|
عفراء جابر حسن
|
|
2010-01-18 |
سر الحجاب يكمن في عادة عبرانية بدأ كمجرد إجراء وقائي لمكافحة العدوى وليس كما يظن البعض أنه فريضة دينية. ويرى الصادق النيهوم في كتابه أن الحجاب لم يصبح فريضة لها علاقة بالدين إلا على يد اليهود خلال الألف الثانية قبل الميلاد،
(إذ ذاك كان الكاهن العبراني الذي خرج وراء قطعانه من صحراء شبه الجزيرة, قد تطور في معابد مصر من ساحر بدوي يقاتل ملوك الجن بالتعاويذ, إلى كاهن في بدلة رسمية يتكلم باسم الله نفسه وقد عاد فسجل تراث العبرانيين من أوله في ضوء هذا الموقع الجديد حتى أصبح تاريخ اليهود هو تاريخ الحياة بأسرها وأصبحت عادتهم الصحراوية فرائض دينية كونية, وتحول عزل المرأة خلال فترات الطمث والولادة من فكرة بدوية نافعة إلى وصية سماوية في كتاب مقدس).
ومن المثير في هذا الرأي أنه يرى أن معلومات كل كتاب مقدس هي تلقائية غير قابلة للجدل, وهذا ليس بخطأ إذا كانت نهائية، أما إذا كانت مجرد صياغة فصيحة لأفكار المجتمع العبراني ولم يدر أن الأمراض تنجم عن الجراثيم بل يعتقد أن المرض عقاب للمريض على خطاياه واعتبر طمث المرأة عقابا إلهياً وسماه نجاسة, فاعتبار الطمث مرضا معديا هو السر الكامن وراء عزل المرأة بوصية إلهية.
من الملفت للنظر أن اختار الكاهن العبراني في ظروف العالم القديم عزل المرأة سبعة أيام من كل شهر "حتى تتطهر من دمها" وأمر بعزلها أربعين يوما إذا أنجبت ذكراً ورفع مدة العزل إلى ثمانين يوماً إذا أنجبت أنثى مثلها, وفي نهاية المطاف كان الكاهن قد حبس المرأة في بيتها أغلب أيام السنة بحجة أن الحجر الصحي فريضة دينية.
من الأساطير التي أحاطت المرأة:
أسطورة تعلن أن المرأة نفسها, مجرد مخلوق جانبي, صنعه الرب من ضلع آدم. وهي ترجمة سحرية لحكمة تريد أن تقول (مكان المرأة إلى جانب الرجل) أسطورة تعلن أن حواء هي التي أعطت آدم ثمرة محرمة وتسببت في طردهما من الجنة, وهي طريقة الساحر في القول بأن النشاط الجنسي خلال فترات الطمث مميت للمرأة والرجل معاً.
ضمن تلك الأحداث يرى النيهوم أن الكهنة قد ارتكبوا خطأ بديهي ومكشوف جداً. فقد نسوا أن المرأة التي (لعنها الرب) من وجهة نظرهم, تولد أولا طفلة بريئة وتموت بعد ذلك عجوزا بريئة. وأن الرب لا يلعن الأطفال والعجائز من النساء، ولا يوصي بعزلهن ولا يقول أن أجسادهن غير طاهرة! مما أربك نظرية لعن المرأة من أساسها وجعل شريعة العزل قاصرة فقط على المرأة (التي تحبل وتلد)! لهذا السبب لم يصبح الحجاب فريضة على الطفلة والعجوز بل اقتصر على المرأة التي تعيش سنوات الطمث.
وبما أن أجيال اليهود قد تعلمت من الكهنة أن مجرد النظر إلى جسد المرأة خطيئة كبيرة في عين الرب، فقد استجابت المرأة لهذا الموقف (الديني) بأن التزمت بيتها متعمدة أن لا تخرج للناس إلا داخل عباءة تغطي جسدها من الرأس إلى القدم لكي لا يضطر يهودي ورع إلى ارتكاب معصية.
بالنسبة للطمث لم يأمر القرآن بعزل المرأة في الجحر الصحي. بل أمر الرجل باعتزالها في الفراش فقط "فاعتزلوا النساء في المحيض, ولا تقربوهن حتى يطهرن" سورة البقرة 222.
بالنسبة لاستكمال الطهارة ألغى القرآن شريعة تقديم القرابين التي كانت مفروضة على المرأة لكي تستكمل طهارتها وبذلك أنهى وصاية الكهنة على جسد المرآة والرجل معاً. فأصبحت الطهارة هي النظافة, وتحررت هذه الكلمة النافعة من معناها الأجوف وصارت وصية عملية لالتماس الطهارة في الغسل بالماء (وإن كنتم جنبا, فاطهروا) سورة المائدة6.
منذ مطلع القرن الهجري الأول كان موضوع الطمث قد أعيد إلى (خانة النجاسة) من جديد, فتحولت المرأة المسلمة إلى امرأة (غير طاهرة) مرة أخرى وعمد الفقهاء إلى إبطال صلاتها وصيامها طوال أيام المحيض.
بعد ذلك أصبح عزل المرأة المسلمة فريضة في أصل الشريعة. تحولت المرأة إلى (حرم) لا يراه سوى الأقارب. صار النظر إلى جسدها خطيئة وتصاعدت هذه الحرب ضد المرأة إلى حد جعل مجرد لمس يدها (نجاسة) تنقض الوضوء.
استند حجاب المرأة في منهجه على أن يقنع المرأة نفسها بقبول هذه الشخصية، وهي كارثة تحققها فكرة الحجاب على ثلاث مراحل. الأولى تتعلم الطفلة أن أقوال السحرة نصوص مقدسة, وأن السحرة يقولون أن الطمث نجاسة يلزم عزلها. الثانية تكبر الطفلة لكي تصير شابة تتعلم أنها شخصيا قد أصبحت نجسة وبات عليها أن تدخل في الحجاب. الثالثة تكتشف المرأة المحجبة أن الحياة وراء الحجاب مجرد نوع من الموت العلني في عالم خاو ومفرغ علمياً من معنى الحياة, وهو اكتشاف لا تستطيع المرأة أن تواجه أبعاده بأي قدر من النجاح, إلا إذا عبرت الخط الفاصل, وماتت سرا من دون أن تعرف أن الحجاب فكرة فظيعة إلى هذا الحد, فالمرأة المحجبة لا تخفي نفسها كالطفل داخل عباءة, لأنها امرأة مسحورة, تعرضت لحرب نفسية رهيبة, شنها السحرة ضدها طوال ثلاث آلاف سنة ضمن خطة تربوية مكتوبة بلسان أكبر ساحر في العالم.
وقد نجم عن هذا الضغط الهائل شل عقل المرأة وتدنيس جسدها وأتاح إدانتها شرعياً بأنها (ناقصة عقل ودين) وأحالها إلى مخلوق مريض في حاجة ماسة إلى رحمة الله أن الحجاب فكرة فظيعة إلى هذا الحد.
عفراء جابر حسن، (الإسلام في الأسر)
خاص: نساء سورية
|