|
اختلال العالم... من قبائل القلق إلى مدنيَّة الاستقرار |
|
|
|
أيهم أسد
|
|
2010-02-06 |
دخلنا القرن الجديد بلا بوصلة، بهذه العبارة الموجزة، يبدأ أمين معلوف كتابه "اختلال العالم، حضاراتنا المتهافتة"، ليقول لنا، إن عالم اليوم بات يعاني اختلالاً فكرياً، ومالياً، وجيوسياسياً، وأخلاقياً، ومناخياً، وليتساءل منذ صفحات كتابه الأولى، سؤالاً وجودياً عما إذا كان الجنس البشري قد بلغ "عتبة قصوره الأخلاقي" وبات يتراجع بدل أن يتقدم.
"اختلال العالم" هو كتاب القلق البشري، الذي يحيل الذهن إلى التفكر بما وصلت إليه البشرية من تناقضات تكاد تكون كارثية، تناقضات قد تحول شعوب العالم مستقبلاً إلى نمط جديد من "القبائل"، يخشى أمين معلوف أن تتقاتل، وتتبادل البغضاء فيما بينها، في الوقت الذي تتغذى فيه أكثر فأكثر بحساء ثقافي واحد، تتناوله من صحن العولمة، وهذا ما سيكون ناتجاً بدرجة أساسية عن ضياع الرؤية المشتركة لشعوب العالم، والإغراق في المصالح والرؤى الفردية، ولكن مقابل ذلك النمط الكوني المتشائم والمتوقع، يوجد من وجهة نظر أمين معلوف نمط كوني مستقبلي آخر للبشرية أكثر تفاؤلاً، قائم على رؤية مشتركة لمصير عالمي مشترك، مترافق مع تنمية التعابير الثقافية الأكثر تنوعاً، والأكثر غزارة، مع المحافظة على كل اللغات، والتقاليد الفنية البشرية المتنوعة.
يتحدث كتاب"اختلال العالم" عن موضوعات كثيرة، تبدو للوهلة الأولى أنها منفصلة عن بعضها البعض، فشيء ما عن الاحتلال الأمريكي للعراق، وشيء آخر عن معاناة الأقليات واضطهادها، وشيء ثالث عن المرحلة الناصرية وأثرها على العالم العربي، وأشياء كثيرة أخرى عن أزمة الشرعية وأنظمة الحكم العربية، والإسلام السياسي، وصراع الحضارات، ودور الولايات المتحدة العالمي، وغيرها الكثير، لكن جميعها محشورة بكبسولة القلق الوجودي، الذي يصر معلوف على تقديمه كل لحظة للقارئ الذي قد يتفق أو يختلف معه حول الكثير من القضايا المطروحة.
وبنظرة مثالية تسود بعض صفحات الكتاب، يعتقد أمين معلوف، أن العالم مصيره واحد، فالكل يسير نحو الهاوية التي حفرها الجميع للجميع، وعند هذه النقطة/الهاوية يتساوى في تفكير الكاتب مصير كل من القاتل والمقتول، الضحية والجلاد، والجميع سيدفع الفاتورة ذاتها، فجميع شعوب الأرض في مهب العاصفة بشكل أو بآخر، سواء كنا أغنياء أو فقراء، مستكبرين أو خاضعين، محتلين أو تحت الاحتلال، فنحن جميعاً على متن زورق هزيل، سائرين إلى الغرق معاً، لكننا مع ذلك لا نكف عن تبادل الشتائم والمشاحنة غير آبهين لتعاظم أمواج البحر. لكن السؤال الأكثر خطورة والذي لم يجب عليه معلوف هو: من صنع العاصفة؟ ومن يملك طوق النجاة إن غرق الزورق يوماً ما؟
وفي نظرة قد تكون وحيدة الاتجاه فلسفياً، لكنها مرتبطة برغبة الارتقاء الحضاري إلى ما هو أبعد من الحضارة السائدة اليوم، يعتقد أمين معلوف أن البشرية وصلت إلى طريق مسدود واستنفذت ذاتها، وباتت بحاجة إلى نموذج إنساني، وأخلاقي، وقيمي بديل، لتصحيح انحرافات الحضارة الراهنة، ويقول في ذلك صراحة: إن هذه الحضارات الجديرة بالتبجيل وصلت إلى حدودها، ولم تعد تجلب إلى العالم إلا تشنجاتها المدمرة، وأنها أفلست أخلاقياً أسوة بكل الحضارات السابقة، وأن الوقت قد حان للارتقاء إلى ما فوقها، فإما أننا سنعرف كيف نبني في هذا القرن حضارة مشتركة يقدر كل فرد أن يتماهى معها، حضارة ترسخها قيم عالمية، ويرشدها إيمان قوي بالمغامرة البشرية، وتزيد من ثرائها كل تنوعاتنا الثقافية، وإما أن نغرق جميعاً في بربرية مشتركة، وهنا يبرز مرة أخرى التعاطي الفلسفي المثالي مع قضية التغيير الحضاري المعقدة جداً.
ويعتقد أمين معلوف، أن اختلاف السرعات بين التطور المادي والأخلاقي يشكل في الحقيقية عقبة كأداء أمام تطور الحضارة البشرية، فتطور أخلاقنا وقيمنا أبطأ بكثير من تطور أدواتنا المادية، وبالتالي، فإن ما نشكو منه هو الهوة المتزايدة عمقاً بين تقدمنا المادي السريع، الذي يزيدنا خروجاً من عزلتنا كل يوم، وبين تقدمنا الخلقي البطيء الذي لا يسمح لنا بأن نواجه العواقب المفجعة لهذا الخروج من العزلة، وهذا التناقض برأي أمين معلوف هو أحد أهم المشكلات التي يقع على عاتق البشرية حلها في المستقبل.
بقدر ما يثير كتاب "اختلال العالم" الشعور بالقلق تجاه الحالة الحضارية التي نعيش فيها، فإنه بالوقت ذاته، يثير حالة من الاختلاف مع ما يطرحه الكاتب من أفكار حول العديد من القضايا المتداولة فيه، وهذه مسألة طبيعية، تتعلق باختلاف أنماط التفكير ومرجعياتها، واختلاف النظر إلى العالم، وآلية التفاعل معه، واختلاف الرؤية في طريقة تغييره.
"اختلال العالم"، كتاب من إصدار دار الفارابي اللبنانية، صدرت الطبعة العربية الأولى منه عام 2009، ترجمة ميشيل كرم، ويقع الكتاب في 311 صفحة من القطع المتوسط.
أيهم أسد، (اختلال العالم... من قبائل القلق إلى مدنيَّة الاستقرار)
خاص: نساء سورية
|