قضايا الأسرة

كان اسمها وردة، أعطته معناه بجدارة نادرة، فعلاً كانت وردة الصف العطرة، لا تراها إلا مبتسمةً يطفح وجهها بالبشر والسعادة، ودائماً على عجلة من أمرها، كأنّ بداخلها نابض يقفز ويحركها.

 تأتي من ورائي ولكي تسبقني تتزحلق على بلاط الممر الطويل لتصل إلى باب الصف قبلي، وتنظر إليّ نظرة انتصار، إذ أنها تعرف أنني سأعبس في وجهها، وغالباً ما تكون بيدهزا طاقة صغيرة من زهور متنوعة تقدّمها لي بابتسامة عريضة قبل دخولي، ثمّ تندفع إلى داخل الصف وتأخذ مكانها واقفةً وتردّ تحية الصباح بحماس وصوت يعلو فوق أصوات رفيقاتها.

 كنت قد أطلقت عليها تحببّاً لقب (Miss hurry up )، هي أول واحدة ترفع يدها للإجابة، وغالباً ما تكون خاطئة، أتجاهل خطأها وأنتقل إلى غيرها. كان هناك خيطٌ غير مرئي من شعور بالأمومة يربطني بها، فأغض النظر عن بعض حماقاتها الصغيرة والمألوفة في هذه الأعمار الفتية.

 الصف الثامن طالبات تتأرجحن بين الطفولة والشباب، مراهقات صغيرات، مزهوات بأنوثتهن المستيقظة تبحث عن متنفس تراه في لمسة ماكياج هنا، وفتح صدر القميص قليلاً، وتسريحات عجيبة أحياناً، وفذلكة في الكلام مدّعمة بكلمات انكليزيّة غير مستعملة تبحثن عنها في القواميس لإبهاري ونيل إعجابي، والتقاط كلمات من هنا وهناك، من أغانٍ أو أحاديث سمعنها بالصدفة، وكلّه مقبول وقابل للتصحيح، المهم أنهنّ يبحثن باهتمام وفضول للمعرفة، وكم كانت وردة تنبري لإعطاء جملة بتركيب ركيك، ثمّ تضحك من نفسها عندما تكتشف خطأها، تضحك خاليةً من العقد، عفويّة تنثر طرائفها لتضحك رفيقةّ عابسة أو حزينة، وعندما تحتفل المدرسة بمناسبة ما، فوردة هي نجمة الإحتفال ترفع العلم، تغنّي، تقود المسيرات، تقلدّ المعلمات بدم خفيف فلا تؤذي ولا تستخف، كما تقلدّ رفيقاتها، حتى الحيوانات ومشيتها وصوتها، فوردة ترصد حركاتها وتشيع جوّاً من البهجة حيث تحلّ خصوصاً في الرحلات.

 طاقة وإقبال على الحياة، وشغف بها، مع تهذيب ولطف طبيعي حبيت به، وندر عند غيرها. لم تكن مجدّة وتعترف بذلك دون خجل أو شعور بالذنب، فلا مشكلة عندها المهم أنها تنجح.

وردة لا يكسرها شيء، ولا يذبلها إنكار، لأنّها تعرف من هي وما هي.
حلّ الربيع، واقترب العام الدراسيّ من نهايته، بدأت وردة تتأخر أكثر، فتدخل إلى الصف معي، وتمدّ يدها بزهورها الجديدة المتنوّعة على استحياء من يعرف ذنبه.

لم يا وردة؟! كل دروسي الخمسة في الأسبوع لصفكّم هي الحصّة الأولى، سأغضب حقّاً لا يعقل أن تتأخري في النوم مع كلّ نشاطك والفصل ربيع.

زاد الأمر عن حدّ الصفح والتسامح، ذات صباح بحثت عيناي عنها كان الصف مظلماً بدونها، استغرقنا في الدرس وهاجس وردة لم يغب، مضى نصف الدرس، قرعٌ خفيف على الباب، فتح الباب وأطلّ وجهٌ محمرٌّ متعرقٌ لاهث، وجه وردة، ادخلي تقدّمت إليّ بباقةٍ بديعةٍ من زهورٍ يانعة، لا يا وردة، اليوم سأعاقبك ولن أقبل زهورك، اجلسي وخذيها فلا حاجة لي بها.

 لأولّ مرة أتألم أنا من العقوبة ولم أتوقع أن تنكسر وردة، خطّان من الدمع على صفحة خدّيها المتوردّين، وانحناءة الرأس، لم تصغ إلى ما تبقّى من الدرس وتجاهلتها لأكمل العقوبة.

انكسرت وردة؟!
قرع الجرس، خرجت من الصف قلقةً عليها، فأنا لم أرها هكذا سابقاً، أنزل درج الطابق الثاني وتتلاحق خلفي قفزاتٍ متسارعة لأكثر من قدمين، وردة ورفيقاتها وبقايا الدمع على خديّها توقفني:
- أرجوك Miss عاقبيني كما شئت، إلا أن ترفضي زهوري فقد تأخرت بسببها.
- كيف يا وردة؟
ضحكت وهي تشهّد رفيقاتها
- أنا في كلّ يوم أغافل أمي وأقطف زهراتها الجديدة، لكن في بعض الأيام، لا أجد شيئاً ف ف....
- ماذا يا وردة؟
- أسطو على أزهار الجيران فأسوار الحدائق منخفضة، لكن اليوم ضبطني جارٌ لنا كان يراقب ليعرف من يسرق زهراته باكراً، وأصرّ على أن يشكوني لأبي الذي استشاط غضباً وهمّ برمي الزهور، لكنني استعطفته ورجوته ووعدته بأن تكون هذه هي المرّة الأخيرة، لذا تأخرت. أبعد هذا ترفضين زهوري المسروقة؟

ضحك الجميع وضحكت، وأخذت زهور وردة، فعادت إلى وجهها المحببّ نظرة الانتصار والزهوّ.
 وردة وزهورها لا تنكسر


سميرة حداد، (وردة وزهرات)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern