افتتاحية المرصد

لم يكن مفاجئا أن يصمت الكثيرون من مؤيدي إلغاء إنسانية المرأة عبر جعلها عورة وخطيئة وإثما عن الانتهاكات اليومية التي تجري باسم الدين والعادات والخصوصية.. وهم الذين صمتوا عن قتل نحو 200 امرأة سنويا بذريعة الشرف وبدعم من القانون السوري والعديد من رجال الدين! وصمتوا عن العديد من الشركات السورية الجديدة (بينها كل المصارف "الإسلامية"، التي ترفض توظيف أي امرأة غير "ملتزمة" بالحجاب!)! وصمتوا عن مشروع أسود طالباني كاد أن يودي بسورية تحت مسمى "مشروع قانون الأحوال الشخصية"! بل، وطبعا، صمتوا عن الانتهاكات التي تجري داخل منظماتهم نفسها ضد النساء!

لكن المفاجأة هي أن تستيقظ إحدى هذه المنظمات الآن لتقف ضد قرار إقصاء التطرف عن مدارسنا، مدعية أن هذا هو "انتهاك لحقوق الإنسان"، وقائلة "وتأسف الناطق (الرسمي باسم اللجنة السورية لحقوق الإنسان) من وقوف بعض الجهات التي تدعي الدفاع عن المرأة موقف الشامت والكائد، وقال: هذا يدل على ضحالة ثقافية وحضارية وإنسانية وتعصب واستئصال ضد المغاير لرأيهم".

ومن الواضح أن هذا "التصريح" يقصد به "مرصد نساء سورية"، الجهة الوحيدة التي عبرت علنا عن دعمها لهذا القرار.

من النافل الرد على مستوى الكلمات المستخدمة في تلك الإشارة. وهي تعبر فعلا عن جوهر تفكير المنظمة القائم أصلا على هذه التوصيفات (الشماتة والكيد..) فقد برهنت هذه اللجنة وغيرها أن علاقتها بحقوق الإنسان تنحصر فقط في كون هذه الحقوق شعار تتخذه من أجل محاربة النظام السوري. وهذه "الحرب" لا تعنينا بشيء. فالتزاماتنا واضحة وصريحة بحدود مجال عملنا، ومعلنة منذ لحظة إطلاق المرصد. لكن أن يصل استغلال هذا العنوان: حقوق الإنسان، إلى مستوى الصمت الأخرس عن العنف والاضطهاد الذي تتعرض له المرأة السورية بسبب القوانين، والمجتمع، والعديد من رجال الدين المسلمين والمسيحيين، ومن ثم تثب فجأة لتكتشف أن إخراج رمز الوهابية الأصولية من المدارس السورية هو "انتهاك لحقوق الإنسان"، فهذا ما يصح عليه القول: لقد هزلت!

وفي الواقع، فإن هذه المنظمة، وغيرها، مدانة كليا لأنها أثبت أنها تبيع نفسها لشيطان الأصولية ما دامت مصالحها الخاصة قائمة. وتلك المصالح هي بالضبط في استمرار العقلية الذكورية الاستبدادية. وهذه المنظمة، مثل غيرها، لاتعني لها الديمقراطية وحرية الرأي وحقوق الإنسان إلا طريقا قد يكون سالكا نحو "السلطة"، طريقا لا يشمل إلا قبيلة الذكور الأشاوس. لذلك لا تجد نفسها معنية (بدلالة خلو موقعها بالكامل) بأن النساء السوريات يسحقن من قبل الثقافة الذكورية التي تتبناها أيضا بعض هذه المنظمات السورية. ولا يخفى على كل متابع أن هذه الثقافة الذكورية تمارس على نطاق واسع في هذه المنظمات نفسها، وفي محيط أفرادها.  فهم يريدون لأنفسهم الحرية والديمقراطية، لكن.. ليس للنساء! فالنساء، في الثقافة الخاصة بهؤلاء، لسن إلى خادمات لأغراض هذه المنظمات وأغراض الثقافة الذكورية المسيطرة عليها. ولا أدل على ذلك من سيل البيانات التي صدرت دعما للنساء اللواتي اعتقلن لأسباب تتعلق بالرأي أو بموقفهن السياسي، بل وتم تحويلهن إلى "رموز نسائية" في الوقت الذي لم يكن في اعتقالهن أي سبب يتعلق بكونهن نساء! وبالتالي فاعتبارهن كذلك هو تمييز صريح ضدهن كما لو أنه من الغريب وغير المقبول أن تعتقل المرأة مثل الرجل، لأنها امرأة! بينما يخرسون خرسا مطلقا على القتل اليومي باسم الشرف، وعلى سرقة الإرث والراتب، وعلى الطلاق التعسفي، وعلى الزاوج المتعدد بلا قيد ولا شرط، وعلى حق المرأة السورية بمنح جنسيتها لأطفالها، وعلى ألف عنف وعنف تعاني منه النساء السوريات!

لقد قلنا سابقا أن النقاب ليس من الدين في شيء، وفقط عندما يعلن رجال الدين هؤلاء أن من حق كل ذكر أن يشتري مايشاء من النساء كأمات وملكات يمين، وأنه يجب على كل امرأة تعمل مع رجل أن ترضعه حتى لو بلغوا عشرات في صالة..... عندها يصير تزييفهم مقبولا بأن النقاب، الشكل الوهابي الأصولي من الحجاب، هو إسلامي.

وتعرف اللجنة كما يعرف كل سوري وسورية أن الطريق هو باتجاه واحد: يمكن لكل امرأة أن تتحجب وتتنقب، لكن الويل والثبور ينتظر أية امرأة محجبة أو منقبة تفكر بأن تخلع الحجاب والنقاب فالرد يبدأ من السجن في المنزل والضرب والإهانة والحرمان من التعليم والعمل.. ويمكن أن يصل إلى القتل! وهذا، بالطبع، ليس انتهاكا لحقوق الإنسان لدى المنظمة تلك! فهذا لا يخدمهم مرتين: مرة لا يخدمهم في تسخير حقوق الإنسان من أجل صراع سياسي، ومرة لا يخدمهم لأنه يهدد سلطتهم الذكورية نفسها بالخطر. وهذا ما يؤكد بالمطلق، وهو ما يعرفه "العاملون" في "حقوق الإنسان" جميعا، أنه لاحرية شخصية في هذا الأمر. كما أنه من الغريب أن تتنطح مثل هذه المنظمة لتتحدث عن الحرية الشخصية في ارتداء النقاب في أماكن العمل، وهي التي تدربت وتعلمت على أيدي خبراء أوروبيين، وتعرف جيدا أنه لا يمكن لأي امرأة عاملة في أي مكان في أوروبا أن تذهب إلى عملها بما تشاء من لباس! وادعاء البعض أن القرار لم يطل "العاريات" اللواتي يكشفن أجسادهن في المدارس السورية هو ادعاء باطل كليا. فالمدارس السورية لا تضم أبدا نساء من هذا النوع. لكن هؤلاء يطلقون هذه الأوصاف على كل امرأة لا ترتدي الحجاب، أو  ترتدي "كم قصير" في الصيف، أو تنورة (حتى إذا ارتدت الحجاب)!..... ومع ذلك، سبق أن قلنا بوضوح أن المنقبات والعاريات وجهان لعملة واحدة. ولا يحتاج الأمر إلى ذكاء لمعرفة أن هذا يعني أننا ضد الحالتين في العمل. لكن، بالتأكيد، ليس ذلك "العري" الذي يقصده الأصوليون والمتطرفون.

بكل وضوح نعيد القول أن النقاب إلغاء لشخصية الإنسان ولا يقع إطلاقا ضمن حريته الشخصية عندما يمارسه في العمل. أيا كان هذا العمل. فالعمل يعني بالضرورة التواصل الإجباري مع الآخرين، ولا تواصل بين الناس دون وجه. أما أن ترتدي النقاب في البيت، أو في الشارع، فهذا شأنها سواء كانت مجبرة (كما هي في الواقع، بإجبار مباشر أو غير مباشر)، أو كانت غير مجبرة. أما أن تدخل إلى أي مكان عمل، فهذا ليس من حقها. لأنه من حقي أن أرى وجه من أتعامل معه مهما كانت قناعاته الخاصة.

كذلك، فإن تجاهل أن النقاب هو عنف صريح ضد المرأة، وهو تطرف أصولي، ولا يمكن فصله إطلاقا عن جملة الأفكار والتصورات المرتبطة به، هو تجاهل النعامة. فالمنقبة هي امرأة تتصرف وفق نظام محدد يتضمن إعلان أنها عورة وأن أي تواصل مع الآخر هو خطيئة. وأغلب المنقبات في سورية يرفضن حتى مجرد الحديث مع اي "ذكر"! فهل هذا يحتاج من "عتاة الثقافة والحضارة والإنسانية"، ومدعي حقوق الإنسان ممن ينتقلون من دورة إلى مؤتمر ومن ورشة عمل إلى.... هل يحتاج إلى شرح؟

ببساطة لم يعد مقبولا من أي منظمة من مدعي حقوق الإنسان دفاعها المستمييت عن التطرف والأصولية باسم هذه الحقوق. فليس من حقوق الإنسان أية دعوة للعنف والتمييز، والنقاب ليس دعوة للعنف والتمييز وحسب، بل هو عنف صريح وواضح وتمييز صارخ يقول أن المرأة هي عورة وإثم وخطيئة ويجب حجبها عن الأعين! وبالتالي فإن هذه المنظمات تقوم، بهذه الطريقة، هي نفسها بخرق حقوق الإنسان. ولا يغير من الأمر شيئا أن هذا يخدم سياستها تجاه "النظام" أم لا. فمن يعمل في حقوق الإنسان يجب أن يضع هذه الحقوق في الصدارة، ولا يسخرها سياسيا بحيث يقبل هذا الحق أو يرفض ذلك، يصمت عن هذا ويصرخ تجاه ذاك.. حسب "الجهة" التي يصدر عنها.

والأمر نفسه ينطبق على المنظمات التي تقول أنها تعمل في مجال "حقوق المرأة" في سورية، فإن أيا منها لم تصدر بيانا واحدا أو تكتب مقالة واحدة توضح فيها رأيها من هذا الموضوع! فكأنها، مثل تلك، تخجل من أن تدعم توجها ما لأنه يصدر عن الحكومة؟!  أو ربما هي أيضا "تتقي" غضب الأصوليين المتطرفين فتآثر الصمت، مثلما فعلت في مرات سابقة، بانتظار "انكشاف الغيم"!

إن المزاودة من قبل منظمات حقوق الإنسان في هذه الأمور باتت مفوضحة وعلنية. مثلما هي مفضوحة وسخيفة تلك الردود الطائفية القذرة التي يقولها البعض تحت الطاولة ردا على رأينا العلني. فقد أثبتت هذه المنظمات عبر السنوات الماضية أن رؤيتها تنحصر في "الصراع على السلطة" (إذا صحت تسميته بالصراع!). وأثبتت أنه ليس في معاييرها لحقوق الإنسان حقوق المرأة السورية. ومن المفيد في هذا الإطار تأكيد أن "الطائفية" هي أخصب الأراضي للعنف والتمييز ضد المرأة، أيا كانت أسماء الطوائف المعنية، وايا كانت اعتباراتها. وهذا ما يمكن للجميع أن يراه بنظرة واحدة في محيطنا.

مرصد نساء سورية يعيد تأكيد أنه يدافع عن كل فكرة وتصور وسلوك يخدم التخلص من العنف والتمييز بغض النظر عن مصدره. فإذا صدر عن الحكومة سنكون معه مثلما كنا ضد الحكومة في الكثير من التصرفات والقرارات التي تنتهك حق النساء السوريات. المعيار الوحيد هو هدفنا الواضح والصريح بالعمل من أجل مجتمع خال من العنف والتمييز، وليس تسخير هذا العمل من أجل خدمة أهداف وغايات أخرى مثلما يفعل البعض.

إذا، نعم: نحن ضد النقاب بكل صراحة ووضوح. وهو تمييز صارخ ضد النساء حتى لو خرجت بعض النساء لتدافع عنه. فهو عنف وتطرف موجه بحد ذاته ضد المرأة المنقبة نفسها أولا، وضد المجتمع ثانيا. ونحن مع قرار وزارة التربية ذاك، ومع تعميم هذا القرار على كافة أماكن العمل. وكذلك مع قرارات صارمة ضد الكادر التعليمي في التعليم العالي التي تروج العنف والتمييز والطائفية بين الطلاب، وتجبر الطلاب والطالبات على البحث في مواضيع محددة وتجاهل مواضيع أخرى لا تلائم تصوراتهم الظلامية تحت طائلة العقوبة التي تعني أن الطالب/ة قد لا ينجح في مادة الدكتور المعني لأعوام!

والمرأة السورية ليست بحاجة لمثل تلك الثرثرات السخيفة التي تحاول تسخير قضيتها لغايات أخرى. بل هي بحاجة ماسة لمن يخجل على نفسه فيتوقف عن تأييد العنف "المشيخي" و"الإفتائي" ضد المرأة الذي بات مرضا حقيقيا يهدد كل شيء في هذا البلد.

*- لسنا معنيين بأن يقتصر عمل هذه المنظمات على مجالات بعينها، فهذا شأنها. لكننا نقترح عليها أن تغير أسماءها من "حقوق الإنسان" إلى المجال الخاص الذي تعمل به. لأن حقوق الإنسان تشمل كافة الحقوق وليس فقط حقوق المعتقلين.
وحين تريد هذه المنظمات أن تصمت على كل الانتهاكات التي تجري للنساء السوريات، ليس فقط من قبل الحكومة السورية ولكن أيضا من قبل رجال الدين والمجتمع والقوانين والأحزاب (موالية ومعارضة) والناشطين ومنظمات حقوق الإنسان نفسها، فالأولى فيها أن تصمت أيضا عن كل ما يخص هذا الموضوع، فلا تتمنطق دفاعا عن العنف الممارس ضد النساء السوريات باسم الدين.

*- رابط بيان المنظمة السورية لحقوق الإنسان (محجوب في سورية)


بسام القاضي، افتتاحية مرصد نساء سورية، (مرة أخرى حول "النقاب": مناضلو حقوق الإنسان يستيقظون!)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern