|
المؤتمر الدولي الأول للتنمية في سورية: الاعتراف بـ"المدني" خطوة أساسية إلى الأمام |
|
|
|
بسام القاضي
|
|
2010-01-27 |
من نافل القول أن المنظمات التي لم تحظى بـ"رعاية كريمة" من قانون "تدمير الجمعيات" الذي تقوم على تنفيذه وزارة الشؤون الاجتماعية العمل، لم يكن لها مكان في مؤتمر كان يجب أن يتجاوز "البروتوكولات" بما أنه مخصص للتنمية، حيث لكل شكل من العمل المجتمع أحقيته الكاملة بالوجود والمشاركة.
إلا أن ذلك لا يغطي على أن هذا المؤتمر، خاصة كلمة السيدة أسماء الأسد، حملت العديد من النقاط الإيجابية التي "تبشر بالخير"، والتي نعتقد أنه حان الوقت فعلا لكي تغير الحكومة السورية من رؤيتها الأحادية والمتخلفة تجاه المجتمع المدني، وتتبنى الرؤية الديمقراطية العصرية التي تقول أن المجتمع المدني هو شريك للحكومة، ولكنه شريك ناقد مستقل، لا شريك تبعية وخنوع.
أول هذه النقاط هي الاعتراف، وللمرة الأولى على المستوى الرسمي السوري، بـ"المجتمع المدني"، بتوصيفه الأكثر دقة ومصداقية، أي جميع أشكال التنظيم المجتمعي التي لا تديرها الحكومة، وتنبذ العنف. وهو المصطلح الذي تعرض للكثير من التشويه خاصة خلال العقد المنصرم، إذ عملت جميع الجهات على تشويهه، بدءا من حصره بالمستوى السياسي، وليس انتهاء بحملة تشويه منظمة قامت بها الحكومة لإظهاره كما لو أنه يعني "المعارضة" لنظام الحكم! وهو الأمر الذي كان لمرصد نساء سورية (وغيره من القوى المجتمعية في سورية) دورا كبيرا في تغييره خلال السنوات الماضية، عبر العمل المستمر لتوضيح أن المجتمع المدني ليس بالضرورة معارض لنظام الحكم (في سورية أو في غيرها)، وأنه لا يجوز أن تسمى الجمعيات في دولة حديثة بـ"المجتمع الأهلي"، حتى الخيرية منها. والخيرية هي جزء أساس من المجتمع المدني، لا يقلل من أهميتها وضرورة وجودها الثغرات والعثرات الكثيرة التي تعانيها، والتي يعود معظمها إلى قانون "تدمير الجمعيات" سيء الصيت، وتعليماته التنفيذية، والقراقوشية التي تنفذ فيها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل هذه التعليمات.
فقد قالت السيدة أسماء في كلمتها الافتتاحية: "يلعب المجتمع المدني دوراً متزايد الأهمية في دعم عملية التنمية في العالم.."، وهو تعبير لا تنتقص من أهمية استخدامه ورود صفة "الأهلي" مرات عدة في كلمة السيدة أسماء، ولا أن صفة "الأهلي" هي التي استخدمت في العنوان الفرعي للمؤتمر: "دور المجتمع الأهلي في التنمية".
الاعتراف بأن المصطلح الصحيح هو "المجتمع المدني"، وليس "المجتمع الأهلي"، وإن لم يكن بشكل مباشر، يشكل خطوة إيجابية بالغة الأهمية. فقد كتب الكثير عن الفرق بين الإثنين. ويمكن تلخيص ذلك بأن الأهلي هو ما قبل المدني. وأن المدني هو المرتبط بالدولة الحديثة والمواطنة. فيما الأهلي هو المرتبط بالتقسيم الطائفي والعشائري والأسري.
من جانب آخر، أكدت السيدة أسماء أن الحكومة السورية قامت "بإعداد قانون جديد للجمعيات والمؤسسات غير الحكومية بالتعاون مع ممثلي القطاع المدني، وهو الآن في المراحل الأخيرة من الدراسة مع الجهات المعنية". وأشارت إلى أن هذا القانون "سيمكن من تحقيق نقلة نوعية في هذا القطاع".
مضيفة أن هذا المشروع سوف "يهيئ لمرحلة عمل مقبلة تتفق وطموحاتنا، ولا بد أن تتوافق الإجراءات التنفيذية المرافقة مع جوهره وتوجهاته لكي يحقق الأهداف التي وضع من أجلها". ومشيرة إلى أن عدد الجمعيات المرخصة في سورية قد ازداد بنسبة 300% خلال السنوات الخمس الماضية.
منذ سنوات أربعة والمجتمع المدني السوري يعلي الصوت من أجل قانون جمعيات جديد عصري وديمقراطي ويواكب ما يحتاجه المجتمع السوري في تطوره المستمر. إلا أن وزارة الشؤون الاجتماعية العمل، ومَن خلفها، عملوا بكل طاقتهم لكي يبقى القانون وتعليماته التنفيذية على حالها. ما قالته السيدة أسماء مثير للتفاؤل حقا، خاصة إشارتها إلى "التعليمات التنفيذية" الكفيلة بالقضاء على أي نص جيد في أي قانون. لكن ذلك وحده لا يكفي. فأي قانون في ظل وزارة مثل هذه الوزارة لن يستطيع أن يفعل شيئا مهما. عدا عن السؤال القديم نفسه: لماذا لا يطرح هذا المشروع على الملأ ليعرف الجميع ما يجري النقاش حوله؟ لماذا حرصت الوزارة على أن تجعله قانونا "سريا"؟! هذا مبعث قلق حقيقي. المشاكل الأساسية في القانون الحالي (وهو كله مشاكل من مستويات مختلفة) تدفع للمزيد من التخوفات. خاصة لجهة السلطة المطلقة للوزارة في عمل الجمعيات، بدءا من قدراتها المطلقة على حل مجلس إدارتها، وحلها نفسها.. وليس انتهاء باشتراط موافقتها على كل حركة تقوم بها. وطبعا، وخاصة، أن الوزارة هي الخصم والحكم في أي مشكلة تقع بين الجمعيات والوزارة.
وأما أن عدد الجمعيات قد ازداد بهذه النسبة، فهذا صحيح بالتأكيد. لكنه لا يعطي مؤشرا دقيقا عن واقع الترخيص للجمعيات في سورية. إذ ما تزال الوزارة هي من يتحكم في أية جمعية ترخص. وبناء عليه لم يتم الترخيص إلا نادرا لجمعيات "مدنية" بالفعل. وسبق أن تحدثنا مرات عديدة عن رفض الوزارة للترخيص للعديد من الجمعيات في مجالات مهنية أو المرأة، أو حقوق الإنسان.. بدعوى أنه لا حاجة لها. وبالتالي فإنه لا بد من الأخذ بالحسبان أن يكون قانون الجمعيات الجديد ديمقراطي فعلا. وأن يعيد الحق إلى أصحابه، أي أن يعيد سلطة نزع الترخيص للقضاء المدني المستعجل حصرا، وأن يعيد مبدأ حق الإشهار لكل جمعية تستوفي الشروط ولا تتبنى العنف أو التفرقة الطائفية أو ما يشابهها من محظورات، دون أن يكون للوزارة أية سلطة على منع ذلك إلا عن طريق القضاء حصرا.
إذا، حملت كلمة السيدة أسماء الأسد في افتتاح المؤتمر إشارات هامة فعلا، لا يسعنا إلا أن نأمل أنها ستلقى الاهتمام اللازم لكي تساعد المجتمع المدني على النهوض فعلا بدوره، ليس فقط في التنمية الاقتصادية، وإنما في تطور المجتمع ككل، وفي تعزيز المواطنة، وخاصة في مناهضة العنف والتمييز ضد النساء السوريات، هذا العنف والتمييز الذي يشكل أول وأهم الثغرات في كل عمل يهدف إلى التنمية. والسيدة أسماء هي من قالت قبل نحو عام وبضعة أشهر، في افتتاح المؤتمر الثاني لمنظمة المرأة العربية الذي عقد في الإمارات: "لا يكون الوطن آمنا ونصفه غير آمن".
بسام القاضي، افتتاحية نساء سورية، (المؤتمر الدولي الأول للتنمية في سورية: الاعتراف بـ"المدني" خطوة أساسية إلى الأمام)
خاص: نساء سورية
|