علم نفس واجتماع

يعتبر د. فرويد أن هذه المرحلة تتشابه مع الأولى وقد أمكنه التعرف عليها من خلال التواصل مع مرضاه. ولعل أبرز ما تمت ملاحظته في هذه المرحلة هو الاختلاف في تحديد هوية من قام بالضرب، لقد كانت شخصية المُعنِف تارة تُترك بدون تحديد، وتارة أخرى يتم استبدال الأب بشخصية الأستاذ، وتارة تبدو محددة كما هو الحال في المرحلة الأولى بأن الأب هو من قام بفعل الضرب.

كما لاحظ د. فرويد أن صاحب الفانتازم أي المنحرف لا يُظهر نفسه أبداً في هذه المرحلة، ولكن بالمقابل يؤكد فرويد أنه بدأ يشاهد بدلاً من طفل واحد الآن العديد من الأطفال المُعنًفين، وهنا وجه الاختلاف عن واقع الحال في المرحلة الأولى من الفانتازم حيث كان المعُنف طفل واحد فقط.
في حالات الانحراف لدى الإناث لاحظ د. فرويد أن الغالبية العظمى منهن تحدثوا عن أن الأولاد الذكور هم وحسب الذين تعرضوا للضرب، ولكنهن بالمقابل أنكروا أي معرفة لهنً بهؤلاء الذكور.
 انطلاقا ً من هنا تحدث د.فرويد عن إمكانية وجود تغييرات مُتعمدة من جانب صاحب الفانتازم فيما يخص نوع العقوبة وهي بالأصل عقوبة الجلد بالسوط، قائلاً: من الممكن أن نلاحظ في بعض الحالات أنواع أخرى من العقاب الجسدي، وأحياناً العقاب الكلامي، أو الشتائم، ولكن تبقى السمة الأساسية التي تميز التخيلات في هذه المرحلة عن تلك التي في المرحلة الأولى هي أنها أبسط منها بكثير، علاوة على أنها تعتبر بدون أدنى شك تعبيراً خالصاً وقوياً عن وجود تثبيت في واحدة من إحدى مراحل النمو الجنسي، والذي تم التأكد حدوثه من خلال وجود التلذذ الجنسي الذاتي الذي يعقب مشاهدة موقف العنف، عدا عن ذلك بالمقابل لدينا هنا لغز هو فهم السادية المتضمنة في أخيلتهم.
يتابع فرويد قائلاً:نحن لا ُنخفي الصلة وتسلسل المراحل الثلاث للخيال من الضرب ولو أن كل سماته الأخرى هي الآن لا تزال غير مفهومة تماما.

التحليل النفسي للفانتازم
الطفل المضروب هو أخ أو أخت يكرهه:
إذا عدنا إلى المراحل الأولى نجد بلا شك علاقة وثيقة بين ظهور هذا الفانتازم وبين عقدة أوديب أو لنقل العلاقة الشائكة بين الوالد والابن.
الطفلة الصغيرة تتعلق عاطفياً بالأب، إلى الحد الذي ربما يدفعها إلى فعل كل شيء لتفوز بحبه، حتى وإن كان على حساب اتخاذ موقف الكراهية والمنافسة حيال الأم، وهو موقف لا يزال على قيد الحياة جنبا إلى جنب مع مشاعرها الحالية، هذه المشاعر المكبوتة من قبل الطفلة والتي يمكن أن تُكبت على مر السنين تزداد قوة ووضوحا وتصبح مُدركة من قبلها، وقد تؤدي إلى جملة من ردود الفعل التي تختلف فهي قد تتحول إلى ارتباط عاطفي من جانب الطفلة لأمها وهنا يصبح التعلق بالأم بمثابة رد فعل.
ولكن ليس هذا كل شئ، ففي غرفة الأطفال هناك غيرها من الأطفال، أكبر منها سناً أو أصغر، أو ربما أخوة لاتحبهم كثيراً، لأسباب كثيرة، ولكن يعتبر السبب الرئيسي لهذه المشاعر هو الغيرة،كون هذا الأخ أو الأخت منافساً لها في الحب الوالدي.
يتابع د. فرويد قائلاً: المشكلة تصبح أكبر عندما يكون هذا الأخ أو الأخت الذي تغار منه هو الأصغر سناً في العائلة، وهذا ماسيمنحه امتيازات على حسابها هي، ويستشهد فرويد بإن هذه كانت حالة ثلاث من أصل أربع حالات لديه من الإناث
وهنا يصبح الفانتازم على الشكل التالي: إن أبي لا يحب هذا الطفل الأخر، أنه يحبني أنا.
إن هذا وباختصار مضمون ومعنى فانتازم الطفل المضروب في مرحلته الأولى، وتجتمع فيه صراحة الغيرة لدى الأطفال كما ويعتمد على حياته العاطفية، ولكنه بالمقابل يمثل تأييدا قويا من جانب المصالح الأنانية. يتابع فرويد مشككاً بإمكانية وصف الأخيلة في هذه المرحلة بأنها محض خيال "جنسي"، بل على العكس رأى فيها استجابات صريحة من جانب الطفل لما يهدد أمنه العاطفي في ارتباطه مع الأب. وبالتالي يصبح دفاعه عن هذه العلاقة على صورة تخيل العقاب الجسدي الواقع على الأخ أو الأخت بمثابة تعزيز لقناعته الذاتية بمحبة الأب له:
 أبي ضرب أخي ولم يضربني أنا، إذا فأنا وحسب من يحب.
أنانية، غيرة، حسد، تعلق عاطفي، خوف من فقدان محبة الأب،... جملة من المشاعر تلك التي تتحكم بهذه المرحلة من الفانتازم، تصب جميعها في قالب واحد وهو عقدة أوديب.



ترجمة وإعداد: هنادي الشوا، (الطفل المضروب: العصاب، الذهان، والانحراف الجنسي (3))

خاص، نساء سورية

0
0
0
s2smodern