داغستان.. يا ملحمتي الغرنوق العاشق

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

في الثالث من تشرين الثاني من عام 2003 رحل عن هذا العالم المثقل بالعنف والكراهية شاعر أمضى معظم حياته وهو يمجّد الحب والجمال والتآخي بين الناس في مختلف أرجاء العالم.. رحل رسول حمزاتوف بعد أقل من شهرين من احتفاله والملايين من محبيه والمعجبين بأشعاره في الاتحاد السوفييتي السابق وفي العالم قاطبة بعيد ميلاده الثمانين..

أيها العابر، لا تدق الباب، أصحابَ البيتِ لا توقظ.
إذا جئتَ تحملُ الشرَّ ـ ارحلْ، إذا كنت تحمل الخير ـ ادخلْ.
رسول حمزاتوف

" الإنسان بحاجة لسنتين ليتعلم الكلام، ولستين سنة ليتعلم الصمت... "، الغرنوق العاشـق
بمناسبة الذكرى الرابعة لرحيل رسول حمزاتوف في 3 تشرين الثاني

 ثمانون عاماً - قضى أكثر من ثلاثة أرباعها ينشد الشعر ويغني لبلده داغستان ولوطنه الكبير الاتحاد السوفييتي، تلك البلاد الشاسعة التي كان الناس يعيشون فيها ويتنقلون في أرجائها دون أن يكترث أحد لانتمائهم القومي أو العرقي وبشكل أخص لمذهبهم أو للاسم والكنية كما هو حاصل الآن، للأسف.. حمل معه، في قلبه، بلده الصغير داغستان أينما حلّ، تغنى بجباله وبسهوله ووديانه، بعادات أهله وتقاليد شعوبه – فدخلت مع أشعاره إلى عشرات الآلاف من البيوت في مختلف أنحاء الدنيا، وصارت أمثاله وحكمه ترددها الملايين من شبان وشابات البلدان، التي ترجمت أشعاره إلى لغاتها وهي كثيرة جداً.
مَن منا لم يقرأ كتابه " داغستان بلدي "؟ مَن لم يحفظ العديد من الأقوال التي أوردها رسول حمزاتوف على لسان البطل القومي للشعب الداغستاني شامل ولشاعر الشعب في داغستان تساد أسا - والد رسول - أو للمطرب الشعبي محمود؟:

" ليست هناك أمّ لا تجيد الغناء "!
" الإنسان بحاجة لسنتين ليتعلم الكلام، ولستين سنة ليتعلم الصمت. أما أنا فما زلت في منتصف الطريق ".
" الفتى غير العاشق - لا يحق له كتابة الأشعار "!

هناك الكثير من أشعار رسول تنتظر الترجمة إلى العربية، بما فيها الرباعيات والثمانيات والملاحم:

لكي يتحول القرد إلى إنسان
تطلب الأمر ليس قرناً، بل كل الأبد.
ولكن بلحظة واحدة، يا للغرابة،
يمكن أن يتحول الإنسان إلى قرد.
 
***
إلى مترجم ليرمنتوف إلى اللغة الآفارية

لقد حولّتَ النمور إلى قطط منزلية،
وبذلك سيجعلك مشهوراً هذا العار،
أن ليرمنتوف، لحزن جميع الآفاريين،
قُتِل على يديك، كما قتله مارتينوف1.

غادر رسول حمزاتوف الدنيا بعد أن شهد انهيار الاتحاد السوفييتي، ورأى بأمِّ عينه كيف إن الاقتتال والكراهية صارا عنوان المرحلة التالية لتلك الكارثة الإنسانية بكل المعايير – كما عبّر عن سقوط الاتحاد السوفييتي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أكثر من مناسبة.
كما شهد رسول انتشار وباء الطائفية والمذهبية وتفشي ظاهرة الاقتتال على أساس قومي وعرقي في بلده داغستان، التي طالما حمل همومها وصدح في قاعات الدنيا أمام حشود الناس من مختلف الأمم رافعاً رايتها عالياً. بل أكثر من ذلك، كم عانى رسول حمزاتوف قبل رحيله من محاولات المساس بتاريخه ومن الطعن ومختلف أنواع الاتهامات تارة بالإلحاد وتارة بعدم الوفاء لشعبه / كذا /؟! وكم آلامه أن يتحول الكتاب والشعراء في بلد عظيم – الاتحاد السوفييتي السابق - إلى متسولين، ليسرق " الديموقراطيون الروس الجدد " كل ما أنجزته شعوبه وقومياته خلال عقود من التضحيات والجهود الجبارة.
نعم لقد كان رسول حمزاتوف شاعراً أممياً بامتياز، بل أكثر من ذلك: لقد كان آخر فرسان هذا العصر.
 وكم نحن بأمس الحاجة الآن لشاعر أممي بحجم رسول يغني للسلام والأمل، للحب والجمال " يا عشاق العالم اتحدوا ". وكم نحن بحاجة لشاعر رومانسي بقامة رسول يمجّد العشق – عشق المرأة والوطن..
لقد قدّم لنا حمزاتوف صنفاً خاصاً من العشق للوطن نفتقده جداً عند شعرائنا.

" عقيدة " رســول*

كلنا سنموت، لن نعيشَ إلى الأبد،
هذا معروف وليس بجديد.
لكننا نحيا كي تبقى لنا ذكرى:
بيتٌ أو طريق، كلمةٌ أو شَجَرَةْ.

لن تنضب جميع الجداول،
والألحان لا تموت كلها مع الوقت،
كما الجداول تضاعف في قوة النهر،
بالأغنية يُعلي اسمَنا المجد.
***

داغستان، يا ملحمتي، كيف لي
أن لا أصلّي من أجلك،
أن لا أحبك،
وهل يمكنني أن أطير بعيداً
عن سرب الغرانيق في سمائك؟

داغستان: كل ما أعطاه الناس لي،
أتقاسمه بالعدل معك،
أوسمتي وجوائزي
سأعلقها على قممك.

لك سأكرس الأناشيد العالية
والكلمات، وقد صيغت أشعاراً،
فقط اهدني " رداء2 " الغابات
وباباخا (3) الجبال الثلجية!

***
أنت، حيناً، كما السفاح،
دون أن تنطق أحكاما طويلة،
في الساعة الحاسمة،
باحتفالية تحرمنا الحياة ـ
مذنبين وبريئين: الكل سوية.

لكن منذ القِدم يوجد قانون،
أن يَسألََ عن آخر رغبة -
مَن استحقوا القصاصَ -
السفاحُ، قبل أن يُنزِل الفأس.

إلى ماذا أتوق أكثر من أي شيء؟
عشتٌ عمري، فماذا عساي أتمنى أكثر؟
نزعة إلى الحب ـ هذه هي كانت
إرادتي الأولى - وهي الأخيرة.


فلتعلن حكمها في ساعة الحساب الحياة،
فأنا قلتُ وفعلتُ كل ما استطعت.

*****

ما كان رسول حمزاتوف ليكون قوقازياً حقيقياً، لو لم تكن الملاحم العظيمة لديه تختتم بنكتة مباغتة، كما هو الحال عند التامادا4 – الحكيم والمحنك عندما يعلن الأنخاب حول المائدة.
 كورنيه تشوكوفسكي
 (كاتب وناقد سوفييتي)

لقد منحت الطبيعة حمزاتوف موهبة سخية ومتنوعة، وكذلك نظرة شاملة وحنونة إلى العالم.
 جينكيز أيتماتوف
(كاتب سوفييتي معروف،  صاحب رواية " وداعاً، غولساري ")

1- الغرانيق

يبدو لي أحياناً، أن الجنود،
الذين لم يعودوا من المعارك الدامية،
لم يدفنوا في ترابنا يوماً قط،
بل تحولوا إلى غرانيق بيض.

وهم منذ تلك الأيام البعيدة وحتى الآن
ما زالوا يطيرون ويبعثون إلينا النداء.
أليس لهذا غالباً ما نصمت
بحزن ونحن نتطلع إلى السماء؟

واليوم، في وقت المغيب،
أرى عبر الضباب، كيف إن الغرانيق
تطير في انتظامها المعهود،
كما كان الجنود في الأرض يمشون.

تطير وتختتم طريقها الطويل
وهي تستدعي بعض الأسماء.
أليس لهذا ومنذ الأزل تشبه
اللغة الآفارية نداء الغرانيق؟

يطير ويطير في السماء سرب تعِبٌ –
يا أصدقائي السابقين وأحبائي.
وثمة في رتله فراغ صغير –
ربما، هذا المكان يعود لي!

سيحين يوم، وسوف أطير
مع سرب الغرانيق في مثل هذه الظلمة الزرقاء،
منادياً بصوت الطيور من تحت السماوات
جميع أولئك الذين تركتهم على الأرض.

 ***
2- ما الذي بقي، أخيراً؟

كم سقطت خلافات،
كم إمبراطورية غابت،
والسلالات تبدلت،
وكل شيء تغير مئات المرات..
فما الذي بقي، أخيراً،
سوى " أحبُّ " و" أؤمن "؟
ما الذي بقي، أخيراً،
سواك يا فاتِمات5؟

دول انهارت،
بدأت المحيطات تجف،
اتلانتيدا - تحت الأمواج
ولن يعود شيء للخلف.
فما الذي بقي، أخيراً،؟
فقط الماء بل والنار..
ما الذي بقي، أخيراً –
سواك يا فاتِمات؟

جنكيزخان، تاميرلان،
بونابرت - كلهم غابوا،
كما الرمل المذري، الزمن
طواهم بلا استثناء...
فما الذي بقي، أخيراً،
سوى اللطف والأغنية؟
ما الذي بقي، أخيراً –
سواك يا فاتِمات؟

والفضاء العظيم6
اهتز وانقسم...
ليت العَزْم كان كافياً
ليكون كل شيء على ما يرام!..
فما الذي بقي، أخيراً –
مهد وقبر؟
ما الذي بقي، أخيراً –
سوى أنت، فاتِمات؟

على الأرض، المحروقة مائة مرة –
تتمزق السماء هباباً:
كم من الألم، كم من الدم
جرى هنا، عبر قرون متواصلة...
ما الذي بقي، أخيراً –
عدا النهار وعدا الليل؟
ما الذي بقي، أخيراً –
سواك يا فاتِمات؟

لا تقلقوا بشأني،
هكذا هي الدنيا،
لا بد من الوداع –
لا مفرَّ من الفقدان...
سأغادر، لكن قبل ذلك
املئوا الكأس لي –
سأشرب حياتي حتى الثمالة...
و لتبقى في الدنيا
وحدها فاتِمات.

***

3 - إذا كان ألف رجل في العالم
 
إذا كان ألف رجل في العالم
مستعدين لأن يتقدموا لخطبتك،
فاعلمي، أنه بين هؤلاء الألف رجل
أكون أنا – رسول حمزاتوف.
 
و إذا ما أغُرِم بك منذ زمن بعيد
مائة رجل دماؤهم تجري كالهدير،
فليس بالغريب أن تكتشفي بينهم
جبلياً اسمه رسول.
 
و إذا ما أُغرم بك عشرة
رجال حقيقيين،
 دون أن يخفوا نيران حبِّهم،
فمن بينهم، وأنا أهلل جزعاً،
سأكون أنا أيضاً – رسول حمزاتوف.
 
و إذا جُنَّ بك واحد فقط،
يا مَن لا تهوى الوعود،
فاعلمي، أنه جبليٌّ
من قمم الضباب باسم رسول.
 
و إذا لم يغرم بك أحد
و حزنتِ أكثر مع أمسيات الغروب،
فاعلمي أنه في السفح البازلتي
للجبال قد دُفِن رسول حمزاتوف.
 
***
4- ورود شيراز

إلى ميرزو طورسون – زاده7


تكلل كَرْمةُ الأشعار
صدرَ كلِّ قَرن.
أنت تذكر، يا ميرزو،
كيف إن ورود شيراز
ودّعتنا وإياك عند الرحيل.

قد يكون، لا تُحسَد قسمة غيرها،
حيث قبة الصبح مليئة بالزهور.
و مهما انقضى من وقت عليها،
فإن حافظ8 لن يدعها تذبل.

ها قد تصاعدت فوق المدينة أولى العواصف الرعدية
و راحت تحلّق أوائل الخطاطيف.
إنك تذكر، يا ميرزو، كيف إن الورود
بدَت كما لو لبست الخُمر وهي تودّعنا.

راحت تهمس لنا:
 " من الإثم العجلة،
لتؤجّلوا سفركم ولو ليوم واحد.
و ستنكشف وجوهنا أمام ناظركم،
كما لو أنها أجمل عرائس شيراز.

صدٌقني، يا ميرزو،
كنتُ قادراً لأن أمتِّع ناظري بجمالها
منذ الفجر وحتى المغيب.
آه، يا ورود شيراز!
و قد تغنّى بها حافظ يوماً،
فإنه لن يسمح لها أن تذوي!

***
5- مِن أين أنتِ، أيتها الفتوة؟

مِن أين أنت، أيتها الفتوة؟ "
" أنا من كل صوب! "
" مَن ستكونين للعالَم؟ "
" سوف أكون يوم الغد ".

" وأين تبنين أعشاشك؟ "
" على جروف الأمل ".
" ومن هم الغرباء عنك؟ "
" الأغبياء والجُّهال ".

ومَن هم، أيتها الفتوة،
أبطالك في الحياة؟ "
" أحرار جميع البلدان
من أيام طروادة! "

" بماذا تشتهر
دروبك في الدنيا؟ "
" ليست شديدة الانحدار ,
وليست مطروقة جداً ".

" وأين تبدأ
دروبك تلك؟ "
" هناك، حيث ترك
الآباء آثار أقدامهم "

" بماذا يُقارَنُ الحب لديك
في وقتنا الحاضر؟ "
" إنه يشبه
النار الخالدة ".

" والكراهية إذن بماذا تقارن –
مع اليوم الذي مضى؟ "
" لا، هي أيضاً تشبه
النار الخالدة ".

" لأية قبيلة،
تنتمين أيتها الفتوة؟ "
" أنا ابنة أصيلة
لشعبي الأصيل "!

" وأية لغة تتكلمين،
أيتها الفتوة؟ "
" أتكلم اللغة، التي
لا وجود فيها للنميمة

تلك اللغة، التي
لا يوجد فيها تملّق ".
" وبماذا تشتهر لغتك؟ "
" بأصول الشرف! "

" وما هي الأنشودة، التي
لا تفارقك؟ "
" حيث تتناغم الرقة
مع الرجولة! "

" وما حاجتك لذلك؟ "
" ليكون الغناء من القلب! "
" وهل ستظلين فتية
لفترة طويلة؟ "
" إلى الأبد! "


1 مارتينوف – زميل ليرمنتوف الذي دعاه إلى المبارزة على أثر سخرية رماها بوجهه ليرمنتوف.. وقد توفي ليرمنتوف من جراء الجروح التي أصيب بها في تلك المبارزة. المترجم
2 المقصود هنا هو المعطف المصنوع من اللباد والذي يلبسه الفارس أو راعي الماشية في شمال القفقاس ويعتبر بمثابة الزي القومي المميز في مناطق القفقاس. المترجم
3 - الباباخا – غطاء للرأس مصنوع من اللباد في مناطق القوقاز. المترجم
4 - التامادا – الكلمة في الأصل من اللغة الجورجية.. حسب التقليد هناك شخص يتم اختياره من قبل المشاركين في مناسبة اجتماعية معينة ويقوم بتوزيع الأدوار حول المائدة (تقديم الحضور وتوزيع الكلام على الحاضرين، كما يقوم بدور الراوي للنكات وبإضفاء طابع المرح والبهجة لإكساب المناسبة طابعاً سعيداً) – المترجم.
5 فاتِمات – زوجة الشاعر...
6 المقصود الاتحاد السوفييتي السابق – المترجم
7 ميرزو طورسون – زاده (1911- 1977) شاعر سوفييتي من جمهورية طاجيكستان السوفييتية السابقة.. تميزت أشعاره بالنزعة الأممية.. المترجم
8 حافظ – المقصود الشاعر الفارسي الكبير حافظ الشيرازي. المترجم


تقديم  وترجمة: إبراهيم استنبولي- (داغستان.. يا ملحمتي الغرنوق العاشق)

خاص: نساء سورية

أضف تعليق


كود امني
تحديث

معلومات إضافية