصرارها على إصدار قانون ليس من اختصاصها ولا يملكون ملكات ثقافية قانونية وليس عندهم حدث صياغة مثل هذا القانون.
هناك فرق بين الوطن والطائفة التي تلون مواطنيه وأيضا هناك فرق كبير بين قانون للأسرة وقانون للأحوال الشخصية. فقانون الأسرة هو القانون الذي ينظم الأسرة التي تتألف من الزوجة والزوج والأبناء والتي هي بهذا المفهوم شخصية اعتبارية تتألف من مكوناته السابقة وتختلف عن شخصية كل منهم منفردا (فهي شراكة بكل معنى الكلمة)، وهذه الشخصية الاعتبارية هي التي اعتبرها الدستور الخلية الأساسية للمجتمع وتعهدت الدولة في حمايتها وإزالة العقبات أمام تطورها نظرا لتطور الزمن. أما قانون الأحوال الشخصية فهو القانون الذي ينظم حالة الشخص في الزواج والطلاق والوصية والإرث والنسب والحضانة والأهلية والنيابة وغيرها من الأحوال الشخصية الفردية (فهو قانون زواج أو تزوّيج الرجل وما ينتج عن هذا النكاح من آثار) وهذا مختلف عن اعتبارات الأسرة وشخصيتها وإن كانت الأسرة تضم ذات المواضيع إلا أن الخلاف بالمفهوم القانوني بينهما كبير ففي الأسرة لم تعد المرأة منكوحة أو موطوءة بل هي شريك حتى بالفعل الجنسي الذي يصبح فعل محبة لهما الحق في الارتواء معا أما في قانون الأحوال الشخصية فالكل تابع للزوج الذي يأتي زوجته متى أراد ولو غصبا عن إرادتها (اغتصابا) وله أن يتزوج أربع نساء بنفس الوقت ويطلق من يريد منهن متى شاء مع رعاية هذا القانون لحقوق الزوج في طاعة الزوجات والأبناء المطلقة له، وهذا يكرس الفردية السلبية تجاه المجتمع بينما في الأسرة يخرج العضو من وحشة التفرد ليصبح كائنا يمكن له أن يتشارك مع غيره في المجتمع (يصبح كائن اجتماعي) كما أن المرجعية في قانون الأحوال الشخصية هو للأحكام الشرعية أما المرجعية في قانون الأسرة هو للدستور والتشريع الوطني النافذ والواجب التطبيق.
ويظهر الفرق أيضا في المصلحة التي يريد القانون حمايتها فعندما تكون المصلحة هي الوصف الشرعي لحالة الشخص الفردية والحقوق التي تترتب على هذا المركز القانوني (لمكونات الأسرة) سواء للزوج أو للزوجة أو للأبناء تبقى المصلحة في حالة الفردية مهما كانت الأحكام التي استند إليها عادلة، وهذا لا يخدم المجتمع.. أما عندما يريد القانون حماية مصلحة الأسرة فهو لا شك سيحمي أعضاء هذه الأسرة مجتمعين ضمن حقوق كل عضو فيها باعتبار الأسرة الخلية الحية التي تحمل مسئولية تطور المجتمع فلا فرق بين زوج وزوجة إلا بما يقوم من دور إيجابي تجاه الأسرة.فهناك قوانين لحماية المرأة وحماية الطفولة (معاهدات التزمنا فيها) كما أن الزوجة دخلت منظومة العمل وأصبحت من أسس الاقتصاد الوطني.
وهذا الفرق لحظه القانون رقم 34 تاريخ 31/12/1975 الذي عدل قانون الأحوال الشخصية 59/1953 والذي نص في مطلع الأسباب الموجبة ((انطلاقا من أن الأسرة هي طليعة المجتمع الأساسية تكفلت الدولة بحمايتها بنص الدستور وأخذت على عاتقها حماية الزواج وتشجيعه وإزالة العقبات المادية والاجتماعية التي تعوقه وحماية الأمومة والطفولة. وانطلاقا من أنه من واجبات الدولة بنص الدستور أيضا أن تكفل رفع القيود التي تمنع تطور المرأة فضلا عن مساهمتها في تطور حياة المواطنين فإن قانون الأحوال الشخصية الحالي الصادر بالمرسوم رقم 59/1953 المنظم لقضايا الأسرة يغدو واجب التعديل بما يتفق وما وصل إليه ركب الحضارة بشكل يؤمن العلاقة العائلية بأحسن صورها أو رفعها..) وجاء بالأسباب الموجبة أيضا ((..- إن بعض الاجتهاد في التطبيق اتجه إلى حرمان الحاضنة من حقها في حضانة الصغير بحجة أنها تخرج للعمل. إن العمل لم يعد بالنسبة لشعبنا الذي يكافح من أجل تنمية ثروات الوطن مجرد حق للمواطن بل أصبح كذلك واجبا عليه لم يفرق المشرع فيه بالأصل بين الرجل والمرأة..).. هذا كان منذ 35 سنة بعدها تطور المجتمع بشكل مذهل مما يجعل من واجب المشرع أن يضع القانون المناسب لهذا التطور وليس كما هو مشروع قانون الأحوال الشخصية الطائفي المطروح الذي جاء مطابقا للقانون 59/1953 في معظم مواده نصا وحرفا وموضوعا. وأضاف بالمادة 314 نصا غريبا يقول: ((تطبق أحكام هذا القانون على مواطني الجمهورية العربية السورية سوى ما تستثنيه المواد التالية)) والغرابة في هذا النص يكمن في ناحيتين الأولى هي (مواطني) والثانية (الجمهورية العربية السورية) فالنظام الجمهوري والمواطنة تعني حكم الدستور الذي يساوي بين المواطنين فهو لا يقبل المنطق الطائفي أو منطق التمييز الطائفي والذي هو تمييز عنصري بكل معنى الكلمة فالجمهورية والوطن يلزمها قانون عصري لجميع السوريين..
وفي المادة 315والمادة 316 يخص (المواطنين) الدروز والمسيحيين ببعض الأحكام أو يضع قيدا غير مبرر على أحوالهم الشخصية كما يقول بالنسبة للمسيحيين يطبقون أحكامهم الدينية في الزواج والطلاق والخطبة وانفكاك الزواج والحضانة ونفقتها..ثم يأتي في المادة 318 ليلغي قوانين الأحوال الشخصية للمسيحيين وهي القانون 10 تاريخ 6/4/2004 (قانون الأحوال الشخصية للسريان الأرثوذكس) والقانون 23/2004 (قانون الأحوال الشخصية للروم الأرثوذكس) والقانون 31/2006 (قانون الأحوال الشخصية للطوائف الكاثوليكية) وذلك دون أي مبرر أو سبب قانوني بل يخلق فراغا قانونيا مقصودا. وإذا اعتقد صانعوا هذا المشروع بأنهم يشرعون (لمواطني الجمهورية السورية) نقول لهم ليس هكذا بالإكراه بل يجب أن ينبع القانون من الواقع المعاش وليس من الماضي أو المتخيل. وأي شيء يصدر باسم المجتمع يجب أن يخدم الوحدة الوطنية لا أن يعكر صفاء الأمة..
مما يجعله مشروع قانون طائفي بامتياز يطغى على حقوق المواطنين..فهو مشروع غير قانوني ولا يعلم صانعوه بالقوانين النافذة ومعارض للعصر ومتناقض مع الدستور ويهدم المكاسب التي وصل إليها المجتمع..
وهنا لابد من بعض الملاحظات:
1- سوريا من أوائل الدول التي وقعت على ميثاق الأمم المتحدة في عام 1945 كما أنها صادقت على معاهدات دولية لحماية الطفولة والمرأة. ومن المعروف بان التصديق على الاتفاقية الدولية يعطي المعاهدة قوة القانون الوطني ويعطيها الأولوية في التطبيق على القوانين السورية.وهذا نص المادة 27 من اتفاقية فيينا المتضمنة قانون المعاهدات الدولية والتي انضمت إليها سوريا بالمرسوم التشريعي 184/1980 ونصت المادة /25/ من القانون المدني السوري ((لا تسري أحكام المواد السابقة إلا حيث لا يوجد نص على خلاف ذلك في قانون خاص أو معاهدة دولية نافذة في سوريا)). وهنا المشروع يتناقض تماما معها ويذهب بعيدا عن القانون والمناخ القانوني ليكون مشروع فقهي طائفي لا علاقة له ولا لصانعوه بالقانون.
2- الدستور ساوى بين المواطنين وألغى كافة صور التمييز العنصري بين المواطنين وأعلن بأننا جزء من الإنسانية وعلينا أن نشارك البشرية في سموها وارتقائها وحمى الأسرة التي أصبحت ملكا للوطن تعيش بكنفه وليست ملكا للطائفية...
3- أثبت التطبيق عدالة وأهمية نهج القانون 34/1975 الذي عدل القانون 59/1953 ويجب أن يكمل التشريع تلك الخطوة العظيمة باتجاه الأسرة وحمايتها.
4- القانون 60/ل ر لعام 1936 والمسمى نظام الطوائف الدينية والذي لا يزال نافذا فالمادة 36 من قانون السلطة القضائية تنص: ((تبقى المحاكم الروحية للطوائف غير الإسلامية واختصاصاتها خاضعة للأحكام النافذة قبل القرار 60ل ر تاريخ 13/3/ 1936. وإن القانون 60/ل ر /1936 (وطني وليس طائفي) يحل مشاكل الأسرة وأحوالها الشخصية ويؤكد على حماية الدولة للطوائف وبنفس الوقت على الطوائف الدينية المعترف فيها احترام القوانين والنظام العام أما هذا المشروع فإنه لا يحترم التشريع السوري ولا يحترم النظام العام ولا الدستور ولم يحترم الطوائف الأخرى ولا الأحزاب ولم يحترم المجتمع ولا الدولة.
5- إنه مشروع غريب يحمل من الإعاقة ما يكفي لرفضه ومحاسبة صانعوه السريون والذين لا نعرف أحدا منهم ونعتقد أنهم بعيدين عن الواقع والوسط القانوني.
المحامي بديع وسوف، (الأسرة السورية بين سكين الماضي وواجباتها الدستورية)
خاص: نساء سورية
|