|
أمة بلا وطن.. المرأة الحرة تعادل الوطن |
|
|
|
محمد شرينة
|
|
2009-06-26 |
بالتعريف البسيط الأسرة هي تجمع بشري مكون من رجل وامرأة في الأساس(ثنائية الأساس)؛ يكبر هذا التجمع بإنجاب الرجل والمرأة للأولاد. في حال إباحة تعدد الزوجات والسراري ماذا يبقى من هذا المفهوم؟ نحن نخدع أنفسنا بشكل كامل السخافة، حين نقول أن الأسرة يمكن أن تتكون من رجل وامرأتين في الأساس(ثلاثية الأساس أو أكثر)؛ وما ينجبون من أولاد،
ناهيك عن أن تكون مكونة من رجل وثلاث أو أربعة أو عشرة وربما أكثر كما هو حال بعض الخلفاء والأمراء والقادة المسلمون (بعض الحالات لا تزال موجودة حتى الآن). مفهوم الأسرة هذا الذي تحدثت عنه ليس مأخوذا من الفكر الغربي بل من الطبقة الوسطى العربية المدينية(الدمشقية مثلا)، انه ليس مأخوذا من كتاب بل من الواقع. هنا تشكل العائلة خلية، وحدة حقيقية غير قابلة للتقسيم. إن هذا التكون للجماعة من الآحاد، والذي يدفع الجماعة لتكون أكثر أهمية من أفرادها؛ وبنفس الوقت اندماج الآحاد في الجماعة بشكل تكون الجماعة هي المكون الرئيسي وليس الفرد؛ يُذكرني بتكون نواة الذرة التي تملك طاقة أكبر من مجموع طاقة مكوناتها وبالتالي تصبح متماسكة بشكل يستحيل تفكيكه إلا بوسائل متطرفة القوة كالانفجار النووي. في مثل هذا الجو يتعلم الإنسان الفرد، الوفاء والتضحية والصبر والحرية. يصعب علي تصور وسيلة أخرى لتحقيق ذلك بل انه يستحيل.
لن أطيل هنا الشرح ولن أقدم الأدلة فما أتحدث عنه أمر يعرفه من جربه ولا سبيل لأن يفهمه من لم يجربه. الأسرة تُبنى على الحب أعني الأسرة المؤلفة من فردين رئيسيين، وما أن تتألف الأسرة من ثلاثة أفراد رئيسيين أو أكثر حتى تصبح شيء آخر غير الأسرة، تصبح مؤسسة تجارية أو سياسية ويختفي الحب لتحل محله السياسة بمعناها البشع، الصراع على السلطة والثروة بمعناه الحقيقي. كثير من الذين حرموا من الأسرة بمعناها الحقيقي ونشئوا في أسر من النوع الثاني(ثلاثية الأساس أو أكثر) يعرفون حتى أكثر ممن جربوا الحياة الأسرية الحقيقية معنى الذي أتحدث عنه. يتحول الحب والود إلى صراع بين النساء المتعددات من زوجات أو إماء على الرجل نفسه وعلى ماله وسلطته وارثه من أجل أنفسهن والأهم من أجل أولادهن، والمآسي الناتجة عن ذلك في حريم الخلفاء معروفة لكل مطلع على التاريخ الإسلامي.
لم يعرف العرب مفهوم الأسرة وبالتالي هم لم يعرفوا مفهوم الوطن فهما مترابطان تماما بشكل غير قابل للفصل، وهم لا يزالون يعانون من هذه المشكلة حتى الآن. لقد نقل العرب عاصمتهم خلال قرن من الزمن، من المدينة إلى الكوفة فدمشق فالكوفة فبغداد. وهذا ما يدل على انعدام قيمة المكان(الأرض) بالنسبة إليهم، بينما بقيت روما هي روما. بدون تطور مفهوم الأسرة لا معنى لمفهوم الانتماء.
هذه النقطة لم يستطع العرب فهممها وظلوا تقريبا إلى اليوم لا يدركون معنى الانتماء، وهذا أمر طبيعي لأنه ناتج عن عجزهم عن فهم معنى الأسرة، بسبب تعدد النساء للرجل الواحد؛ سواء كن زوجات أو جواري لا فرق.من المهم الاعتراف أن هذه هي أحد أهم نقاط قوة المسيحية ومن قبلها الفكر الروماني والإغريقي.
إذا كانت ثقافتنا التي تبيح تعدد الزوجات والسراري قد قادتنا إلى الوضع الذي وصفته ولا تزال تفعل ذلك؛ بسبب تعدد الزوجات، فمن أين يتعلم المرء القيم؟ الواقع لا يوجد طريقة لذلك.
لنلاحظ أنه حتى ظهور الإسلام فانه ما أن تظهر دولة قوية أو حضارة متميزة في أي مكان من حوض المتوسط حتى تكمل بسط سيطرتها على كامل المنطقة خلال فترة قصيرة من الزمن. بدأ ذلك مع الفينيقيين، واستمر مع الإغريق فالرومان وهكذا حتى جاء الإسلام. من السهولة ملاحظة أن الإسكندرية أو صور كانتا أقرب إلى أثينا أو روما منهما إلى الجزيرة العربية، وهذا طبيعي فالنقل البحري تطور بشكل كبير متقدما خطوات بعيدة على النقل البري. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا فشل الإسلام في السيطرة على هذه المنطقة، لماذا فشل في أن يفعل ما فعلته كل الدول القوية التي سبقته؟
هذا السؤال شغل بالي لفترة طويلة، ومر بخاطري الكثير من الإجابات، منها أن العرب أمة برية لا خبرة لهم في البحر ولكن العرب سرعان ما أصبحوا بحارة ممتازين. هل هي المسيحية؟ فانتشار المسيحية كان سدا منيعا أمام تقدم الإسلام الذي اعتبر دينا معاديا ومخالفا لأبسط مفاهيم المسيحية؟ ولكن هذا ليس سببا فالبلاد التي سيطر عليها العرب جنوب وشرق المتوسط كانت بلاد مسيحية قبل الإسلام. وسبب آخر يُذكر أحيانا ويعتبره الكثيرون السبب الرئيسي بل الوحيد لعدم سيطرت العرب على كامل العالم القديم وهو الحروب العربية الداخلية وهذا السبب أيضا لا قيمة له، فجميع الأمم عانت منه، لقد بسط الرومان سيطرتهم على العالم في غضون حروب داخلية مستعرة لم تتوقف، وحتى في تاريخنا المعاصر نعتبر أن خلافاتنا الداخلية هي سبب فشلنا وربما يكون العكس هو الصحيح، فقد جاءت سيطرت أوربا على العالم كنتاج ثانوي للصراعات الأوربية الداخلية، والتي يكفي ذكر الحربين العالميتين كمثال عليها.
ما يزيد الحيرة أن شمال المتوسط(أوربا) كانت منطقة مفتوحة أمام العرب لقرابة خمسة قرون، ومع ذلك عجزوا تماما عن السيطرة عليها. ما أقصده بمفتوحة هو ما تعنيه هذه الكلمة تماما، إنها ظلت منطقة يسهل على العرب السيطرة عليها لأكثر من أربعة قرون، ولم تبدأ موازين القوى بالتغير والى الأبد؛ إلا قرابة نهاية القرن الخامس الهجري(الحادي عشر الميلادي)، فلماذا لم يفتح العرب شمال المتوسط وهو الأمر الذي كان سيجعلهم سادة العالم دون منازع والى آخر الأزمنة.
لا يساورني أدنى شك أن السبب الرئيسي لمشاكل العرب التاريخية وصولا إلى الوضع الذي نحن فيه الآن يعود إلى أسباب متعددة ولكن أهمها على الإطلاق هو تطبيع(إباحة) اقتران الرجل بأكثر من امرأة، مما دفع الطبقات العليا من المجتمع إلى الانغماس في حياة اللذة. وفي نفس الوقت دمر مفهوم العائلة. أما من ناحية العلاقات الجنسية خارج الأسرة فهذا الأمر مختلف تماما ففي هذه الحالة تظل الأسرة قائمة ككيان وحيد مشكل للمجتمع؛ نعم هي تتأثر إلى حد قل أو كثر بالعلاقة خارج الزواج ولكنها تظل قائمة.
ما أريده هنا ليس الدفاع عن العلاقات الجنسية خارج الزواج فهذا موضوع منفصل، ولكنني أريد الإشارة إلى أن ظاهرة اتخاذ الخلان والخليلات وهي ظاهرة شائعة في معظم الثقافات حتى التي تمنع تعدد الزوجات، لا تمنع من بقاء الأسرة كنواة أصلية للمجتمع مصانة بشكل مقدس حيث لا يستطيع أي شخص أن يكون منتميا بشكل شرعي إلا لشريك واحد. هذا الشريك يمثل شريكا حقيقيا فمثلا كان هناك دائما ملك وملكة في نفس الوقت في الثقافات الغربية بينما مفهوم الملك الزوج أو الملكة الزوجة هو مفهوم لا تعرفه الثقافة الإسلامية. كما أن من أكثر الأمور حيوية هو أن النسل الملكي الناتج عن هذه المؤسسة الملكية هو وحده صاحب الحقوق الملكية في العرش أو التاج. هذا وفر الصراع المرعب على السلطة بين الأخوة من أمهات مختلفات، هذا الصراع الذي استنزف جزء كبير من طاقة المجتمعات الإسلامية. نفس الشيء ينطبق على الأسرة فالأولاد الشرعيين المعترف بهم هم فقط الأولاد الذين ينتجون عن الشريك الشرعي وهم أصحاب الحق معنويا وماديا في ارث الأسرة.
ما أريد إيضاحه هو أن هناك فرق هائل بين أن يكون للشخص سواء كان رجل أو امرأة علاقات جنسية مع غير شريكه الشرعي؛ وبين أن يكون له أكثر من شريك شرعي واحد. هذا الأخير هو الذي يقود إلى تدمير مفهوم الأسرة التي هي أساس مفهوم الجماعة، وبالتالي تكون النتيجة مجتمع ليس لديه أدنى فكرة عن العيش في مجموعات وما يتطلبه ذلك من أخلاق. أحب أن أذكر مثال بسيط: أثناء دراستي الجامعية(للعلوم الزراعية) كان هناك مقرر حول التعاون الزراعي يذكر المقرر أن 85% من أراضي ألمانيا الاتحادية آنذاك، تدار من قبل جمعيات تعاونية زراعية. ولطالما بحثت عن سبب فشل جميع تجارب التعاونيات في بلادنا. بعد ذلك لطالما فكرت بالفوائد التي بمكن أن يحققها التعاون الزراعي فأسرتي مثلا تمتلك مزرعة في منطقة ريفية، تحتوي نحو عشرة مزارع متوسطة الحجم، كل مزرعة تقريبا تحتوي جرار مع كامل تجهيزاته هذا الجرار يعمل لنحو شهر أو شهرين في السنة، إن عدد أقل بكثير من الجرارات كان سيكون كافيا وهكذا دواليك، فالهدر لا يتوقف على الجرارات فقط بل مضخات رش المزروعات ومضخات الماء الخ...، و كثيرا ما فكرت أن الوفر الحاصل عن مثل هذه العمليات يمكن أن يشكل رأس مال استثماري جيد يتراكم مع مرور الزمن مما يجعلنا قادرين بسهولة على أن نشكل شيء مختلف تماما عن الشيء الذي نحن عليه، شيء شديد التطور والقوة والإنتاجية. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فان كل منا ينقصه بعض المعدات كما أن الجميع عاجزون عن امتلاك بعض المعدات باهظة الكلفة كالحصادات ولو كان هناك تجمع تعاوني لأمكن حل جميع تلك المسائل بغاية السهولة، فكرت في ذلك لزمن طويل ولم أعرف السبب يومها، ولكنني كففت عن تقليب المسألة في ذهني آنذاك بناء على قضية تختلف عن القضية المطروحة هنا، تلك القضية مبنية على أنه إذا كان أخي يشكل خطر على زوجتي وأنا أشكل خطر على زوجته فعن أي تعاون يمكن أن نتحدث؟
ثم لاحقا أدركت سبب فشل المسلمين في تكوين فكر مؤسساتي من أي نوع بدءا من التعاونيات وصولا إلى الأحزاب التي ما أن تؤسس على أسس فكرية وعقائدية حتى تتحول إلى مؤسسات عشائرية يسيطر عليها فرد. ذلك أن الفكر المؤسساتي يحتاج حتى يتطور، إلى أن يتربى الإنسان في مؤسسة هي الأسرة. والأسرة لا تكون مؤسسة ما دام الرجل يمتلك وحده السلطة المطلقة فيها بما فيها سلطة إلغاءها من الأصل أو تعديلها جذريا بتوسيعها كيفما يرغب مضيفا إليها العدد الذي يحب من الزوجات. هذا يعني أن المرأة عديمة الصلاحيات وبالتالي عديمة السلطة في هذا التجمع، مما يعني أن السلطة كاملة متركزة في يد طرف واحد وهو الرجل وبالتالي فمثل هذه الأسرة ليست مؤسسة، فالمؤسسة هي ذلك التجمع البشري الذي يدار بشكل جماعي من شخصين أو أكثر. لقد ارتبط الفكر المؤسساتي لدى القرطاجيين فالإغريق والرمان وصولا إلى المسيحية بهذه المسألة بالتحديد، ففي المجتمعات التي تتركز فيها السلطة في الأسرة التي هي الخلية الأصل المشكلة لأي مجتمع، بيد طرف واحد؛ لا يمكن الحديث عن شيء اسمه فكر مؤسساتي، إذ أين يمكن أن يتطور مثل هذا الفكر؟
أما الدكتاتورية المطلقة قديما وحديثا والمطبقة بشكل خانق على جميع المؤسسات في العالم الإسلامي من العرش إلى الحانوت والبيت؛ فهي الأخرى تعود بشكل رئيسي إلى هذا العامل، فكل شيء هو مملوك لفرد(رجل) وليس لفردين(رجل وامرأة) وبالتالي فان أفكار كالتعدد والمشاركة والتنازل والحوار والتضحية والقبول بالآخر هي أفكار غير موجودة في حياة المسلم العادي. بكل جلاء فكرة الأسرة الغربية التي تضطر رجل معين وامرأة معينة لقضاء كل حياتهما معا هي أساس التفكير المؤسساتي الذي لا يركز على إلغاء الآخر أو التخلص منه، فهذا غير ممكن؛ مما يجعل الحل الوحيد المتبقي هو التعايش وإيجاد الحلول ووضع الضوابط والاتفاق على الواجبات والحقوق، وهذه أولى خطى العمل المؤسساتي. لنفكر ببساطة كيف تضطر هذه الوضعية التي تفرض فيها الثقافة على هذين الشخصين العيش مدى حياتهما معا، أن يصبحا شخصين يفكران بطريقة مؤسساتية. أما عندما يكون الرجل هو كل شيء فلِمَ يفعل ويتعلم شيء لا يحتاجه؟ فالحاجة هي أم الاختراع، ولا أحد يخترع شيئا لا يحتاجه. ببساطة الرجل المسلم ليس بحاجة لفكر المؤسسة وتحمل الآخر وإيجاد طرق وأفكار للتعايش معه. فالمرأة مجبرة على الرضوخ لرغبة الرجل، بل مصيرها يقرره رجلها بشكل كامل، فهي إما تخضع وإما تُنبذ.
الحجاب مرتبط بشكل وثيق جدا بهذه المسألة أعني إباحة تعدد النساء للرجل الواحد بغض النظر عن كون ذلك عن طريق تعدد لزوجات أو ملك اليمين، فالرجل غير الملتزم بامرأة يتوقع منها كثيرا أن تبادله عدم الالتزام هذا، ذلك من الناحية الأخلاقية، أما من الناحية المادية فمن شبه المستحيل بل من المستحيل أن يلبي رجل واحد رغبة امرأتين أو ثلاث أو أربع نساء أو أكثر، وبالتالي فهناك دافع مادي شديد لدى هؤلاء النساء لإشباع رغباتهن الطبيعية عن طريق غير رجالهن أكانوا أزواجا أم كانوا ملاكا.
كما إن عقوبة رجم الزاني أو الزانية أيضا تعود إلى نفس السبب، ردع المرأة التي تتزوج من نصف أو ربع رجل أو أقل، عن البحث عن رجل غيره. ما يتسارع إلى البال أن عقوبة الزنا هي واحدة للرجل والمرأة المحصنين أي المتزوجين، ولكن هذا التصور ليس أكثر من وهم فالرجل يستطيع طلاق زوجته في أي وقت والتزوج بغيرها طلقها أو لم يفعل بينما المرأة عاجزة عن تفعل أي شيء مقبول شرعا لإشباع حاجاتها المادية والنفسية مما يولد لديها دافعا قويا إلى إشباع هذه الرغبات خارج النظام أي الزنا. وبالتاي حتى لا تفعل كان الرجم لها بالمرصاد. ناهيك عن أن المرأة التي من الممنوع عليها مغادرة بيتها إلا بموافقة مسبقة من رجلها هي تحت مراقبة تامة تجعل من السهولة بمكان إثبات واقعة الزنا عليها، بينما حتى لو ارتكب الرجل الزنا، فهو مطلق الحرية في الحركة مما يجعل من المستحيل إثبات الزنا عليه. مما لا يدع مجال للشك بأن هذه العقوبة القاسية جدا موجهة للنساء بشكل رئيسي.
من الواضح أن العالم الإسلامي لم يكن قادرا على أن يخطو الخطوة التالية المطلوبة للأسباب المشروحة في هذا المقال وهو لم يزل عاجز عن هذه الخطوة حتى الآن.لا يراودني أدنى شك في أن اختلال العلاقة بين الرجل والمرأة في العالم الإسلامي والأهم من ذلك تطبيع ذلك(جعله مقبول شرعيا وقانونيا) هو عامل فشل الأمة الرئيسي وبدون التخلص منه سيستمر الوضع على حاله للقرون الأربعة عشر القادمة.
محمد شرينة، (أمة بلا وطن.. المرأة الحرة تعادل الوطن)،
عن موقع "تنوير"، (6/2009)
|