افتتاحية المرصد

نقلت صحيفة "القدس العربي" عن "مصادر قانونية رفيعة" في سورية أنه "يجري العمل على تعديل وربما إلغاء إحدى المواد الخلافية (192) من قانون العقوبات السوري". ولم يسعنا أن نتأكد من أنه يجري هذا العمل فعلا أم لا.

لكن ما نود قوله بهذا الصدد أن تجربتنا مع الحكومة السورية لا تبشر بخير. فقد أثبتت معاداتها الأصلية للمرأة السورية، ودأبها الدائم على تشريع كل ما يحط من قيمتها ويؤيد العنف ضدها.

فمن مشروع قانون الأحوال الشخصية في نسخته الطالبانية الأولى، إلى نسخته الثانية التي تريد تثبيت تشريع وضع في القرن الثامن عشر لنساء سورية في القرن الواحد والعشرين! إلى التعديل الشكلاني وفارغ المضمون للمادة العار 548 من قانون العقوبات السوري، (التعديل الذي حمل اسم المرسوم رقم 37 لعام 2009)، إلى رفض إزالة التحفظات على اتفاقية مناهضة كافة أشكال العنف ضد المرأة، إلى الرفض المزمن لإقرار حق المرأة السورية بمنح جنسيتها لإطفالها، إلى الرفض الغريب لإقرار حق الحاضن بسكن طيلة مدة حضانتها.... الخ.. في هذه المسيرة الطويلة من القضايا التي تشكل كل منها انتهاك لحق المرأة السورية كمواطنة وفق ما نص عليه الدستور، وما نصت عليه التزامات سورية الدولية عبر مصادقتها على العديد من الاتفاقيات الدولية، أثبتت الحكومة السورية أنها لا تعمل "من أجل" النساء السوريات إلا حينما تعمل على إعادتهن إلى الوراء!

واليوم، إذا كان هذا الخبر صحيحا، فإننا نعيد تأكيد ما خلص إليه "الملتقى الوطني حول جرائم الشرف"، وما سبق لـ"مرصد نساء سورية" أن أكده في حملته الوطنية المناهضة لجرائم الشرف والمستمرة منذ أيلول 2005 حتى اليوم، أن المادة 192 ستبقى وساما على صدر القتلة باسم الشرف، مثلما هي المادة 548 (المرسوم 37) ما لم يصدر حظر واضح وصريح يمنع كليا أي قاض، وتحت أي ظرف، من تطبيق المادة 192 على أية جريمة بدافع "الشرف"! أو، وضع حد أدنى للفقرة الثالثة من المادة بحيث لا تقل العقوبة عن 15 عاما بأي ظرف، وفق ما طالبت به توصيات الملتقى الوطني حول جرائم الشرف.

ومن المهم التأكيد أن أي تعديل آخر لن يكون سوى ضحك على اللحى، وذر للرماد في العيون، وتأكيد صريح وعلني لموقف الحكومة السورية المؤيد لقتل النساء السوريات تحت ذريعة الشرف.

على الحكومة السورية أن تأخذ بالحسبان اليوم، إذا كانت تناقش شأن المادة 192، أن أي تعديل لا ينزل عقوبة صارمة وقاسية على مرتكبي جرائم قتل النساء بذريعة الشرف، سيعني بالضرورة أن الحكومة قد تخلت عن واجبها الدستوري (*) في حماية حياة المواطنات السوريات، وأكدت أنها تؤيد القصاص الفردي، وأنها تؤيد الجريمة العمد التي يرتكبها القتلة باسم الشرف، وبالتالي فإن هذه الحكومة تكون قد خسرت كل شرعية لوجودها، وتحولت إلى مظلة لحماية القتلة.

إن "جرائم الشرف" كما أظهرت الحملة الوطنية المناهضة لجرائم الشرف، هي جرائم قتل عمد تنتمي إلى الأخلاق والقيم الهمجية والبربرية التي يؤيدها ويبررها ذكور خاضعون كليا لغرائزهم البهيمية. فلا أكثر همجية ولا أكثر بهيمية من القتل سوى تبرير القتل وتكريس القاتل بطلا.


(*): المادة الثانية عشر من الدستور تنص على:
الدولة في خدمة الشعب وتعمل مؤسساتها على حماية الحقوق الأساسية للمواطنين وتطوير حياتهم كما تعمل على دعم المنظمات الشعبية لتتمكن من تطوير نفسها ذاتياً.

*- نص مادة الزميل كامل صقر في "القدس العربي"


نساء سورية، (حول احتمال تعديل المادة 192: أي لعب بالكلمات يعني فقدان الحكومة السورية لمبرر وجودها)

خاص: نساء سورية

0
0
0
s2smodern