مرصد العنف والإعلام

أصبح العنف يجتاح كل شيء في حياتنا، حتى الفن الذي يفترض أنه يجمل الحياة، ويرقق اللغة، ويسمو بالروح. وصل العنف الى أرقى ما في حياتنا الإنسانية الفن وعلى رأسه أغانينا الشعبية منها وغير الشعبية.

كل يوم نسمع عن المتطفلين على الطرب والعتابا والميجانا يخترعون عبارات جديدة منفرة وسوقية، وكل ما أمعنوا في حشوها بالعنتريات والعنف، نجد البعض يصفق لها ويطرب.
فهل هذا انحدار وتدهور في الذوق العام أم أن ظروف القهر تدعو هؤلاء الزاعقين للتعويض؟!
بينما كنت أجمع مقاطع من بعض الأغاني وأعد الدراسة، سبقتني مرصد نساء سوريا الى خوض الموضوع حول أغنية محمد اسكندر (نحنا ما عنا بنات تتوظف بشهادتها). كم أثارت حمقي هذه الأغنية لكنها شبعت تحليلا وتمحيصاً. وقد أخرني عارض صحي عن استكمال ما بدأته وكم تذكرت في هذه الأغاني الشعر الجاهلي الذي كان يبدأ بالبكاء على الأطلال ثم ينتقل الى الفخر.
 الفخر هو مصيبتنا الكبرى ففي كثير من الأغاني نجد الرجل يتباهى بقوته وبطشه وبسيفه (الذي بطلت موضته)
 يا سيفا ع الاعداء طايل.......يا هادر دم الأصايل
 وين اللي يتجدى وينه........وين اللي ناوي يقاتل
 ثم
سيف اللي تعود يقدح نار........ما يرحم وشي العوازل
 ثم تأتينا الأغاني التي يتباهى بها الذكر بقدرته على قهر المرأة، وتهديدها بالويلات إن لم تحبه، فهي يجب أن تحبه طوعاً أو كرهاً
 والله لبكيكي، والله لخليكي متل خيالي تلحقيني......
مثال آخر: بدي حبك شو قلتي، قبلتي ولا ما قبلتي، فارض حبي عليكي فرض
 أما عن حماية الرجل للمرأة ووصايته عليها فحدث ولا حرج! مثال: مرعية ياالبنت مرعية، مرعية ولا بلا راعي......
أي هل هناك أحد يحميها لأنها غير قادرة على حماية نفسها و(الفرس بدها خيالا)، فالمرأة يجب أن تكون ضعيفة منكسرة وهو الفارس الذي يهدم الدنيا على رأس من يقترب منها يقول (محمد اسكندر) إياه
 واللي بيرميكي بوردة....براسو بخرطش فردي......مش فرقانة عندي قلبك
أنا رجالو.....
ثم يضيف بكل مرجلة: وحدك ما بمشيكي....أنا اللي بحميكي....اللي بيطلع
فيكي ليتملو عيالو...ورح توقع مدابح لوفيكي تغزلوا....
أما (وفيق حبيب) فيوافق (محمد اسكندر) بقوله
 ليكي ليكي ليكي.....غصبن عنك رح حبك....ليكي ليكي ليكي غيري ما
بيسكن قلبك.....
فمشيئتها لا قيمة لها المهم مشيئة الذكر المهيمن.
ومن الغريب أن تلجأ الأنثى أحيانا الى هذا العنف ففي أغنية لنوال الزغبي تقول واللي بفكر يجرحك....برتاح منو بقتلو.....(كم يليق بها القتل)!
وأغنية (ملحم زين) لو انكسرتي...انتحرتي...أهون عليي ما غص بدمعي
ورفيقي يشمت فيني....(لأنها مالت لصديقه)
ثم تلفتنا الأغاني الشعبية والشتائم التي تتضمنها مثل
 يخرب بيتك يا وطفة.....تعي عينيني اتفي....
وأيضاً جوزوها خطيفة يا جازة الندامة....وشيخ اللي كتبلا الكتاب ريت ولادو يتامى.....
أما أغنية سارية السواس فهي الأبلغ وين مبارح سهرانة يابنت الكلب.......
أما المطرب الشهير (سعد الصغير) فيطربنا بأغنيته انا بحبك يا حمار.....
وبالمناسبة فقد تسببت هذه الأغنية في طلاق عروس ليلة زفافها لأنها أصرت على إهدائها لعريسها في العرس.
و نلاحظ أيضاً المبالغة بالقسوة على الذات وتعذيبها فيما لو صد المحبوب، وهو عنف أيضا مثل
 رح لفلفك بأحضاني لو بدي موت....لو قطعولي شرياني مابيطلع صوت......
ثم يكمل المطرب الكبير الذي لا أعرفه بشتيمة ثقيلة فيقول لها يلعن أبو اللي خلفك....ويكررها بسماجة مقيتة.
وذات مرة سمعت موالا في تكسي (وهناك ثقافة موسيقية خاصة بالتكاسي والسرافيس) يقول
 بكفي يا حلوة بكفي.....والله إن ما جيتي طارقك بكفي.....
طبعا لكي تهرع إليه خوفا من الكف ولضرورة الشعر المتين، ثم يكمل الموال
 ومن كتر ما سكبت دمعاتي بكفي....طلعلي بين اصابيعي عشااااب......
مسكين كم ذرف من الدموع الغالية.....ماهذه التراجيديا؟ أين منها الملاحم الإغريقية؟؟وأين أنت يا هوميروس؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
الآن نلاحظ أن بعض الفنانات استفقن من كبوة المرأة الخانعة، وتغنين بكلمات تصر على أن المرأة ند للرجل وهوغير قادر على كسرها وقهرها وأنها تستطيع أن تختار حبيبها وحرة في البقاء معه أو تركه إن حاول التحكم فيها كأغنية نانسي عجرم لي حق برضه أعيش حياتي لي حق يا حبيبي في الحياة
......أنت أب وأنا أم أنت آدم وأنا حوا يبقى صعب ويبقى ظلم تعيش يا آدم وتموت حوا......لا مش اصدي أقوى ولا حاجة....وتكون أنت ضعيف.....انت نص وأنا نص زي الشتا والصيف.
وأيضا هناك أغاني (نيكول سابا)
 براحتي مافيش حد ح يحكم فيا ويقيدني شوية شوية....كل يوم يعملي
حكاية....اشمعنى لازم أرضى بكل طباعو زي ما كون خاتم في صباعو...انا وحدة بحب الحرية...مش عايزة حبيب يخنق فيا.........
وهناك أغنية (أصالة) التي تقول فيها آسفة...شفلك غيري مش ح تحمل تعبي معاك.....
وتقول (فيروز) بتمرق علي امرق ما بتمرق لا تمرق مش فارقة معاي.......
أما لو خيرت لأنتقاء أغنية العام التي تمثل نهضة المرأة فأختار أغنية (شيرين أحمد) التي تقول
 أخيرا اتجرأت...أخيرا أنا دي الوقت...هاعللي صوتي عليك.... وأقولو
انو انا فقت واني أنا ما صدقت أخلص من حبي ليك...دي الوقت ح ارتاح من الحياة اللي كرهتها...دي الوقت حتكلم واخرج من سكوتي...وإن كان في حاجة زمان في سري قلتها...جاه وقتها علشان أقولها بعلو صوتي...
إننا نرفض العنف بكل أشكال التعبير سواء إن كانت فنية أو تربوية أو ثقافية، نحن ضد العنف لأنه يولد عنفا أكبر، فمتى نتوقف عن استخدام العنف في ثقافتنا؟......


سميرة حداد، (العنف في أغانينا)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern