علم نفس واجتماع

تعريف بالانحراف: هو نمط من الانحرافات الجنسية الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتلذذ الجنسي الذاتي، هذا الاخير الذي يتسبب بجملة من مشاعر الإثمية، والذنب، وتأنيب الضمير، والخجل الاجتماعي.

وفقاً لفرويد فإن هذا الانحراف يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالطريقة التي تم بها الخروج من الموقف الأوديبي، والذي انطوى في هذه الحالة على عقدة نفسية لدى الطفل، وهذا مادعا فرويد إلى اعتبار أن هذا الانحراف يعود إلى حل سلبي للموقف الأوديبي مما أدى إلى تثبيت خبرة سيئة من قبل الطفل مهدت فيما بعد لظهور الانحراف الجنسي.
وهنا لابد من الإشارة إلى أنه وحسب فرويد فإن المرحلة الأوديبية تساهم في تشكل الهوية الجنسية للطفل وبالتالي فأي إدراك خاطئ لها يؤثر سلباً على آلية إدراك هذه الهوية وبالتالي تعرض الطفل للأنحراف الجنسي المبكر، ولذا يُعد حل الموقف الأوديبي بالتعيُن السلبي بأحد الوالدين أحد أبرز مسببات الانحرافات الجنسية المبكرة عند الأطفال لما له من علاقة وثيقة بتشكل الهوية الجنسية.
يعتبر فرويد أن هذا الانحراف لن يحدث قبل نهاية المرحلة الأوديبية، معتبراً إياه انعكاساً لأوديب المقلوب أو السلبي. وهنا لابد من تسليط الضوء على أوديب بالمعنى السلبي والإيجابي.
الحل الإيجابي للموقف الأوديبي: هو أن يتعين كل طفل بالوالد من الجنس الآخر، ويشعر بالغيرة حيال الآخر الذي من نفس جنسه، ويصبح الصراع هنا بين مشاعر الحب التي يكنها الطفل لوالده والكراهية والغيرة بآن واحد كونه منافسه الأزلي في حب وعشق الأم.
 الحل السلبي للموقف الأوديبي: فهو التعَين المعكوس أي أن يتعين الطفل بالوالد من نفس الجنس وهو ما يمهد فيما بعد إلى ظهور المثلية الجنسية.
لاحظ فرويد انتشار هذا الانحراف لدى الفتيات بكثرة، لكن هذا لايعني انتفاء حدوثه بين الأطفال الذكور، فقد تبين أن هؤلاء الذكور اتخذوا أبائهم في مرحلة الطفولة كمواضيع جنسية لا تخلو من المثلية.
 كما تبين فيما بعد لدى تحليل شخصيات هؤلاء الاطفال الذين يحملون هذا الفانتازم، فاُكتشِف بأنهم يمتازون بحساسية عالية، وخصوصية في العلاقة التي تربطهم مع آبائهم.


تأثير المدرسة على ظهور فانتازم الطفل المضروب
1- في الصفوف المبكرة، وهنا تم تربية هذا الفانتازم في وقت مبكر جدا أي عمر خمس إلى ست سنوات، ويقابل عملياً حسب التصنيف لمراحل الدراسة الصف الأول الإبتدائي، حينما يشهد الطفل موقفاً لعقاب طفل آخر له في المدرسة على يد الأستاذ، هذا المشهد يؤدي إلى إثارة هذا الفانتازم "الطفل المضروب"
2- في الصفوف الأعلى: وهنا على اعتبار أن العقاب الجسدي يصبح أقل، فبالتالي تصبح الخبرة المسببة ذات علاقة وثيقة بالقصص التي يرويها المراهقين لبعضهم، والتي تنطوي على سرد لمشاهد عقاب جسدي، كما قد تكون صور أو قصص للعنف، وكلها بالمحصلة تقود إلى ظهور هذا الفانتازم.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا ما العلاقة بين انحراف الطفل المضروب وطبيعة التربية الأسرية؟
للإجابة على هذا السؤال كان فرويد قد وضع عدة افتراضات مُستقاة من جنس المنحرف نفسه من جهة، ومن جهة أخرى من حيث جنس الطفل المضروب، فأحياناً يكون المصاب بالانحراف ذكر بينما يروي المشهد على أنه عقاب جسدي وقع على طفلة في أيام الدراسة من قبل المدرس، وهنا فرويد ركز بقوة على الاختلاف بين جنس المنحرف وجنس ذاك الآخر الذي يروي تعرضه للعقاب الجسدي، حيث كان المنحرف بطبيعة الحال شاهداً على ذلك العقاب.
الفرضية الأولى: لقد تبين فيما بعد أن هؤلاء المنحرفين لم يتعرضوا للعقاب المدرسي أبداً، لا بل وإن تربيتهم الأسرية لم تكن صارمة بالمطلق، أي باختصار لم يخبر أياً منهم العقاب بصورته الجسدية، ولكنهم بالمقابل أبدوا رأيهم حول القوة البدنية للمدرسين والآباء الذين قاموا بالعنف الجسدي، معتبرين أنهم الأقوى جسدياً، أي باختصار أظهر هؤلاء المنحرفون إعجابهم بقوة المُعنِف الجسدية.
لدى سؤال فرويد المنحرفين عن هوية الأطفال المُعنًفين أجابوا بشكل شبه موحد: "لا أعلم، إنه طفل وحسب، طفل مضروب، أحياناً كان هذا الطفل المضروب عاري، لا أتذكر تماماً من هو ولكن أتذكر الموقف وكيف تم ضربه من قبل الأستاذ... الخ. هذه باختصار كانت طبيعة الإجابات التي تلقاها فرويد.
و حسب آراء مدرسة التحليل النفسي فإن هذا الانحراف الحاصل في مرحلة من الطفولة المبكرة أدى إلى حدوث نشاطات ذات طبيعة جنسية وهي التلذذ والإثارة الجنسية الذاتية، وهذه النشاطات قد تتم معالجتها من جانب المنحرف بأكثر من طريقة فإما الكبت، وإما التصعيد، وإما الإزاحة، وأحياناً النكران، أو التضخيم، ولكنها تبقى عموماً السمة الأولى المحددة لظهور الانحراف الجنسي.
 " إن حدوث أي إثارة جنسية جراء مشاهدة طفل في موقف عقاب جسدي = وجود الانحراف الجنسي المُسمى الطفل المضروب"

وهنا يصبح سؤال العمر ضرورياً ماذا لو استمر هذا الانحراف بعد الرشد بفترة طويلة؟
 حسب فرويد إذا استمر ظهور النشاطات الجنسية المصاحبة لمشهد العنف فترة طويلة، فهذا يدل بالمقابل على وجود حل سلبي للموقف الأوديبي تم تعزيزه من خلال مشهد العنف في المدرسة، وبالتالي تم التثبيت لمرحلة بعينها من جانب الطفل في ذلك الوقت.

يمكننا هنا تخيل الصورة على الشكل التالي:
أوديب سلبي: علاقة حب وإعجاب من جانب الطفل بالأب مبينة على التعين بالقدرة الجسدية والقوة للاب، أدت فيما بعد إلى ظهور ميول جنسية مثلية من جانب الطفل، ناجمة من الإعجاب ببنيته الجسدية + عقاب مدرسي: حضور هذا الطفل نفسه لخبرة عقاب جسدي في المدرسة من قبل الأستاذ لأحد الأطفال، أدت إلى تزكية الإعجاب والاعتزاز بالذكورة ولكن من خلال ربطها بالعنف الجسدي، ويصبح هنا الأستاذ والأب بالنسبة للطفل النموذج القدوة، ومن البديهي أن كل الخبرات التي تبعث على السعادة والرضى تكون مصحوبة عادة بأخيلة ونشاطات على المستوى اللاشعوري ذات طبيعة جنسية، وهذا ما يحصل حيث أن هذا الطفل سيخبر حينها بعضاً من اللذة الجنسية بعد مشاهدته لموقف العنف الجسدي،وهذا التلذذ ناجم عن الانحراف الموجود أصلاً في طبيعة حل الموقف الأوديبي فنحن انطلقنا من كون الطفل قد تعين بشخصية الأب بدل الأم.
ومما سبق نجد أن كلاً من البيت والمدرسة أثرتا بشكل إيجابي لظهور هذا الانحراف الذي بدوره يشكل بوابة للمزيد من الانحرافات الجنسية والتي تعتبر السادية في مقدمتها على اعتبار أن السادي هو الشخص الذي لا يستطيع الحصول على اللذة الجنسية إلا بإيقاع الأذى بالآخر، وتعتبر العلاقة الارتباطية ألم=لذة من أهم مؤشرات الانحراف الجنسي.
أود الإشارة هنا إلى أن فرويد ساهم بتحول الاهتمام بالسادية والمازوشية فأصبحا طرفان لعملية واحدة، وهذا من خلال نشره لكتابه الشهير " ثلاث مقالات حول النظرية الجنسية" عام 1905. بعد أن كان التحليل النفسي سابقاً يعتبر أن السادية أحد مكونات الليبيدو وأن المازوشية مرض، كما ذكر فرويد في كتابه بأن الحياة الجنسية لدى غالبية الذكور تحتوي على سلوكيات عدوانية، ورغبات بإخضاع الآخر، كما اعتبر أن المازوشية امتداداً لسادية ذاتية.
كما أكد التحليل النفسي للكثير من حالات المازوشية وجود مركبات كثيرة تعود بمعظمها إلى المرحلة الأوديبية وهي "عقدة الخصاء، الشعور بالذنب والتي اجتمعت لتدعيم الموقف الأوديبي السلبي وهذا ما أسلفنا في ذكره.

العنوان الأصلي:
Un enfant est battu
Freud، Sigmund: Psychose، Névros، Perversion



ترجمة وإعداد: هنادي الشوا، (الطفل المضروب: العصاب، الذهان، والانحراف الجنسي (1)، دراسة تحليلية للانحراف الجنسي، وعلاقته بالعقاب الجسدي في مرحلة الطفولة المُبكرة)

خاص، نساء سورية

0
0
0
s2smodern